نيران الحرب على مسافة صاروخ

صورة وزعتها البحرية الاميركية لبحارة أميركيين على متن المدمرة “يو إس إس دونالد كوك” لدى إبحارها من ميناء لارنكا في قبرص نحو السواحل السورية الاثنين. (أ ف ب)

وكتب ترامب في تغريدة صباحية مفاجئة بعض الشيء لأنها كانت موجّهة مباشرة الى روسيا: “روسيا تعهّدت إسقاط أي أو كل الصواريخ التي تطلق على سوريا. استعدي يا روسيا لأنها (الصواريخ) سوف تأتي بشكل جيد وجديد وذكي”، في إشارة الى الصواريخ والقنابل “الذكية” التي تصيب أهدافها بدقّة عالية.

لكن الرئيس الأميركي ألحق ذلك بتغريدة أقل تصلبا جاء فيها: “علاقاتنا مع روسيا أسوأ الآن من أي وقت مضى حتى خلال الحرب الباردة. ولا سبب لذلك. روسيا تحتاج إلينا لمساعدتها اقتصادياً، وهو أمر من السهل تحقيقه، ونحن في حاجة الى جميع الدول للعمل معاً، لوقف سباق التسلح”.

ولكن في مقابل تهديدات ترامب، صدر موقف أكثر اعتدالاً من وزير الدفاع جيمس ماتيس الذي صرّخ للصحافيين: “لا نزال نقوّم المعلومات الإستخبارية، نحن وحلفاءنا، ولا نزال نواصل عملنا في هذا الشأن”. وكرّر موقفه القائل بأن القوات الاميركية مستعدة لتوفير الخيارات العسكرية المناسبة للرئيس ترامب في حال الضرورة.

ويتخوّف المراقبون والمسؤولون السابقون من أن استخدام القوة العسكرية، حتى بمستويات أعلى من الضربة المحدودة التي وجّهها ترامب لسوريا بعد الهجوم الكيميائي على خان شيخون، اذا لم يكن في سياق تصور سياسي واضح أو استراتيجية متماسكة، “سيكون تطوراً خطيراً قد يؤدي الى حرب أوسع غير مقصودة” كما قال لـ”النهار” مساعد وزير الخارجية سابقاً ادوارد دجيرجيان الذي عمل سفيراً لبلاده في سوريا واسرائيل.

ولاحظ بعض المراقبين باستغراب أن ترامب ربما “حشر” نفسه في زاوية نتيجة تغريداته المتصلبة، وكشف أوراقه فور الهجوم الكيميائي بإنه سيلجأ الى الخيار العسكري، قبل أن يناقش هذا الخيار بدقة مع العسكريين الأميركيين ومع الحلفاء. واللافت هو أن ترامب كان دائما ينتقد الرئيس السابق باراك أوباما لانه كان يعلن سلفاً مواعيد انتهاء العمليات العسكرية كما فعل في شأن انسحاب القوات الأميركية من العراق وافغانستان. لكن ما فعله في الأيام الاخيرة هو توجيه رسائل واضحة عما يعتزم القيام بها عسكريا، الامر الذي سهل على النظام السوري وحلفائه اتخاذ الاحتياطات العسكرية مثل نقل الطائرات السورية أو بعضها الى قاعدة حميميم التي تسيطر عليها روسيا وحيث تتجمع الطائرات الحربية الروسية.

لندن تصعّد وباريس تتروى 

وفي موازاة ارتفاع مستوى التهديدات الأميركية بشن هجوم عسكري، بدت العاصمة الفرنسية أمس أكثر ترويا منها في الايام الاخيرة. وقالت أوساط فرنسية مقربة من الاليزية لـ”النهار” إنه “من الصعب ان تذهب فرنسا الى عمل عسكري في سوريا ما لم تمتلك دلائل موثوقاً بها على استخدام النظام السوري السلاح الكيميائي في دوما”. ورجّحت أن تشارك فرنسا في عمل محدود يستهدف القاعدة التي انطلق منها السلاح الكيميائي بصرف النظر عن حجم العمل العسكري الذي تخطّط له الولايات المتحدة “فالمهم بالنسبة الى باريس هو عدم تجاوز الخطوط الحمر باستخدام الأسلحة الكيميائية”.

وفي المقابل، رفعت بريطانيا وتيرة تهديدها بالمشاركة في العمل العسكري اذ أبدت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، استعدادها للمشاركة في العمل العسكري من دون انتظار موافقة البرلمان البريطاني على ذلك.

وفي جنيف، أكدت أوساط مقربة من البعثة الروسية أن السفير الروسي غينادي غاتيلوف، وهو مساعد سابق لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، يجري منذ ثلاثة أيام اتصالات مكثفة مع الجانب الاميركي من أجل منع تدهور الامور نحو عمل عسكري واسع النطاق. ويركّز الجانب الروسي في هذه الاتصالات على إقناع الاميركيين بإجراء تحقيق مستقل تتولاه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في حادثة دوما قبل الذهاب الى العمل العسكري.

وبدت أجواء الامم المتحدة وفريق المبعوث الاممي ستافان دو ميستورا متشائمة جداً، فبالنسبة الى الفريق الأممي، يبدو العمل العسكري الاميركي واقعاً لا محالة، وتتخوّف الامم المتحدة من تداعيات هذا العمل على العملية السياسية برمتها اذا كان الهجوم أوسع وأعنف من الضربة التي نفذتها الولايات المتحدة في 7 نيسان 2017 على مطار الشعيرات بعيد حادثة خان شيخون.

وقالت الأوساط الاممية لـ”النهار” إن دو ميستورا، كما الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريس، يصرّان على إجراء تحقيق دولي مستقل في حادثة دوما لتحديد المسؤوليات اذا ثبت استخدام الكيميائي.

ومع تصاعد التوتر دعت المنظمة الأوروبية للسلامة الجوية “يوروكنترول” شركات الطيران إلى توخّي الحذر في شرق المتوسط لاحتمال شن غارات جوية في سوريا خلال 72 ساعة.

روسيا تراقب 

وفي موسكو، أفاد الجيش الروسي أنه يراقب عن كثب الوضع حول سوريا وأنه على دراية بتحركات قوة بحرية أميركية متجهة إلى الخليج.

وكانت البحرية الأميركية أعلنت الثلثاء أن المجموعة القتالية التي تتقدمها حاملة الطائرات “يو اس اس هاري ترومان” ستبحر إلى الشرق الأوسط وأوروبا الأربعاء (أمس).

وقالت وزارة الدفاع الروسية في بيان: “نرقب عن كثب الوضع حول سوريا وفي المنطقة بأسرها”.

ورداً على تصريحات ترامب عن عمل عسكري وشيك، قالت الوزارة: “من الأفضل للولايات المتحدة عوض الحديث عن استعداد التحالف لإطلاق صواريخ على سوريا أن تعيد بناء المدينة المدمرة (الرقة) وتقدم مساعدة واسعة لسكانها الذين يئنون تحت وطأة المعاناة”.

وأكدت الوزارة مجدداً أن هجوم الأسلحة الكيميائية الذي يتردّد أنه حصل في مدينة دوما السورية اختلقته جماعة “الخوذ البيض” ورفضت المزاعم الغربية عن مسؤولية قوات الحكومة السورية عنه.

وكشفت أن الشرطة العسكرية الروسية ستدخل دوما اليوم.

ورأت وزارة الخارجية الروسية أن “الصواريخ الذكية يجب أن توجه الى الإرهابيين وليس الى الحكومة الشرعية”.

وبعد أيام من الغارة الاسرائيلية على مطار التيفور في محافظة حمص مما أسفر عن مقتل سبعة عسكريين إيرانيين، دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، الى “الإحجام عن أي عمل يؤدي الى مزيد من زعزعة الإستقرار”.

وأصدر مكتب نتنياهو بياناً جاء فيه أن “رئيس الوزراء تحدث هاتفياً هذا المساء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين” و”كرّر أن اسرائيل لن تسمح لإيران بأن يكون لها وجود عسكري في سوريا”.

وفي وقت سابق، حذّر بوتين في كلمة أمام مجموعة من السفراء الأجانب، من أن الوضع في العالم مثير للقلق، وأنه يأمل في أن يسود المنطق السليم.

وشدّد على أن روسيا ستحترم جميع التزاماتها بموجب القانون الدولي وستقيم علاقات بنّاءة مع الشركاء الأجانب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*