نور عن زواج القاصرات: العروس اتّشحت… بالضباب

“نور”، هو باكورة الأفلام الروائية الطويلة لخليل زعرور، المخرج الذي التزم حتى الآن معالجة قضايا منبثقة من محيطه، كمسألة المخطوفين خلال الحرب الأهلية التي طرحها في عمله الوثائقي “ملاكي”. لنقلها بلا لفّ ودوران. مشكلة الفيلم في الآتي: فهو يقدّم نفسه مسبقاً أنّه عن قضية ما، أي زواج القاصرات، وهذا يعني أنّ الموضوع يتصدّر الفيلم، من دون أن يترك للمُشاهد أي فرصة ليلتقطه بنفسه. في هذا المعنى، “نور” يحرق القضية التي يتناولها.

المَشاهد التمهيدية الطويلة نسبياً، تموضعنا في البيئة التي تتبلور فيها الحوادث. بيئة مسيحية حيث الحياة كلّها تتمحور حول كنيسة البلدة التي هي أشبه بمركز الكون عند أهلها. نور (فانيسّا أيوب) لا تزال جميلة بطيشها الشبابي اللامبالي، بمراهقتها البريئة، بقلبها الذي يهتف لرفيقها وسيم، ربما من دون أن تعي ذلك. جميلٌ هذا الشقّ الأول، نقبله بهنّاته كشريط مصوّر، وبهفواته التي يمكن تجاهلها بسبب الصدق الذي ينبع منه. يمكن أن نذكر في هذا الصدد عشرات الأفلام التي عالجت هذه المرحلة التأسيسية من عمر الإنسان. تبقى لهذا الجزء قدرة معينة على الإغواء، بصرياً على الأقل، وإن استعار من هنا وهناك. ربما لبساطة اللغة ولعدم الاصرار على النطق بخبرية معينة، بل الاكتفاء بمجموعة لقطات شبه وثائقية عن تفاصيل العيش في البلدة. لن نعرف كثيراً عن الزمن الذي تجري فيه الحوادث، فهو رهن الضباب. ثم هناك تفصيلٌ مهم: البلدة مسيحية كسروانية، لها خصوصيتها المارونية، وهي خصوصية لم تكن دائماً محل اهتمام في #السينما اللبنانية التي تعفي نفسها من تسمية الأشياء بمسمياتها. لكن زعرور لا يستغل هذا الجانب أفضل استغلال، كونه يحيّد أصلاً مسألة الدين عن كلّ ما سنراه تباعاً. مع أنّ الزواج المبكر اختفى تقريباً عند الطوائف المسيحية منذ بضعة عقود.

نور التي تعيش مع أمها (جوليا قصّار) وأخيها في غياب الأب، ستُنتزع إذاً من محيطها الطفولي ورفقتها وحياتها اللامبالية لتُرمى في أحضان رجل يكبرها سناً، مع ما يترتب على هذا من مسؤوليات لا تقع على مَن في عمرها. هي في الخامسة عشرة، وهو، موريس، يُرجَّح أن يكون في منتصف ثلاثيناته. موريس هذا، الذي يتولى تجسيده المخرج بنفسه، ابن البك الثري، يشي مظهر الفيللا التي يقطنها بأنّ الزمن توقف عنده. توقُف الزمن هذا في كلّ حال سيُلقي بظلاله الثقيلة على الفيلم نفسه، ليمسك بإيقاعه ما إن تدخل نور البيت الزوجي، ليصبح الفيلم من تلك اللحظة بناء متكرراً على الفكرة نفسها، من دون أن يُضاف إليه في كلّ مرة شيء غير التوكيد. كلّ شيء سيُحكم عليه بالإعدام ما إن تنتقل “ملكية” نور من عائلتها الفقيرة إلى هذا الرجل الذي سيعاملها بشراسة مطلقة.

سوء معاملة موريس لنور سيكون مقدمة لسلسلة من المشكلات التي تتأكل الفيلم: أولاً، نحن لن نعرف قطّ مَن هو هذا الرجل الذي يُدعى موريس. سيبقى بالنسبة إلينا حتى النهاية لغزاً كبيراً، ظلاً يتحرك في خلفية الصورة. لن نسمعه يقول شيئاً يفيدنا لفهم شخصيته وتحديد علاقته بالمرأة وأهدافه الحياتية. لذلك يبقى طيفه ثقيلاً على الفيلم. ثم، لماذا يريد شخص وسيم وثري، عاش في بلد متحضّر، أن يقترن بفتاة من عمر ابنته؟ هذا ما لا يقوله الفيلم المقلّ تفصيلاً. ثانياً، وهنا النقطة الأكثر إشكالية، يختار المخرج سوء المعاملة الذي تتلقاه نور من الزوج وأمه، ليقع الفيلم على اثر ذلك في الضبابية، فيصبح تصوّر المُشاهد للصراع كأنه بين الشرّ والخير، كأن المشكلة تكمن في أنّ عائلتها الجديدة لا تعاملها بشكل جيد، لا في كون زواج القاصرات مشكلة في ذاته بغضّ النظر عن نوعية المعاملة. ثالثاً، لا تناسب فانيسّا أيوب الدور، على الرغم من أدائها الجيد. فرط أنوثتها يمنعك من أن ترى فيها ضحية طفلة. يتّجه التفكير في مكان آخر. هي في بعض اللقطات امرأة كاملة تثير الشهوة. أخيراً، الفيلم يُلفلف بسرعة رسالته الإنسانية التي لا يمكن التشكيك في نزاهتها، لا تخلص إلى خلق سجال. نخرج بإحساس “سو وات؟”.

يتعامل زعرور مع القضية كتحصيل حاصل، يرى في المشاهد هدفاً سهلاً، يعتبره في “جيبه” ويريده متعاطفاً من دون أن يمنحه كلّ المفاتيح. إلا أنّ المُشاهد الذي يحتاجه الفيلم مقاوم، لا ينجرّ بسهولة. نبحث عن تهم تتشكل انطلاقاً من معطيات اجتماعية (تدمير حياة فتيات عبر تزويجهن المبكر)، إلا أننا لا نجد سوى بعض المتهمين. للأسف، لا يتطور الفيلم إلى أيّ شيء أكثر من ذلك، ليتيح له الانتقال من عرض المتهمين إلى عرض التهمة نفسها. لا نلمس عمق مشاعر نور حيال الكارثة التي تحلّ بها. هي أيضاً غائبة إلى حدّ ما على رغم طغيان حضورها الجسماني الذي يصبح كافياً للفيلم. كأن زعرور أراد فيلماً “لطيفاً” وضبابياً، يكون ضرره محدوداً على المجتمع الذي يعرّيه، كونه منه يأتي وإليه سيعود في النهاية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*