نهاية السياسات التمثيلية – لسيمون تورمي: ضعف البرلمانية أم نهاية الحزب؟

جهاد الزين

       النهار11
    تموز 2017

لم أشارك في النقاش حول قانون الانتخابات الجديد في لبنان انتظاراً لمزيد من الوقت في محاولة تصور وبالتالي فهم صلة النص بالتطبيق وكيفية ظهور طرق جديدة للتكيف الشعبي و(عدم) التكيُّف النخبوي معه من جهة، ومن جهة ثانية لأشكال التحايل الجديدة التي يمكن أن تلجأ إليها القوى السياسية- وستلجأ- من داخل القانون أو من خارجه الأمني والمالي.

يتطور النقاش في الثقافة السياسية الغربية حول مدى تمثيلية الانتخابات لاسيما الرئاسية والنيابية دون أن تتطوّر الانتخاباتُ نفسُها بالقدر ذاته، لا بل تبقى الأخيرة، العملية الانتخابية، حتى في هذه الدول المتقدمة والراسخة النظم الديموقراطية على مسافة كبيرة سلبية وراء النقاش المتطور الذي يطرح مسألة غاية في القوة والصعوبة:

هل الانتخابات – في الغرب أو الدول الملتحقة بالنظم الغربية ككوريا ج. واليابان وأوستراليا – قادرة وحدها على التعبير السياسي الديموقراطي عن كل قوى المجتمع الفاعلة؟

أحد أهم الكتب – حسب رأي نقاد غربيين عديدين- التي صدرت في السنوات الأخيرة هو كتاب الباحث الأوسترالي سيمون تورمي الصادر عام 2015 عن دار “بوليتي برس”  في بريطانيا والولايات المتحدة والذي يحمل العنوان الصادم التالي:

“نهاية السياسات التمثيلية”.

تحتاج فئات من النخبة اللبنانية الاطلاع على هذا النوع من الدراسات في سياق مواكبة مدى عمق النقاش حول فعالية الصيغة الراهنة للديموقراطية المستندة على الانتخابات ووجوه قصورها بل تخلفها عن مواكبة تمثيل قوى جديدة شبابية في المجتمع أو منع تطور قوى أخرى.

مؤخّراً طرحتْ نسبةُ الامتناع العالية عن التصويت في دورتي الانتخابات التشريعية الفرنسية والمتزايدة بين الجولتين الأولى والثانية فوق الخمسين بالماية والواصلة إلى 56,6 بالماية، طرحت مسألةَ مدى حجم التفويض المعطى للفائز وهو الرئيس إيمانويل ماكرون إذا كان عدد الممتنعين فاق عددَ المقترعين وحتى لو أسفرت الانتخابات عن تشكيل كتلة أغلبية برلمانية مطلقة مؤيدة لماكرون، بل حتى لو أسفرت عن تغيير تاريخي في بنية الطبقة السياسية الفرنسية أدى إلى استبعاد جيل كامل هيمن طويلا على الحياة السياسية الفرنسية منذ عقود.

إذن في فرنسا فوز ساحق لتيار الرئيس ماكرون ولكن مع نقص بل عجز تمثيلي عميق للفائز يعني عدم الإجماع على مشروعه التغييري الكبير لـ”تحرير” شروط العمل لصالح أرباب العمل.

قبل ذلك في الولايات المتحدة طرح فوز دونالد ترامب بالرئاسة خريف العالم الماضي أزمةَ النظام السياسي الأميركي، لا فقط على مستوى مدى تمثيلية الفائز الذي لم ينل الأغلبية العددية، بل أيضا لأن قماشة الفائز الشخصية ومدى ملاءمته كرئيس في دولة قانون مطروحتان وبقوة متزايدة على بساط البحث وربما وصلتا إلى حد طرح إقالته؟

صدر كتاب سيمون تورمي سنةً ونيِّف قبل تلك الانتخابات الأميركية وحوالي سنتين قبل الفرنسية ولكنه دون شك يصلح كمرجع لمناقشة الإشكاليات العميقة التي تأكدت لاحقا حول في عدم تلبية نظام الانتخابات، الشكل الأرقى والأثبت للنظام السياسي في الثقافة الغربية، لمتطلبات تمثيل قوى تكتشف نفسَها منذ سنين وخصوصا بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي مهمّشةً وليس لديها سوى الشارع للتعبير والاحتجاج وليس المؤسسات الدستورية.

فيما هو يعلن ويثبت عجز النمط التمثيلي للديموقراطية (الانتخاب) لا يتوقّع تورمي نهاية هذا النمط بل يسجل واقعة أنه لا بديل له حتى اليوم رغم أن التحولات التكنولوجية (وسائل التواصل الاجتماعي) الاقتصادية (ما يُسمّيه الباحث أصولية السوق) والسياسية (الموجة ضد الأحزاب المهيمنة) والاجتماعية (موجات الهجرة إلى الغرب) والثقافية (اللا تسييس الاحتجاجي) ستجعله على الدوام نمطا قاصرا ومأزوما أمام قوى لن تجد نفسَها ومطالبها سوى عبر الاحتجاج الشارعي. وهو كله ما يجعل الكاتب يتبنى تعبير ميشال ميشولاتي عن ولادة حركات ” العمل الجَماعي ذي الطابع الفردي” حيث لا قيادة شخصية بارزة أو كافية وإنما تجمُّعُ محتجين منظّمٌ ضد الاستابلشمانت وبلا زعامة.

الكتاب يحلِّل عددا من الحالات التي باتت شهيرة في الولايات المتحدة، “احتل وول ستريت” و 15″إم”  الأسبانية من اليسار، وغيرها في المكسيك وتركيا والبرازيل!.

ولكن التحولات لا تقتصر على هذا الاتجاه لتفكك النمط التمثيلي أو لتأزمه، وإنما تتجسّد في ما يسمّيه الكاتب ولادة نموذج جديد من الأحزاب المفاجئة بسبب هذه التحولات العميقة والمثل الأهم هو  “باديموس” في أسبانيا. لكن المثال اليوناني مع حزب سيريزا “سيريزا” الذي غيّر الحياة السياسية اليونانية تدفع تجربته القارئ إلى التساول السريع: ألم يتحول هو بدوره إلى حزب بديل حاكم؟ ولم يكن متوفرا للباحث عام 2015 فرصة مراقبة كافية لأن ولادته كانت في بداياتها بعد أن تحوّل من تحالف إلى حزب.

بما أني قرأت الكتاب موخرا سأسمح لنفسي بإعطاء أمثلة تقع في قلب الإشكالية التي يطرحها ولكنها حصلت بعد صدوره وأتوقع لها أن تعبِّر عن أزمة قصور نمط التمثيل الانتخابي التقليدي استشرفها الكتاب.

جان لوك ميلونشون “زعيم فرنسا العصية” طرح من اللحظة الأولى لتكريس فوز كتلة حزب الرئيس ماكرون مسألة شرعية أي قرار يتعلق بتغيير النمط الاجتماعي الفرنسي في ظل وجود أغلبية ممتنعين عن التصويت أكبر من أغلبية المقترعين الفائزة باكثرية المقاعد. ولم يكن زعيم اليسار الراديكالي الفرنسي وحده في الدعوة الى ربط القرارات المتعلقة بالعمل التي سيأخذها ماكرون تبعا لبرنامجه المعلن، ومن أهمها تحرير عقود العمل، ربطها بالاستفتاء الشعبي لأن التمثيل البرلماني لا يملك الشرعية الشعبية الكافية. لم يكن ميلونشون وحده، الذي سيرأس كتلة صغيرة ولكن مهمة في الجمعية الوطنية. فالعديد من المراقبين والمعلقين الصحافيين الفرنسيين من اليمين واليسار أخذوا الموقف نفسه. أو التوقّعَ ذاته. إذن هذه لحظة تأزُّمٍ للنظام التمثيلي تحصل ومقبلة أكثر على فرض نفسها بالضبط كما رسم إطارَها كتاب سيمون تورمي مسبقاً.

الحالة الثانية تركيا. ففي تركيا منذ أربع سنوات يمكن اختصار الصراع بأنه اتساع حجم قوى نخبوية وشعبية لا تجد نفسها وطموحاتها في الديموقراطية العددية الانتخابية التي يمارسها الرئيس رجب طيِّب أردوغان والتي حوّلها إلى ذريعة لنظام قمع بوليسي شمل كل قطاعات الدولة. انتهت تركيا سياسياً إلى دولة عالمْثالثيّة.

ماذا عن لبنان من منظور هذه الخلفية الغربية رغم أن تخلّفَ نظامه السياسي لا يجعله بالضرورة عضوا في هذا النادي النقاشي الغربي المتقدم؟

لا شك أن “الحراك المدني” اللبناني كتعبير نخبوي شبابي واسع عن القطيعة مع نظام الزبائنية القائم يمكنه أن يستفيد من هذا النقاش. هذا دون أن ننسى أن قانون الانتخاب الجديد الذي أقرّته الطبقة السياسية في البرلمان مؤخرا، يشير ارتباكُهُ وتعقيدُهُ إلى احتمال فشله في إتاحة الفرصة أمام التعبير التمثيلي عن التنوّع الاجتماعي السياسي الطائفي رغم أنه يحمل العنوان النسبي.

لا أريد أن “أُلَبْنِنْ” نقاشا غير لبناني أرقى من التجربة الانتخابية اللبنانية بل من التجربة السياسية اللبنانية. لكنْ أرى أنه يمكن أن يكون للبنان، على الأقل من حيث الإطار الثقافي السياسي، مكانٌ قربه أو على ضفافه. فأزمة قصور بل عجز التمثيل النيابي اللبنانية ليست إلا جزئيا أزمة عدم تمثيل قوى حداثية شبابية في المدن بصورة خاصة، وإنما هي كما تُطرَح عندنا أزمة قصور عن تمثيل قوى تقليدية طائفية لصالح هيمنة قوى رئيسية مسلحة أو ممولة.

إذن لنفكر في الجزءين معا من أزمة التمثيل: المتخلف الذي نحن فيه والمتقدم الذي نبتعد عنه أكثر فأكثر.

jihad.elzein@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*