اخبار عاجلة

نقد جهاد الزين لمهنته

مروان اسكندر
النهار
06122018

صدر كتاب “المهنة الآثمة” عن دار “رياض الريس للكتب والنشر” من تأليف المعلق السياسي جهاد الزين الذي أشرف على صفحة “الرأي” في “السفير” لمدة أكثر من خمس عشرة سنة وهو يشرف حاليًا ومنذ اكثر من عشرين سنة على صفحة “القضايا” في “النهار”.

معروف عن جهاد انه يتحدّر من عائلة شيعية عريقة تمسّكت باللغة العربية والصفات المميزة حقًا في التعامل مع الآخرين منذ عقود، وكتابة جهاد، وهو خريج كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية عام 1975، ليست الاسهل للقراءة علمًا بان قراءة اي مقال ينشره تغني القارئ بتعابير توصيفية قلما نجدها في المقالات السياسية.

بدايةً، الكتاب يقع في 300 صفحة دون الملاحق، ومن هذه ملاحق مفيدة تاريخيًا لكل من يحاول ادراك الخلفيات السياسية والاقتصادية التي تتداخل مع بعضها وترسم اطار الحياة الاجتماعية في غالبية البلدان. ولا شك ان هذا النظام اهتز وتحول عن خصائصه منذ عام 2008، وكل ما نشهده من تطاحن حول شروط تبادل المنتجات والافكار والتنظيمات الانتاجية والحياتية مرتبط بشكل وثيق مع دخول العالم منذ بداية القرن الواحد والعشرين في ثورة معلوماتية وانتاجية يمكن اعتبارها وصفيًا، بانها الثورة ما بعد الثورة الصناعية وما وفرته لبلدان عديدة قبل الحرب العالمية الاولى وبعدها. وربما من المفيد الاشارة الى ان احدى اكبر مشاكل هذا العقد، والعقد المقبل موضوع الهجرة والتهجير وتأثير هذا الامر على تطور المجتمعات على مستوى تشكيلة الانتاج القومي، وسرعة النمو المرتبطة بتبني علوم الابتكارات الالكترونية ووقعها على الحياة اليومية. وقبل الحرب العالمية الاولى كان الانتقال بين بلد وآخر لا يخضع للتنظيم الاحصائي والعلمي الذي نشهده اليوم، وبالتالي سافر ثلث اللبنانيين خلال سنوات الحرب العالمية الاولى هربًا من المجاعة التي تسببت في وفاة مائة الف لبناني ولبنانية وتسببت بعشرات آلاف الايتام.

قراءة كتاب جهاد الزين ليست سهلة، سواء لاستعماله تركيب لغوي يمكن القول انه من اختصاصه، او تقبُّلِ أفكار تناهض التوجه التعبوي العام في بلادنا، وهو ينتمي الى الفكر الليبرالي الذي يحفظ حريات الانسان ويسهم في تطور مفاهيمه وممارساته، وربما تبدو الصورة واضحة لممارسة جهاد الزين من مراجعة ثلاثة مقاطع تقترب من نهاية الكتاب. يقول جهاد:

“ثبت اذًا ان الحتميات التي سادت في نهاية القرن العشرين لم تثبت جميعها، وان الفكرة الثقافوية التي شغلت المثقفين، وخصوصًا الفرنسيين، وهي ان فكرة “التقدم” ليست اكثر من فانتازيا غربية. كنا في بلداننا العالمْ ثالثية لا نملك ككتاب سياسيين ترف مناقشة مصير هذه الفكرة، فيما بلداننا تتعرض للتراجع وتُضخ فيها نظرة ماضوية، الى ماض في دولتنا ومجتمعاتنا كان مفتوحًا وصاعدًا في النصف الاول من القرن العشرين، وتحول الآن الى حاضر انهياري ومستقبل مجهول” (ص 272).

الفانتازيا الغربية التي يشير اليها الكاتب برزت مع انهيار الاتحاد السوفياتي وفشل نظام الحكم الشيوعي في تأمين الكفاية والمساواة، وظهر نظام الاسواق الحرة الذي كان في محتواه اميركي التشكيل وكأنه النظام الحياتي والانتاجي الافضل، وقواعده ثلاثة، الديموقراطية، الحريات الاقتصادية الشاملة، النظام الاميركي. وقد عزز هذا التوجه التحليلي كتاب فرنسيس فوكوياما، المؤلف الياباني المستقر في الولايات المتحدة، الذي وضع كتابًا عنونه على الشكل التالي: “نهاية التاريخ والانسان الاخير” حاز هذا الكتاب انتباهًا واسعًا واصبح وكأنه الناموس الجديد للحياة المتطورة، اي تقليد النظام الاميركي وبالطبع تطوير العلاقات مع الولايات المتحدة.

النظام الاميركي انهار في ايلول عام 2008 حينما افلس بنك الاخوة ليمان وكانت موجوداته تساوي 650 مليار دولار ومن ثم تدحرجت اوضاع البنوك العالمية التي كانت تحاول منافسة البنوك الاميركية ومشابهة اوجه نشاطها وانقلب النظام الليبرالي الاميركي الى عملية جماعية ارست على اكتاف الدول المتطورة مسؤولية معالجة الانهيار الاقتصادي والمالي وكرست مليارات الدولارات في برامج الانقاذ المتنوعة، وكان من بينها شراء البنوك المركزية لاصدارات ديون متأخر تسديدها، او اسهم شركات مقبلة على الافلاس وكان من ابرز هذه اسهم السيتي بنك الذي كان ربما المصرف الاميركي الاكبر او ثاني اكبر المصارف العالمية.

القناعة العالمية بالنظام الاميركي الاقتصادي والمجتمعي تبخرت والازمة لا زالت مستمرة، رغم الدعم الكمي المستمر من قبل البنك المركزي الاوروبي، واستمرار تخفيض اسعار الفائدة، كما يحدث حاليًا في بريطانيا لتفادي تفجر ازمة بعد الانسحاب من الاتحاد الاوروبي. والولايات المتحدة استعادت معدلا للنمو يقرب من 3 في المئة لكن زيادة اسعار فائدة الحسم بنصف من واحد في المئة استثار الرئيس الاميركي، ودفعه الى التخوف من وقوع الاقتصاد الاميركي في الجمود ثانية وبالتالي بدأ ترامب في التراجع، الخجول نسبيًا عن سياساته المتعلقة بفرض الضرائب على المستوردات من الصين، وكندا والمكسيك وربما سيتراجع عن اقتراحاته بالنسبة لأوروبا الغربية.

وقبل ترامب وتراجعاته، تكاثرت تعليقات اقتصاديين مرموقين بان العالم الصناعي مقبل على ازمة ثانية بعد عامين، واذا شهدنا ذلك فسوف تستمر الازمة الجديدة الى سنوات اطول من العقد الذي انقضى منذ عام 2008 دون ان تزول النتائج الاقتصادية والمعيشية التي افقرت ملايين من سكان البلدان الصناعية واسهمت في اوسع هجرة للمحرومين في القرن العشرين من البلدان الفقيرة الى البلدان التي يمكن تحقيق مستوى حياتي مقبول فيها وان يكن مستوى الكفاية لا اكثر.

فرنسيس فوكوياما سبق اجراءات مواجهة ازمة عام 2008 المستمرة وكتب عدة مقالات اعتذر فيها عن خطئه الكبير في تصوير نهاية العالم – اي نهاية الشيوعية، واليوم نشهد موجات مناهضة للشيوعية في نمو الاحزاب اليمينية في فرنسا، والمانيا، وايطاليا، وانكلترا والولايات المتحدة وقد اصبحت بعض الاحزاب اليمينية ممثلة اما في مجلس النواب الاوروبي، او وزارة في النمسا البلد الناجح اقتصاديًا والعريق سياسيًا. ان جميع التحركات اليمينية لا تتبنى النظام الاقتصادي الاميركي.

جهاد الزين في سعيه لاكتساب المعارف قبل صياغة كتابة مقالاته تفاعل مع وسائط توافر المعلومات والتعليقات دوليًا، مثل شركة غوغل وفايسبوك وهو يقول “شكل الفايسبوك مصدر معلومات ثقافية وفنية وسياسية احيانًا بل اقتصادية، ناهيك عن الاجتماعية والشخصية، ساعدتني على تجديد كتابتي السياسية، وعلى اختبار ردود فعل مباشرة سلبية او ايجابية، حارة او باردة، على عدد من الحالات والتعبيرات. ربما ليس بالشكل الكافي وحده، لكن ضرورته باتت اكيدة” (ص 274).

الكاتب كانسان حضاري يتحسس مجريات الامور الدولية لم يلجأ الى الانعزال عما لا يعجبه، وهو بالتأكيد من نفَس كتابته متعلق بثلاث صبايا قيض له ولزوجته ان يحظيا بولادتهن وتنشئتهن وقد اصبحن من حاملي الجنسيات غير اللبنانية، الجنسية الفرنسية من قبل شقيقتين والجنسية الاوسترالية من الشقيقة الثالثة التي تحمل الدكتوراه في علم الاقتصاد وعملت كباحثة ضمن جهاز صندوق النقد الدولي في واشنطن ومن ثم تزوجت وهاجرت الى اوستراليا، هذا البلد الشاسع والواسع حيث عدد السكان حوالي 35 مليونًا في قارة تفوق مساحتها أكثر من نصف مساحة الولايات المتحدة حيث عدد السكان 330 مليونًا.

وجهاد الزين يظهر شجاعة في إعلانه عن قناعات مناهضة للعصبيات المتحكّمة من العقل العربي، فهو على سبيل المثال يعتبر ان حكم الاخوان المسلمين بعد فترة حكم مبارك لمصر كانت فترة سيئة للغاية ويرى ان فترة رئاسة مرسي لسنة ايقظت في شباب مصر المتعلمين ثورة على منهجية الاخوان، فتظاهروا واسقطوا نظام الاخوان ومن ثم اسلموا القيادة للجيش الذي يعتبر جهاد انه كان دائمًا صخرة الامان في مصر، وهو لا يجد ان الحل دائمًا يتمثل في الديموقراطية بل هو يشكك في الاصول المعتمدة للتمثيل الديموقراطي.

ويرى المؤلف ان اسرائيل هي الدولة الوحيدة التي حققت مستوى من التقدم والمشاركة في تطوير وسائل التحقق الالكتروني وصناعته جعلها في مصاف الدول الاوروبية ان على مستوى الدخل الفردي، او سريان القانون على الاسرائيليين بشكل يسهم في ضبط الفساد، ولنذكر ان رئيس دولة اسرائيل سجن لسنة بسبب فعل تحرش بمساعدة له.

ربما المقطع المسجل هنا والمختار من الصفحة 275 يوفر الدليل على شجاعة وصفاء توجهات جهاد الزين، فهو يقول:

“لذلك “تهودت” كتابتي السياسية نفسها، لان “الدياسبورا” كمفهوم وحالة صارت دليلي الى… السياسة باعتبارها في بلداننا فشلاً ثم سبيًا. لست “يهوديًا تائهًا” ولست “ضد اسرائيلي” تائهاً. قد ينطبق هذا التيه على الفلسطينيين المعاصرين نتيجة الاقتلاع الكامل الذي تعرضوا له وصاروا الضحايا الاحياء للضحايا القدماء في التاريخ والاسطورة. ونحن كعرب الى اي بلد انتمينا نحمل العديد من سمات الفلسطينيين السياسية”.

اختم مراجعة الكتاب الذي يستحق ويستوجب الاهتمام الفكري والضميري والكتاب “حداثي” في المواضيع الكثيرة التي يتعرض لبحثها وتحليلها ولكنه يترك الاسئلة الحيوية دون جواب. فجهاد يقول على الصفحة 281 “السؤال الذي حاولت طويلاً عدم التورط بطرحه هو الآتي: هل صيغة المقال، مقال الرأي والتحليل، ما زالت صيغة قادرة على تلبية الجزء التأملي والموقفي في الصحيفة؟ ليس سهلاً السؤال، وقد يكون عدميًا، لان لا صيغة بديلة واضحة له”.

لقد كان بودي وانا اقرأ هذا الكتاب القيم ان اقرأ لكاتبه المطلع والمتدرب لدى احدى اهم المطبوعات في الولايات المتحدة ان يتعرض لتأثيرات الثورة الالكترونية الشاملة على حياتنا، وهو يستعمل الفايسبوك وغوغل للاستحصال على معلومات مفيدة لمقالاته.

خلال فترة كتابة كتاب المهنة الآثمة، ظهر بوضوح ان استخدام الفايسبوك وغوغل ومنتجات شركة آبل، وعلي بابا تؤدي الى انكشاف خصوصيات المستعملين لجهات مختلفة تتعاقد تجاريًا على حصول المعلومات الشخصية. وهنالك قضايا قانونية معلقة تجاه الفايسبوك، وغوغل وعلي بابا – الشركة الصينية التي تملك الحصة الرئيسية في شركة غوغل الاميركية – وهنالك مطالب ضريبية ضخمة مقابل هذه الشركات في اوروبا، ولدى الاوروبيين مساعٍ كبيرة لتحديد دور هذه الشركات التي اصبحت تعيق المنافسة ما بين شركات التطوير الالكتروني، ويجب اخضاعها لانظمة وضعت لمكافحة الاحتكارات، وربما يستحق هذا الموضوع كتابًا من كاتب متميز كجهاد الزين.

¶ يوقّع جهاد الزين كتابه “المهنة الآثمة- نقد تجربتي في الكتابة السياسية” في جناح دار رياض الريس في معرض بيروت الدولي للكتاب في وسط بيروت (البيال سابقاً)يوم الأحد المقبل (9-12-2018)بين الساعة 5 و 9.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*