I – حلب في التاريخ

• قليل من التاريخ
• موجز لتتابع الحقبات
I – 1 – قليل من التاريخ
يُجمِعُ الباحثون في تاريخ المدن، على أن حلب من أقدمِ مدنِ التاريخ. هذا إذا لم يقل بعضُهم إنها أقدمها. وفي الإجماع، أنها مدينة عامرة منذ 5000 سنة. ويذهب بعضهم، إلى التأكيد بأنها عامرةٌ منذ 14000 سنة، أي منذ الثورة الزراعية.
لست باحثاً في تاريخ المدن. لذلك سأكتفي بالسردِ التاريخي، بدءاً من مرحلة الغزو الكبرى، للإمبراطور الهللِّيني الإسكندر الكبير، الذي أسَّس إمبراطورية امتدت حتى الهند. وبعد وفاته، كانت حلب من حصَّة سلوقس نيكاتور، فحكمها السلوقيون لمدة تُقارب ثلاثة قرون. إلى أن انتصرت روما، وحكمت مدينة حلب، لمدة تعدَّت الثلاثة قرون أيضاً.

الدمار، جيوب في الأحياء، الدمار موضعي

سقطت روما بعدها، وقامت بيزنطية التي سقطت بدورها أمام الفتح العربي، الذي يقودُه خالد بن الوليد. وأصبحت حلبُ، مدينةً عربيةً إسلاميةً.
عَظُم دورُها في عهد الخلافة الأُموية، وعرفت بعدها كلَّ تحولاتِ الحقبة الإسلامية، من الفاطميين، إلى الزنكيين، إلى الأيوبيين، إلى السلاجِقة، إلى المماليك، إلى أن فتحها السلطان سليم الأول عام (1516م)، وبقيت عثمانية حتى سقوط الدولة العثمانية. وُضِعتْ حلب مع كامل الأراضي السورية، تحت الانتداب الفرنسي، الذي قسَّمها إلى دويلات. وحَّدتِ السلطاتُ الوطنية الدويلات بعد الاستقلال عام (1946)، وأصبحت حلب، قطباً كبيراً في الدولة السورية المستقلة.
كان لحلب دورٌ اقتصاديٌّ محوريٌّ استراتيجيٌّ، منذ القرون الوسطى وما بعدها.
إنها تقعُ على تقاطعٍ تجاريٍّ هام، وتسيِّر القوافلَ إلى الهند، وديار بكر، وأرمينيا… أي إنها كانت عقدة تواصل على طريق الحرير، الذي ينطلق من الصين، حاملاً مع الحرير التوابل.
وكان لحلب دورٌ رئيس منذ الفتح العربي، وطوال الخلافة الأموية، أُكرِّر. وبرزت كمدينةٍ عربيةٍ إسلامية، ذات أهمية معمارية وعلمية.
بنى سليمان بن عبد الملك الجامع الأموي الكبير، أحد معالمها الرئيسة. وحافظت حلب على أهميتها، رُغم انتقال مركز الخلافة من دمشق إلى بغداد.

I – 2 – موجز تتابع الحقبات
القليلُ من التاريخِ الذي ذكرتُه، كافٍ بذاته، لتحديد تتابع الحقبات الحضارية في حلب. لن نعود إلى الحثيين (الألف الثاني ق.م.)، ولا إلى الآراميين (الألف الأول ق.م.).
• سنكتفي بالبدء مع السلوقيين في عام 333 ق.م ـــ كما سبق وذكرت ـــ الذين حكموا حلب ما يقارب ثلاثة قرون، وحذا الرومان حذوهم. حقبتان مميزتان.
• انتهت الإمبراطورية الرومانية، وقامت مكانها الإمبراطورية البيزنطية المسيحية، فعرفت معها حلب حقبة سياسية وثقافية جديدة. في تلك الحقبة، كانت حلب المدينة الثانية في سوريا، بعد أنطاكيا.
• ثم فتحها خالد بن الوليد عام 637م، وانتشر فيها الإسلام بسرعة، مقترناً بالإنجازات الكبيرة في الإعمار، والتعليم، وبناء المعالم.
حلبُ في هذه الحقبة، هي مدينةٌ عربيةٌ إسلاميةٌ، عرفت في الثقافة والحياة، كلَّ ما حملته التحولات في المجتمعات الإسلامية. الزنكيون، والأيوبيون، وبعدهم المماليك، ثم السلاجقة الأتراك، لتصبح بعد كلّ ذلك، مدينة إسلامية كبرى في الإمبراطورية العثمانية، إذ كانت مركزاً لولاية حلب.
• حقبةُ الانتداب الفرنسي، هي حقبةُ السطوة الفرنسية، ومحاولةُ زرعِ الثقافة الغربية في الجسم العربي الإسلامي، والإصرار الكولونيالي على نزع الهوية العربية الإسلامية، واستبدالها، بنوعٍ من التغريب الفج.
• والحقبة الراهنة في حلب، هي استمرار الحقبة الاستقلالية التي بدأت في عام 1946.
II– المكان الطبيعي لمدينة حلب، وإملاءاته

II– 1 – المكان الطبيعي لمدينة حلب
تُظهر الدراسات الجغرافية والطوبوغرافية، أن القلعة التي توَّجت التلة التاريخية، تتوسط مدينة حلب. وهي في تموضُعها، وسط طوبوغرافيا المكان وتضاريْسِه، هي قلبُ المدينةِ ومركزها.
أرضُ حلب التي تحوط القلعةَ من كلِّ جوانبها، هي منبسطة، خالية من التضاريس على منسوبٍ يُقارب الـ 400 متر. وإذا تمدَّدت نحو الغرب، فستبقى على المنسوب ذاته، مع ارتفاعٍ بسيطٍ عند الأطراف. إن هذه المميِّزات الطوبوغرافية، هي المحدَّد الأوَّل لمكان المدينة التاريخية، الذي تراكمت فيه عِمارة كلِّ الحقبات.

يجب اعتماد تنظيم مديني جراحيّ، حيث أعمال إعادة الإعمار هي مثل الرتي

• إنها الميزة الأولى
• والميزة الثانية التي تحدِّد مكان المدينة، هي وجود نهر القويق، مصدراً للمياه، للاستعمال، وللريّ.
• والميزة الثالثة، هي أن هذا المنبسط، بحدوده، القلعةُ شرقاً والنهرُ غرباً، يحدِّد مكان المدينة الطبيعي.
الدراسات الطوبوغرافية ذاتها، تشير إلى تضاريس ترتفع في الجنوب الشرق، لتصل إلى مناسيب أكثر ارتفاعاً من القلعة. تكثر التضاريس في الشمال الشرق أيضاً، ويزداد ارتفاعها، لتصل إلى أقصى المناسيب ارتفاعاً 525 متراً.
نرى في الخلاصة، أن كل هذه المتغيرات الطوبوغرافية، لم تُعِقْ امتداد المدينة في كل الاتجاهات. إلا أن مكان المدينة التاريخي، هو في الامتداد الأفقي من القلعة، إلى النهر غرباً.

II– 2 – إملاءات المكان الطبيعي لمدينة حلب
تختصرُ الفقرة السابقة، كلَّ إملاءات المكان الطبيعي للمدينة.
• والإملاءة الأولى: تؤكد ما حَملَتْه الحقبات التاريخية، من تراكُمِ البنيان المدينيِّ، في المكان نفسه.
• والإملاءة الثانية هي في التشديد على عدم تمدّد المدينة في الاتجاه الجنوبي الشرقي، حيث تكثر التضاريس، وتختلف الارتفاعات.
• والإملاءة الثالثة: هي أن المُعطَى الطوبوغرافي، يحدِّد مكان التمدُّد الرئيس، في الغرب، أو في الشمال الغرب. وفي الحالتين الأرضُ منبسطةٌ، قليلةُ الانحدار.
– الإنشاءات الأولى مع الهللِّينيين السلوقيِّين والمخطط الشطرنجي والتحولات العمرانية الرئيسة حتى الانتداب الفرنسي.
– 1- عمل الهللِّينيون السلوقيون بإملاءَات المكان الطبيعي للمدينة، في اختيارهم المنطقة المنبسطة غرب القلعة، في بناء منشآتهم المعمارية الأولى: الأسواق، والمعبد والاغورا… وبعضُ السكن.
ابتدأ بنيانهم من مرتفعات تل العقبة شمالاً، إلى حدود التلة السوداء جنوباً. وتوسَّط النسيج المبنيَّ، طريق مستقيم، ابتدأ من القلعة، باتجاه الغرب مروراً بالأغورا. وسُمِّي هذا الطريق، شارع الأعمدة. ثم تمدَّد نسيجهم المبني في هذا المنبسط، باتجاه الغرب، أي باتجاه النهر.
الحمايةُ الطبيعية من جهة، وإنتاجُ المواد الغذائية، من جهةٍ أخرى، حاجتان رئيستان لاستمرار الحياة.
• قام بنيانهم كما اعتدنا أن نراه في أماكن أخرى (بيروت مثلاً)، على مخطَّط متعامد، تتجه الطرق فيه من الشمال إلى الجنوب. وسمِّي هذا المخطَّط في سوريا، مخطَّطاً شطرنجياً.
«الأغورا» هي مجال واسع في قلب النسيج، للاحتفالات الكبرى. والأسواق على جانبي الطرق، والمعبد في الطرف الغربي.
• تتابع في مكان المدينة الطبيعي، الرومان، والبيزنطيون، إلى أن انتصر الإسلام.

حلب تضجُ بالحياة قبل أن ترفع الركام

لم تُغيِّر الحقبة الرومانية في المخطَّط الشطرنجي، ولم تُدخِل الحقبةُ البيزنطيةُ الكثير من التعديلات. وبقيت المدينة داخل أسوارها، حتى القرن السادس م. ثم تمدَّدت نحو الشمال والشمال الشرقي، وغرباً باتجاه النهر. وتوقفت جنوباً لوجود الكثير من المقابر. واستمرت بتمدُّدها غرباً داخل الأسوار، إلى أن لامست مجرى النهر.
• التغيير الحقيقيُّ في الوظائف، حصل مع انتشار الإسلام، وبناء الأسواق التقليدية وكل ملحقاتها، من خانات، ومستودعات، وحمامات، ومساجد. أخصّ منها الجامع الأموي الكبير، الذي بُنِيَ مكان «الأغورا»، والمدرسة الدينية التي بنيت مكان المعبد.
• والتغيير الأهم، هو تحويل «شارع الأعمدة» إلى امتدادٍ رئيس للأسواق. أسواقٌ منها المسقوف، ومنها غير المسقوف، وربما تخطى طولها بمجموعها 36 كلم، منها 16 كلم مسقوفة.
• لم يغير العثمانيون شيئاً في تخطيط المدينة التاريخية. إلا أنّ المدينة، في بداية القرن السادس عشر، كانت قد خرجت من أسوارها، وتمدَّدت في كل الاتجاهات، خاصة إلى الغرب، وإلى الشمال، والشمال الشرق، وإلى الشرق أيضاً، بحيث أصبحت القلعة، معلمها الأول، ومركزها الوحيد.
• وتبلغ مساحة المدينة التاريخية المسجلة في لائحة التراث المبني العالمي 450 هكتاراً. وهي تحوط القلعة من كلّ الجهات.
IV- الانتداب الفرنسي، والتنظيم المديني الحديث، وما سُمِّيَ العمارة الحديثة.
IV-1- ابتدأ التنظيم المديني الحديث، مع إيدالفونسو سردا في برشلونة، وفي نظرياته حول الركائز الأساسية للتنظيم المديني. ومعه دخلت حيِّز الاستعمال، مفردةُ التنظيم المديني (Urbanisme).
وأول مثالٍ من وحي التنظيم المديني وفق رؤية سردا بالإضافة إلى برشلونة، كانت أعمال هوسمن في باريس، الذي دمَّر القديم، ودمج الضواحي بالمدينة، وزنَّرها بمجموعة من البولفارات، اصطفت على جوانبها المباني السكنية الفخمة، كما انتشرت الساحات، والتوسيعات عند تقاطعها.
وباريس اليوم، في بولفاراتها، وساحاتها، وعماراتها، وبعض معالمها، هي من إنتاج هوسمن. قيل إن البولفارات هي للنزهة، ولراحة الفرنسيين. إلا أنّ الباريسيين حين احتجوا على اغتيال روح المدينة القديمة، وإلغاء الممرات المسقوفة أمام الدكاكين، قالوا إن استقامة البولفارات، هي في الحدود التي تطالها قذائف المدافع. لقد أجمعوا إذاً، على أن الهدف الحقيقي منها، هو عسكري.

V- التنظيم المديني الحديث يدمِّر أجزاء واسعة من المعالم التاريخية، ومن التراث في حلب.
إن الشوارع العريضة المستقيمة، على جانبيها المباني المرتفعة طبقات، تسلب جزءاً من روحها.
• لم ينتظر شارل شارتييه الاستقلال، ووضع مخطَّطان لمدينة حلب في عام 1894.
وفي الحقبة العثمانية، وضع لها مخطَّطاً جديداً وفق ما عُرف بالتنظيم المديني الحديث، حدَّد فيه تمدُّد المدينة باتجاه الغرب، واعتمد الشوارع العريضة، وإقامة المباني المتعددة الطوابق، المطلة على هذه الشوارع.
وكما في لبنان، أتى الأخوان دانجه في النصف الأول من الثلاثينات، وأكملا عمل شارتييه في تدمير النسيج التقليدي، وفي زهقِ روح المدينة، وفي تدمير معالمها وتراثها.
وكما في بيروت أيضاً، أتى إيكوشار، وهو عسكري في الجيش الفرنسي، ليكمل الهدم مستعملاً المبضع، غير آبه بما يقتلعه من مبان أثرية وتاريخ. وبعد الاستقلال، كما في لبنان أيضاً، استمرت سبحة المخطَّطات الغربيَّة.
وكان مخطَّط غوتون ليحدّد نمو المدينة بين عامي 1954 – 1975.
كلهم فرنسيون إذاً، باستثناء الياباني بانشويا، الذي اقترح أن تُخترِقَ الشوارعُ المدينة – القديمة.
وانتهت سبحَّة المخطِّطين مع المخطَّط التنظيمي العام لمدينة حلب (2000– 2015) الذي وضعه المعمار الأستاذ ياسر ضاشوالي.

الأسواق المدمرة : عقود وقبب منهارة

VI- الحصار والدمار.
حلب (2012- 2016)، الحصار، والحرب، والدمار الجزئي
في خلاصة مكثفَّة، وكمدخلٍ للمتبقي من هذا النص، أقول:
• حلب مدينة عريقة موغلة في التاريخ.
• موقعها استراتيجي، قَصَدتْها فيه كل قوافل التجارة القديمة.
• مرَّ بها طريق الحرير الآتي من الصين، حاملاً معه الحرير التوابل.
• استقرت فيها كل الحضارات القديمة الكبرى، وتركت فيها آثارها، ومعالمها، ومعرفتها، المعمارية والتخطيطيَّة.
• وهي راهناً، عربية إسلامية، منذ فجر الإسلام، مروراً بكلّ الحقبات الإسلامية المعروفة، في الخلافة وبعدها.
• فيها الجامع الأموي الكبير، والجوامع الأخرى المنتشرة في نسيجها المبني المترامي الأطراف، بمساحة تتراوح بين الـ 16000 كلم2 و18000 كلم2.
• فيها معْلمُها الأول قلعتها، حاملة الجزء الرئيس من الذاكرة الجماعية لناسِها، أي من هُوية المكان وهُوية ناسه. وفيها أسواقها التقليدية، حاملة الجزء الثاني الأهم من الذاكرة الجماعية والهوية. قامت الأسواق على تخطيط هللّينيي شطرنجي، طرقاته من الشمال إلى الجنوب، وشارع الأعمدة فيه، يحتل وسط التخطيط ويشطره، ويحدِّد أبوابه في الشرق عند القلعة، وفي الغرب عند الحدود المواجهة لنهر القويق.
• وأسواقها راهناً هي عربية إسلامية. بُنِيَ الجامع مكان الأغورا، والمدرسة الدينية فوق المعبد.
• مساحة الأسواق 450 هكتاراً وهي مسجلة في لائحة التراث المبني العالمي.
• حلب مدينةٌ اشتهرت باقتصادها، وبصناعتها منذ القدم. وهي اليوم العاصمة الثانية لسوريا، وقلبها الاقتصادي، ورئتها الصناعية المتجدِّدة.
• في حلب إذاً، كل عناصر الجذب للتكفيريين، الإلغائيين المرتزقة، ولرعاتهم بالمال وبالسلاح الراغبين في تدمير كل ما هو خير وجمالٌ، الساعين إلى تدمير أماكن الذاكرة الجماعية، وعاء الانتماء والهوية.
• الساعين إذاً، بحقد مُسبقٍ واعٍ، إلى تدمير أصالة الناس، وتفتيت المجتمع، ومحو الشخصية الوطنية والهوية الأصيلة، ليكتبوا لهم إثر ذلك تاريخاً آخر مزيَّفاً، ويلبسوهم هوية أخرى مفتعلة مفتِّتة.
حاصر التكفيريون الإلغائيون المرتزقة، ورعاتُهم، لمدة سنتين كاملتين، مدينة حلب، فاختنق أهلها، ومرضوا، وجاعوا.
وبعد الحصار، نشبت حرب عنيفة، انتصر فيها الجيش العربي السوري وحلفاؤه، على الإرهاب التكفيري المدمِّر، وحرَّر المدينة. من 2014 حتى 2016، حرب طويلة قاسية، دُمِّر فيها قلب المدينة التاريخي، وانتشر الدمار ليطال معظم أحيائها.
وحصيلة الحرب، مدينياً، دمار شديد في 20% تقريباً من النسيج المبني، في حين نجا الخمس الثاني من التدمير. أما الباقي أي 58% تقريباً، فهو صالح للترميم، بدرجات متفاوتة.

الجامع الأموي قيد الترميم

VII- إعادة الإعمار في حلب، التاريخ، التراث، والهوية
نعمّر حلب؟ أم نعمِّر ما دمرته الحرب فيها؟
VII- 1- الإعمار، التاريخ، التراث والهوية.
قلب حلب اليوم مدَّمر. النواة الصلبة في نسيج المدينة، حيث تركت كلُّ الحقبات، بصماتها مرئية. إن هذا القلب هو مدمَّر الآن.
• معظم الأسقف التصقت بالأرض. معظم الجدران أصبحت حجارةً، جُمعت أمام الأبواب المحطَّمة.
• تدخل من باب أنطاكيا، في سوقٍ سيوصِلُك بعد مسار قصير، إلى الركام.
• تحاول أن تتسلَّل من بابٍ جانبيٍّ، فيردعُك الركام.
• أما الأسواق التي تحوط الجامع الأموي الكبير، أو النسيج شرق القلعة وشمالها، فكلُّها مدمَّرةٌ الآن.
الأسواق هذه، وكل النسيج الذي يحوطها ومساحتها (450 هكتاراً)، هي مكان الذاكرة الجماعية الرئيس في المدينة، أكرِّر مضطراً.
عرفتُ هذه الأمكنة، ولا أستطيعُ أن أتصوَّر حلب بدونها. إنها روحُ المدينة، بالنسيج الاجتماعي الذي يتذكَّرُ تواصُلَ التاريخ فيها. وتدميرها، ليس مجرد عملٍ حربيٍّ عاديّ. إنها محاولة اغتيال واضحةٍ لتماسك الجماعة، ولتزوير هُوية الأمكنة، ولانتزاعٍ عنيفٍ لهوية ناسِ هذه الأمكنة.
الهدف المختبئ، يتعدَّى البعد العسكري، إلى بُعدِ قتلِ روحِ الصمودِ عند الناس، وتفكيك المجتمع، وجعله جاهزاً للاستسلام وللخضوع.
الحرب، في هذه الأمكنة، هدمت كلّ شيء. وإعادة الإعمار كليَّة. نعيد إعمار قلب المدينة، لنحتضنَ روحها وهُويتها، ولنحصِّن الذاكرة الجماعية لدى أهلها.
المخطَّطات متوفِّرة، والتوثيق كاملٌ. واقتراح الشركة العامة للدراسات والاستشارات الفنية، بإعادة قلب المدينة إلى ما كان عليه، هو اقتراحٌ صائبٌ.
نتساءل، بحرصٍ شديدٍ، كيف سيتم ذلك؟
هناك إجابات جزئية الآن. مؤسسة الاغاخان ترمِّم بعض الآجزاء، وآخرون يرمِّمون أجزاء أخرى من الأسواق غير المسقوفة، وترميم الجامع الاموي يتقدم بسرعة مقبولة، وبإشرافٍ ميدانيٍّ لمختصين مجرَّبين، ذوي ثقافة معمارية عالية.
ولكن،
ولكن، هناك على سبيل المثال 36 كلم2 من الأسواق، نصفُها على الأقل مسقوف، والأسقف بارتفاعات شاهقة، وتعود كلها إلى الحقبات الإسلامية المتعاقبة، الفاطمية، والزنكية، والأيوبية، والمملوكية والعثمانية.
الأسقف هذه، هي عقودٌ سريرية، تتتابع غالباً، وتتقاطع أحياناً، راسمة حلقات دائرية تحمل قبباً.
في هذا المثال إشكالية واضحة. إذ إن المسألة هي في كيفية إعادة الإعمار هذه. باستعمال مهارة الحرفيين؟ وصفِّ الأحجار؟ ونزع القوالب عند اكتمال العقود؟! إلخ.
أم أن مرونةً ما، ستسمحُ باستعمال مواد أخرى، كالخرسانة المسلحة مثلاً، تعيد بناء المجالات التاريخية، تكسوها ورقة إسمنتية، يتم طلاؤها بلونٍ وقماشة ملائمين، بما ينتج روح المكان. هل تفكر الهيئات المعنية بالاستعانة بهذه المرونة؟ كما يقول فيوليه لودوك، مبتعدين عن نظريات راسكن وموريس.

VIII- الدمار الموضعي منتشر في سائر أرجاء المدينة
نعمَّر حلب؟ أم نعمِّر ما دمَّرته الحرب فيها؟
VIII -1- نكرِّر ما تقوله «الشركة العامة للدراسات والاستشارات الفنية»، إن المدمَّر كلياً هو بحدود العشرين في المئة.
وربما قلنا بعد زياراتنا الميدانية، إن تصنيف الدمار درجات، عليه أن يؤدِّي إلى تحجيم رقعة الهدم.
الدمارُ، هو رغم انتشاره، موضعيٌّ. وغالباً ما يكون مختبئاً في تجاويف الأحياء.
التدميرُ موضعيُّ. والمعالجة عليها أن تكون موضعية. والكلام عن مخطَّط شاملٍ لإعادة إعمار المدينة، هو كلام مبالغ فيه.
لنعود إلى طرحنا، لا نعمِّر حلب، بل نعمِّر ما دمَّرته الحرب فيها.
إنه تنظيم مديني جراحيٌّ، أعمال إعادة الإعمار فيه، هي مثل الخياطة، مثل سد ثقبٍ في ثوب، أو أحسن من ذلك، مثل الرتي. ورتي الثقبِ في الثوب، يتم بخيوطٍ مأخوذةٍ من الثوبِ ذاته.
إنه إعمار جراحيٌّ موضعيٌّ، يُعيد بناء المهدَّم المختبئ في الأحياءِ، أو الظاهرِ في واجهاتها.

الجامع الأموي الكبير بُنِيَ مكان «الأغورا»، والمدرسة الدينية بنيت مكان المعبد

لن تُبنى كما كانت، بل بما ينسجم مع النسيج القائم، ولا يشكِّل جسماً غريباً، مغلَّفاً بقناعِ الجديدِ الراهنِ، والمنتشر في عالم اليوم.
مجموعة الجراحاتِ هذه، تُعيد جسم المدينة إلى حالته السابقة، كما يعالجُ الطبيبُ إصابات الشظايا، في أماكن متعددة من الجسد.
يدلُّ اللجوءُ إلى تدخلٍ جراحيٍّ موضعيٍّ، على أن الجهد الرئيس في إعادة إعمار ما دمرته الحرب في المدن، يجب أن يبدأ بعدم توسيع رقعة الهدم فيها. أي بالسعي لجعل ما قدَّرته الشركة بـ 58% ترميماً ـ 63% إذا استطعنا ـ عبر الحدِّ من أعمال الهدم لأن اللجوء إلى الترميم هو القاعدة، والمعيارُ الرئيسُ في ذلك، هو تأمين السلامة العامة.

VIII-2- الدمار والترميم في إعادة الإعمار
• تقول «الشركة العامة للدراسات والاستشارات الفنية» مرَّة أخرى، إن 58% من مباني المدينة هي بحاجة إلى إجراءات ترميمية، في الإنشاء وفي العمارة.
الإشارة الرقميَّة الإجمالية، مفيدة وضرورية. والتصنيف الذي أعدته الشركة، يحدِّد عدد المباني التي تتطلب تدخلاً إنشائياً. وعندما تكون الشبكات المختلفة (كهرباء، هاتف، مياه، صرف صحي… إلخ) غير متضرِّرة، يصبح التدخُّل بسيطاً. والتصنيف المعتمد في الـ 58% من المباني، أكرِّر، يحدِّد صعوبة الترميم، وسهولته.
IX- مسألة المخالفات، المسماة «المباني العشوائية»
لا وجود في حلب لـ «عشوائيات» بالمعنى الصحيح للكلمة، أي مدن الصفيح التي نعرفها في معظم مدننا، كالقاهرة، وبيروت…
العشوائيات في حلب، هي ما تسميه «الشركة العامة للدراسات والاستشارت الفنية» البنيان غير المنظَّم، أي، البنيان في أراضي الغير، أو في الأراضي العامة (الدولة، البلديات)، أو البناء بدون رخصة.
• التدمير في جبل بدرو مثالاً، لا يتعدى 13%، أي إنّ الـ 87% المتبقية، هي غير مهدَّمة. وتقول «الشركة» بوضوح، إنه بوجود التدمير، وفراغات غير مبنية من جهة أخرى، كل ذلك يسمح بإعادة الإعمار الكلِّي. وقد أعدت لذلك دراسة كاملة، تبني حياً جديداً، يقوم على هدم كل ما هو موجود (87%)، واستبداله وفق مخطَّط تنظيمي كاملٍ، بمبانٍ جديدة، وبلغة معمارية جديدة.
نعود في هذا المثال، إلى مبدأ عدم توسيع رقعة الهدم.
الحربُ ليست فرصة لتحديث الأمكنة، ولا فرصة لتأديب المخالفين. وهي خاصة، ليست فرصة لزرع جسم مبنيّ غريب وسط نسيج هو جزء من الذاكرة الجماعية للناس.
التوجه خاطئ مهنياً، واجتماعياً، واقتصادياً. علينا أن نعيد بناء الحي بروح ما هو موجود، ولا أقول بعمارة مشابهة. مع إيجاد سبلٍ للتسوية مع المخالفين، وهم غالباً ما يكونون من إفرازات السياسات العامة للدولة.
• الحيدرية، في مثال آخر عن المخالفات. التجمُّع السكاني هناك، يقوم على الأملاك العامة، والموقف المعلن هو هدمه، وإعادة إسكان ناسه في عمارات برجية عامودية، لاسترجاع الأرض.
سنشهد «قطراً أخرى» عند الأطراف الشمالية الشرقية لحلب، وربما في أطرف أخرى أيضاً!
بئس الحل.

X- الخاتمة
يقول كاتبٌ بريطانيٌّ، إذا أردت أن تُلغي شعباً ما… تبدأ أولاً بشلِّ ذاكرته، ثم تُلغي ثقافته وتاريخه وكتُبَهُ، ثم يكتبُ له طرفُ آخرٌ كتُباً وثقافة أخرى، ويخترعُ له تاريخاً آخر.
عندئذ ينسى هذا الشعب من كان…. وماذا كان… وينساه العالم بعد ذلك…
خسئوا…
خسئ المراهنون على إلغاء الذاكرة الجماعية للمجتمع الحلبي.
خسئ العاملون على تدمير هُوية المدينة، وعلى تدمير أمكنة الذاكرة الجماعية فيها، وعلى تفتيت تماسك ناسها.
حلب اليوم، تضجُّ بالحياة، وهي لم تعالج بعدُ، الدمار فيها.
خسئوا!
* معمار لبناني