نشوة الورق في غزليات إيفان فرانكو

 

عماد الدين رائف|الإثنين25/09/2017

المدن 

“الأوراق الذابلة” صدر عن دار ليتوبيس في لفيف سنة 2006
أمسك بيدي المسوّدة الأولى الكاملة لتعريب ديوان “الأوراق الذابلة” للشاعر الأوكراني الكبير إيفان فرانكو (1856-1916). التعريب المنظوم لأشعار كتبت على مدى عقد من الزمن بدءًا من العام 1886، بأوكرانيّة الربع الأخير من القرن التاسع عشر وصدرت بطبعتها الأولى سنة 1896، سيجد طريقه إلى المطبعة في مدينة كييف خلال أسابيع قليلة مقبلة، وسيخرج منها بطبعة غير تجاريّة. وهذا التعريب يمثّل الترجمة العربية الأصيلة الأولى لأحد أعمال فرانكو عن لغته الأمّ.
الآنَ، بعد انتهائي من العمل على القصائد والمقدمات والتعليقات.. وأنا أسطّر مقدّمة تعريبي أوراق إيفان فرانكو الذابلة، أنظر إلى الشهور الطويلة السبعة التي قضيت لياليها بين بحث وترجمة ومقارنة وتصحيح وتحرير ونظم… لأكتشف أنّ حمى الورق قد ازدادت حدة لديّ، وما كنت أعتبره إدمانًا في السابق قد استولى على مداركي واستحال نشوة!

هو إدمان أثقل وطأة من التدخين، أعترف بذلك.. عبارة عن عادة ترافق قراءة بعض النصوص التي أريد لها ألا تغادر سريعة بل أن تبقى معي في دماغي إلى حين، لتخرج بلغة أخرى أو بصيغة أخرى… إذ إني ألمس الحروف بأصبعين بعدما تكون عيناي قد مسحتاها.. أمرّر سبّابة ووسطى يمناي على الكلمات، لأضمن بذلك – ربّما – انطباع صورتها في الذهن. بطبيعة الحال لم أستطع فعل ذلك على شاشة الهاتف الخليوي أو اللابتوب.. حاولت غير مرّة، إلا أن تلك المحاولات لم تمنحني اللذّة المنشودة، لذّة إدمان يرافق رسوخ المعاني.. شيء ما يشبه النيكوتين. كما أن النصوص التي أقرأها على الشاشة سرعان ما تغادرني، وكأن لديّ حيّزًا محدودًا في الدماغ لما يستقبله من شاشة، أضف إلى ذلك أنّه حتى عندما أضمن أن الشاشة نفسها لن تتحرك بتحريكي أصبعيّ فقد تصغر أو تكبر أو تختفي.. أليست تفاعليّة حتى حين لا نريد لها التفاعل؟ وركنت إلى التلذذ بمنحى “رجعيّ” أكثر عمقًا من مناح “تقدّميّة” قد لا تشبع جوع الحواس.

في البداية، بعد عودتي من زيارة كييف، والتي تضمنت حفل عرض كتابي “قصص أغاتانغل كريمسكي البيروتية” في “المكتبة الوطنية الأوكرانية المسماة باسم ف. فرنادسكي”، وزيارة “متحف الأدب الأوكراني” ربيع العام الحالي، كنت قد حصلت من الصديقة الأستاذة سولوميا فيفتشر، الباحثة في “متحف إيفان فرانكو” في لفيف، على عدد من المجلدات الإلكترونية التي تضمّنت أعمالا لفرانكو. وبالفعل عكفت على قراءة بعضها بين الحين والآخر، إلا أني عندما قررت أن أدرس ديوان “الأوراق الذابلة” كعمل مختار لنقله إلى العربيّة شعرًا، لم أكن لأكتفي بنصّ على شاشة. وفكّرت.. إلى أيّ مدى أنا رهين هذه العادة؟ قررت أن أقاومها.. أن أشرع في الترجمة النثرية للقصائد أوّلًا، وبالفعل استطعت إتمام ترجمة نثرية أولى للقصائد ووضع الكثير من الملحوظات والهوامش عليها.. ولم أكن أعرف أنني مع حصولي على الديوان مطبوعا سأسارع إلى العمل على ترجمة أخرى أكثر عمقًا مع تلمّسي للحروف واستنطاقها عن مُراد فرانكو منها.. حرفًا حرفًا وكلمة كلمة. وهذه الطبعة الفريدة لديوان “الأوراق الذابلة” صدرت عن دار ليتوبيس في لفيف سنة 2006 وتقع في 154 صفحة (فكرة ماريا زوبريتسكا، إعداد النصوص الأدبية والمواد الفنّية: بوهدان تيخولوز، إخراج فني: رومان رومانيشين وأندريه ليسيف، مدير المشروع: ميخايلو كوماريتسكي). وهي تتضمن النصوص الأصلية المكتوبة بريشة فرانكو وصورًا فوتوغرافيّة عن مراحل كتابته تلك القصائد وتتميز بإخراج فنّي عالي الجودة يمازج بين الصور الشعرية وخيال القارئ ويفتح أمامه أفقًا أبعد إلى سبر أغوار القصيدة وفهم ملغزاتها النفسيّة والفلسفية وتذوق صورها الشعرية التي يتكاثف فيها المبنى حينًا معدّدًا المعاني، وينشرح أحيانًا معدّدًا الصور.

تلمّست الأوراق.. حروف القصائد، وتذكّرت وقوفي الطويل أمام ركني ليسيا أوكرايينكا وإيفان فرانكو في “متحف الأدب الأوكراني”.. كيف هممت غير مرّة بتلمّس حروف كلمات على الورق هناك أو رسم كلٍ منهما.. تمامًا كما أتلمّس صورتهما على العملة الوطنية لبلادهما. وربما كان ذلك مثار تندّر بين الصديقتين الباحثتين ميروسلافا تاراخان وأوكسانا جوفانيك اللتين قادتا جولتي الغنيّة تلك بين ضفاف الآداب السلافيّة. وكنت قد عقدت العزم حينذاك على تلمّس أعمال هذين الشاعرين الكبيرين إن قدّر لي ذلك، على الأقل ليسيا بوجهها المصري أو إيفان بعالميّته.. وكنت محتارًا بشأن فرانكو، الكاتب والباحث والشاعر واللغوي الكبير، الذي تُسمّى المدن والشوارع والصروح العلميّة باسمه، وتنتصب تماثيله في شتّى أنحاء أوكرانيا، وتحمل أوراق العملة والطوابع البريديّة رسمه… ذلك والقارئ العربيّ لا يعرف شيئًا ذا بال عنه، ولمْ يُترجم له من لغته الأمّ إلى العربية شيء!

يتألف ديوان الأوراق الذابلة من ثلاثة أقسام، يسمّي إيفان كل قسم منها “قبضة” أو “ضمّة” وفي كل قسم عشرون قصيدة، يضيف قصيدة إلى آخر القسم الأول كـ”خاتمة مرحليّة”، ليغدو المجموع 61 قصيدة (قصيدتان منها كتبتا في العام 1893، أما بقيتها فبين العامين 1886 وتاريخ طبع الديوان في العام 1896). تلك القصائد تتفاوت من حيث الطول والأوزان المستخدمة والقوافي، ويبدو جليًّا أنها كتبت في ظروف مكانية وزمانية وحالات نفسية مختلفة عن بعضها البعض. وربّما انعكست تلك الظروف على الحقول اللفظية، ومدى التكثيف في الصور بين قصيدة وأخرى. أما من حيث المضمون، فالديوان الذي أراده فرانكو “دراما غنائيّة”، يبدو أكثر تجانسًا، حيث يتدرّج فيه الشاعر من فرحة لقاء الحبيبة التفاعل معها، والغزل المكثّف الصور والتعابير حيث تسبح تلك الغزليّات في فضاءات عذريّة تتلاقى في أبعادها الروحية مع غزليات حافظ الشيرازي حينًا وتنأى إلى ماديّة حسيّة أحيانًا، ثم يتنقل إلى الصراع النفسي ورفضه عدم تجاوب الحبيبة مع مشاعره، لتزداد وطأة الصراع وما يعتمل في نفس الشاعر مع السنين، وتطغى السوداوية في القبضة الأخيرة من الدراما ليخوض غمار مفاوضات طويلة خاسرة مع الشيطان نفسه، فيها نزعة فاوستيّة واضحة، تتضمن تبريرات لا طائل منها.. تتردد بين الإلحاد والوجودية والإيمان بالعجائب وتوق النفس إليها، ذلك قبل أن يتخذ الشاعر قراره بإسدال الستارة على أغانيه ونفسه معًا، والتحرّر من سجن الجسد والعودة إلى رحاب المادّة.. ينتحر.

وفور صدور الديوان في العام 1896، لقي إقبالا شديدًا من القراء، وقد تلقف الملحنون بعض قصائده، خاصة الغزلية منها أو التي تدعو إلى الحريّة، فتحولت على أيديهم إلى أغنيات رائجة، ومنها “سُهوبي الفسيحة”، و”ربّة القدّ اللطيف الآسر”، “لماذا تزورينني في الحلم؟”. وباتت اليوم من الأغنيات الشعبية الأوكرانية التي يندر أن تجد من لا يعرفها، والتي اعتبرت خلال العقدين المنصرمين أحد مفاتيح فهم أوكرانية مطلع القرن العشرين، لما لفرانكو من إسهامات جليلة، إلى جانب رفاق له منهم ليسيا أوكرايينكا وأغاتانغل كريمسكي وفلاديمير فرنادسكي، في إرساء قواعد اللغة الأوكرانية الحديثة.
اليوم، وبعد سفر طويل مع الديوان، أعود إلى تلمّس الحروف بما للمس من سحر، وتنال العين لذة أطول مدّة بالوجوه الخارجة من الإطارات القديمة. وتتمدد الحرارة إلى السمع مع فلفشة الأوراق واحدة تلو أخرى ورقة ورقة، وقبضة قبضة. للفلفشة جِرسٌ يطرق طبلة الأذن لطيفًا يزيد من حرارتها، أما عطر الورق فيعبق يراقص مستقبلات الحسّ في الدماغ. تتكامل تلك العناصر آخذة بالمدارك إلى حيث كتب إيفان قصائد عشقه الأولى إلى حيث نشوة “الأوراق الذابلة”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*