«نساء في قبضة العقيد» للتونسي جمال الدلالي: ذاكرة ليبية معتقلة بين التعذيب والحرية

عبد الله الحيمر
Nov 27, 2017
القدس العربي

في بلد عربي تلخصت المرأة منذ أربعة عقود في حارسات القذافي وابنته عائشة وتعاليم الكتاب الأخضر. جاءت انتفاضة سجن أبو سليم في بنغازي بهتافات لم يسمعها النظام، تعارض حكمه وتعلن في وجهه انه جاء الوقت لرحيله. فهرعت أجهزته القمعية بملء الزنزانات بمناضلين ومناضلات خانوا ثورة الفاتح حسب نظره، محولا ليبيا إلى أكبر سجن في القارة الإفريقية تقمع فيه كل أفكار الحداثة والديمقراطية.
يقول الكاتب الليبي إبراهيم الكوني: «إرادة الحياة هي ما لا يهزم» بالفعل حدثت نبوءة المستقبل، باعتصام يقام في 17 شهر شباط/فبراير 2011 أمام مبنى المحكمة المركزية في مدينة بنغازي. قدر لهذا اليوم باعتباره «يوم الغضب» وبداية الثورة الليبية.
مبنية على الوقفات الاحتجاجية يوم السبت وعلى مدة أربعة أعوام لأمهات ليبيات في أبو سليم يبحثن عن أولادهن وذويهن الذين فقدوا وغيبوا بدون محاكمة عادلة.
يقول جون جرسون بأن «الفيلم الوثائقي هو المعالجة الخلاقة للواقع». يأتي فيلم «نساء في قبضة العقيد» ليتناول ذاكرة معتقلة بتوقيع ليبيات عرفن العذاب والإهانة وقتل أزواجهن على أيدي جلادي حراس نظام العقيد مع التركيز على الغبن الذي لحق بدور المرأة الليبية في العهد السابق.
الفيلم شاهد على العصر، بأفواه نساء مناضلات كتبن أيقونة الحرية بتمردهن على نظام ديكتاتوري سرق منهن حلم صنع ليبيا الحرة. الفيلم أيضا شهادة حية لانتصار إرادة المرأة الليبية المناضلة ببناء وطن حر وديمقراطي، وقراءة جديدة للتاريخ العربي المعاصر. جاء من رؤية إخراجية للمخرج التونسي جمال الدلالي. مع الحفاظ على ثيمة أعماله التي تتناول قيم الحرية والعيش بكرامة، والفصل بين الرؤية التاريخية والمعاصرة. والحياد في المعالجة بدون السقوط في فخ الأيديولوجيا. لقد أثرى المشهد التونسي بأعمال وثائقية كمثل فيلم «صالح بن يوسف.. جريمة دولة». مؤكداً دائما على أن مهمة الفيلم الوثائقي ليس الحجاج الأيديولوجي وتقديم أحكام جاهزة وإنما محاولة إثارة التساؤلات النقدية على الواقع العربي، بحثاً عن الحقيقة بكل زواياها وفسح المجال للمشاهد ليكون الحكم والقارئ، كل من زاويته ومنطلقه.
جاء هذا الحوار معه بلغة المكاشفة والصراحة حول الفيلم.

■ يأتي فيلمك «نساء في قبضة العقيد» في ظل سياق تاريخي: انهيار نظام القذافي … ثورة 17 فبراير/شباط…. فراغ سياسي في ليبيا. ليعكس الوجه الآخر للعقيد القذافي الذي طالما صيغ على صورة نمطية كقائد وزعيم ثار على قيم المجتمع القبلي وأرسى ثقافة حقوقية جديدة للمرأة. كيف قدمت سيكولوجية العقيد وثائقيا؟
□ الفيلم لم يتجه إلى البحث عن طبيعة القذافي النفسية أو الأخلاقية كشخص، وإنما أبرز حقيقة نظام كامل في تعامله مع معارضيه وبشكل خاص النساء، إذن يمكن اعتبار أن سلوك النظام كان مرآة لسلوك رموزه، ولكن يمكن أيضا اعتبار أن النظام في تعاطيه مع المخالفين قد طُبع بطباع رموزه النفسية والأخلاقية. «نساء في قبضة العقيد» هو عبارة عن إماطة اللثام عن حقبة كاملة من تاريخ ليبيا، لم يُكشف منها إلى حد الآن إلا القليل، خاصة القصص الإنسانية التي تجسد المعاناة العامة.
■ عنوان الفيلم «نساء في قبضة العقيد»: عنوان ملتبس، للديكتاتور وظف التبرير السياسي وغطاء قانوني للتحكم في شعبه:
أ ـ ثورة الفاتح من سبتمبر/أيلول
ب ـ جائزة القذافي العالمية لحقوق الإنسان. لماذا؟
□ عنوان الفيلم هو تكثيف للمعنى وتركيز للرسالة وهو أيضا واجهة للفيلم، وأول ما يجذب أو ينفر المشاهد، وعادة ما يمر الفيلم بأكثر من عنوان في علاقة بمختلف مراحله من الفكرة إلى البحث إلى عملية الإنتاج وما بعد الإنتاج، وقد اختزل «نساء في قبضة العقيد» أهم عناصر الفيلم: الفضاء، الزمن والشخصيات.
■ يقول كانط: «تجرأ لتعرف». كيف تجرأت عدستك على انتزاع شهادات نسائية قاسية عن تعذيبهن في سجون العقيد؟
□ الجرأة في مجتمع محافظ مثل المجتمع الليبي قد تكون طريقا لتجاوز الخطوط الحمر، خاصة في ما يتعلق بالمرأة فما بالك في أن تكون المرأة هي موضوع الفيلم وتروي قصصا حقيقية وتجارب شخصية، ولكن الرغبة في توثيق الشهادات وإعادة رواية جزء من التاريخ المعاصر لليبيا كان هدفا استحق عناء البحث والمحاولة، وهنا لا بد من شهادة عرفان وتقدير للنساء اللواتي امتلكن قدرا كبيرا من الجرأة والشجاعة، ليساهمن في كشف الحقائق ورواية الأحداث.
■ توثيق الانتهاكات الجسيمة لحقوق النساء في عهد العقيد. بين الذاكرة المكانية والزمنية.
□ إن كان للديكتاتور من عمل عادل فهو العدل في توزيع الانتهاكات زمانيا ومكانيا، والذاكرة الشفاهية أو المكتوبة تبقى الحاضنة الأهم والناقل الأكبر لأحداث كان يلفها التعتيم من كل جانب وفيلم «نساء في قبضة العقيد» ساهم ولو بقدر محدود في اختراق المسكوت عنه، سواء بحكم التعتيم أو القيود الاجتماعية.
■ أرشيف الفيلم بين إعلام دعائي وجهاز مخابراتي خطير في إخفاء المعلومات عن سجون النساء، كيف وصلت إليه؟
□ أهم من الأرشيف هو الشهادات، باعتبارها مصدرا أول للمعلومة، أما الأرشــــيف وبحكم ما أوردته في السؤال من تعمد المنظومة القديمـــة في إخفاء الحقائق وتجميل الواقع القبيح فقد مثل بالنســبة إلينا تحديا كبيرا لم ننجح بشكل كامل في كسبه، ولهذا اعتمدنا على المشاهد التمثيلية التي تحاكي الواقع وتقرب الصورة للمشاهد.
■ كيف عالجت الذاكرة النسائية المعتقلة وثائقيا؟
□ الذاكرة هي المخزون الذي لا ينضب، وواجبنا كصانعي أفــــلام أن نقدم هذه الذاكـــرة في شــــكل فني يعتمد لغة سينمائية راقية، ويكشف من خلالها المسكوت عنه. استفزاز ذاكرة المعتقلات ومساعدتهن على ما يمكن أن نسميه بالتداعي الحر لرواية الأحداث، بكل تفاصيلها. كان عملا مضنيا ومحفوفا بكثير من «التابوهات» التي تعشش في مجتمعاتنا المشرقية المحافظة.
■ كيف عاشت النساء المعذبات في عهد العقيد ثورة 17 فبراير/شباط الليبية؟
□ كما عبرت زكية التايب (إحدى بطلات الفيلم) فقد أنصفتهن ثورة 17 فبراير، وكشفت النقاب عن معاناتهن ومعاناة شعب بأكمله، ولكن رد الاعتبار لا ينتهي إلا برد الحقوق لأصحابها، وأن يلقى كل مذنب ما يستحق من عقاب بناء على نصوص القانون، وبعيدا عن الأحقاد الشخصية. الوضع الليبي الحالي يلقي بمسؤوليته على كل الأطراف حتى تحافظ على شعارات ثورة 17 فبراير وتعزيز مكتسبات الحرية والعيش في كنف القانون والمؤسسات.
■ هل استطاع الربيع العربي أن يحرر المرأة العربية من قيود ذاكرة التعذيب؟
□ نحن بصدد تحرير الإنسان وليس المرأة فقط من كل الممارسات التي تقتل فيه قيمة الإنسان، ولا يمكننا اليوم أن ندعي أن المهمة قد انتهت، بل بالعكس ربما تكون ارتدادات الثورة المضادة قد أفلحت في الحد من الطموحات، أو حتى الحسرة عما فات. الواضح إننا ما زلنا في الميل الأول من مسافة الألف ميل.
■ تجربتك في الفيلم الوثائقي كيف تراها؟
□ الفيلم الوثائقي باعتباره المعالجة الخلاقة للواقع، هو التعبير الأصدق عن محاكاة الأحداث وإعادة تقديمها للمشاهد، ولهذا لا بد لصانع الفيلم الوثائقي أن تتجسد فيه مجموعة من الأبعاد الفنية والإبداعية والإلمام بالفكرة التي يعمل عليها. تقييمي الشخصي لتجربتي مع الفيلم الوثائقي وبعد إخراج ما يقرب من 12 فيلما، أن المراكمة عنصر مهم يتفاعل مع حسن اختيار الموضوع وتجديد الأسلوب الفني والإبداعي.
■ علاقة الفيلم الوثائــقي بالفعل التحرري للإنسان العربي في ظل انفـــتاح مهرجانات عربـــية للفـــيلم الوثــائقي.
□ لقد نقلت شاشات التلفزيون لحظة الفعل الثوري من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا ولكن يبقى الفيلم الوثائقي هو الأقدر على اكتشاف كنه الحدث، وما يحمل من دلالات وأبعاد، وهذا ما يجعل هدف الفيلم الوثائقي هو رصد الواقع عبر معالجة خلاقة تسمح بهامش من الإبداع، بدون الاكتفاء بالعرض المباشر للواقع. خلال السنوات القليلة الماضية شهدت صناعة الفيلم الوثائقي العربي تطورا ملحوظا مع وجود قناة متخصصة كـ«الجزيرة الوثائقية» وأيضاً مهرجانات متعددة على طول وعرض الوطن العربي.
ناقد مغربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*