نحن والتاريخ

 

مع اقتراب الذكرى الخمسين لهزيمة 1967، يعيد التاريخ الظهور بقوة كمشكلة غير قابلة للحل في الحاضر العربي. لم تخرج دراسات الحرب التي غيرت الدول العربية تغييراً عميقاً، من الحيز الأكاديمي، فيما فضلت الحكومات التي احتفظت بسلطتها على الرغم من الكارثة التي صنعتها بأيديها، تجاهل الموضوع والتستر عليه واختراع حلول تلفيقية للإشكاليات التي رفعتها هزيمة حزيران (يونيو).

ليس صحيحاً أولاً، أن حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 قد لأمت جرح 1967. الإطناب في الحديث عن انتصار أكتوبر و «حرب تشرين التحريرية» والاحتفال به لم يخدما غير سياسات أنور السادات في مصر وحافظ الأسد في سورية. بيد أن هذا وغيره من محاولات التعتيم على التاريخ بذريعة أن النصر قد جبّ الهزيمة، وأن الله قد عفا عما مضى، يقول شيئاً آخر. يقول، على سبيل المثال، إن السلطات العربية لا تريد كتابة تاريخ قريب من الواقع لما جرى. ولا تريد الاعتراف بأنها هي، قبل إسرائيل والغرب والمؤامرات الدولية، من صنع الهزيمة، وأنها ما زالت حتى اليوم مقيمة على النهج ذاته في التعمية على الحقائق وابتكار الأعداء والتهرب من مسؤولية الفشل الظاهر أمام كل عين.

معروف أن المنتصر يكتب التاريخ. وأن التأريخ (مع الهمزة) مجال تتراجع فيه الموضوعية لمصلحة الانحيازات المسبقة والانتماءات والهويات الناظمة للسياسة والمحددة للوعي. عينة على ذلك ما فعله كثر من المؤرخين المصريين بلائمة الهزيمة على الأسلوب الذي أدار به المشير عبد الحكيم عامر الجيش في الخمسينات والستينات. وأن انعدام كفاءة عامر كان بمثابة فضيحة معلنة ومهزلة ظاهرة للعيان. وفسر المؤرخون هؤلاء كيفية وصول شخص كهذا إلى قمة الجيش المصري بإعادتها إلى الصداقة المتينة التي ربطته بجمال عبد الناصر والود الذي كان يكنه الثاني للأول. في واقع الأمر يزيد التفسير المذكور الطين بلة. فبدلاً من معايير الكفاءة والمساءلة والمسؤولية والنجاح في إنجاز المهمات، تحل صفات الصداقة والود والولاء الشخصي.

ينفي ذلك عن الدولة أولى صفاتها كمؤسسة تخضع لأحكام عقلانية وتقوم على مصالح وحسابات وعلى حسن أداء الواجبات وليست سهرة سمر مع الأوفياء من الخلان. والأهم أنه يهدم الفكرة القائلة إن الدولة خاضعة (أو ينبغي أن تخضع) لرقابة من تدعي تمثيلهم.

بهذا المعنى يمكن فهم التاريخ الرسمي العربي على أنه تاريخ روايات السلطات الحاكمة ومبرراتها وتقع هذه على مسافة بعيدة من الواقع والحقيقة. وإذا كانت واحدة من مهمات السلطة هي الترويج لخطابها ولرؤيتها إلى العالم، فإن القدرة على نقد (ثم نقض) هذين الخطاب والرؤية تتعلق بما يختزنه المجتمع من رؤى بديلة هي بالتحديد رؤى قوى التغيير. هنا تُفتح إشكالية عربية جديدة: ما هي القوى الحائزة على رؤية بديلة أعمق وأكثر عقلانية من روايات السلطة؟ الإسلاميون بأطيافهم؟ اليسار؟ منظمات المجتمع المدني؟ «تأريخ» هذه القوى ورواياتها التاريخية تلتزم بدقة بوصفة السعي إلى استبدال رواية السلطة القائمة برواية سلطة آتية.

ولعل مسألة كتابة التاريخ العربي، والتي سنواجه فيها بعد سنوات قليلة معضلة تتمثل في تعريف وتوصيف الثورات التي شهدتها منطقتنا، واحدة من وجوه المأزق العربي العام الذي يصح اختصاره بهزال المجتمع وتغوّل الدولة. فلا يعود التاريخ، والحال على هذا النحو، غير تكرار لروايات السلطان، ويستأنف المؤرخ العربي دوره ككاتب «للمرايا»، ذاك الصنف الأدبي الذي يطمح فيه المثقف أن يكون حاجباً عند «صاحب الأمر».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*