نجاح إصدار الأوروبوند يؤكد استمرار الثقة بالسندات اللبنانية نمو القطاع المصرفي والتدفقات وانتظام العمل السياسي أبرز الأسباب

النهار

في 20 آذار الماضي استحقت على الدولة اللبنانية سندات بالعملات الاجنبية بقيمة 1.5 مليار دولار. ولهذه الغاية، اصدرت وزارة المال سندات خزينة بالدولار الأميركي بتاريخ 2017/3/23 ضمن السقف المتاح أي نحو 3 مليارات دولار بعدما تم رفع سقف حجم هذا الاصدار الى ما يقارب 1.5 مليار دولار نتيجة الطلب الكبير الذي شهده، ما ساهم في تأمين الاموال اللازمة لتمويل هذا الاستحقاق وجزء من الاستحقاقات المقبلة من أصل الدين بالعملات الأجنبية للعام 2017.

بحسب الارقام الرسمية، يستحق على الدولة اللبنانية مبلغ يقارب الـ 7.3 مليارات دولار خلال هذا العام المالي يتوزع بين استحقاقات بالليرة اللبنانية وبالعملات الاجنبية، كذلك الأمر بالنسبة إلى العام 2018 حيث تبلغ قيمة استحقاقات الدين العام (بالدولار والليرة) وخدمته 7.32 مليارات دولار. وكانت وزارة المال فوضت الى 4 مصارف ادارة هذا الاصدار وترتيبه، إثنان منها لبنانية ومصرفان آخران أجنبيان، وهي بنك باركليز البريطاني ومصرف جي. بي. مورغان الاميركي، اضافة الى تعيين بنك بيبلوس وبنك سوسييتيه جنرال في لبنان. ونجاح هذا الاصدار يؤكد مرة جديدة استمرار الثقة بالسندات اللبنانية وخصوصا من المؤسسات الدولية، حيث أكدت نتائج الاصدار نسبة عالية من مشاركة المصارف والمؤسسات المالية المحلية والاجنبية، وبلغ حجم الطلب على الاكتتاب حوالى 6 أضعاف المبلغ الذي تمّ إصداره، أي ما يعادل 17800 مليون دولار، منها حوالى 1250 مليون دولار من مصارف ومؤسسات مالية أجنبية، فضلاً عن ان نسبة المبالغ المكتتب بها من المصارف والمؤسسات المالية الأجنبية في السندات هي بحدود 20% من المبالغ التي تمّ إصدارها أي حوالى 600 مليون دولار، فيما تعتبر العوائد على السندات الجديدة التي تمّ اصدارها معدلات جيدة مقارنةً بمعدلات العوائد الرائجة في الاسواق الثانوية. فبحسب نتائج هذا الاصدار، كانت الفوائد مؤاتية جداً وقد بلغت 6.85% على 10 سنوات (2027)، 7% على 15 سنة (2032) و7.25% على سندات 20 عاما (2037)، وتدفع الفائدة كل 6 أشهر على ان تدفع قيمة الاصول عند الاستحقاق. ورغم الخطوة التي اتخذها البنك الفيديرالي الاميركي برفع اسعار الفائدة الى 1% الا انه لم يكن لهذه التطورات تداعيات تذكر على نسبة فوائد هذا الاصدار.
هذه الفوائد تعتبر لافتة في بلد يتوقع ان يتخطى دينه العام 80 مليار دولار بحلول نهاية العام الحالي، ما يمثل نحو 146% من الناتج المحلي، اضافة الى غياب الموازنة وارتفاع متوقع للعجز الى أكثر من 5 مليارات دولار، مع غياب أيضاً للإصلاحات المالية والهيكلية المطلوبة من المؤسسات الدولية، وكل ذلك، يترافق مع استمرار الغموض حيال الواقع الاقتصادي في البلاد، ما يعزز المخاوف عند المستثمرين ورؤوس الاموال. وأمام هذه الوقائع، كان للفوائد ان تكون أعلى بكثير، ولكنها أتت، بحسب نتائج الاصدار، ضمن معدلات مقبولة جداً. وهذا الاعتدال في معدلات الفوائد أكده المزيد من وكالات التصنيف الائتماني الدولية التي حسّنت تقويمها للنظرة المستقبلية لتصنيف لبنان إيجابا رغم الظروف غير المؤاتية التي تعانيها البلاد. وهذا التحسن أتى نتيجة استمرار نمو القطاع المصرفي والتدفقات الرأسمالية الوافدة إلى قاعدة ودائع القطاع المصرفي، مما ساهم الى حد كبير في تأمين “التغطية” اللازمة لكلفة خدمة الدين العام، وفي تأمين السيولة المطلوية لتغطية استدانة الدولة اللبنانية، الامر الذي يبعد عنها خطر التعثر المالي. ولاحظت هذه الوكالات ايضا بعض التحسن في المؤشرات المكروإقتصادية، حيث من المتوقع ان يسجل الحساب الجاري بعض التحسن في نسبة عجزه بين 2016 – 2019 على ان يراوح قرب 14% من الناتج المحلي. وتوقعت الوكالات ايضا تسجيل الناتج المحلي نسبة نمو جيدة بالمقارنة مع آخر 3 سنوات، قد تصل الى 2.3% بين 2016 و2019، بعدما كان هامش تحرك النمو بين 2014 و2015 لا يتعدى 2%. ومن هنا، أكدت هذه الوكالات في الفترة الماضية، ان تصنيفها الضعيف مرتبط مباشرة بالواقع السياسي والأمني في البلاد، وليس بضعف إمكانات الدولة لتمويل نفسها وتمويل دينها. مع العلم أن السوق تقوم بتسعير الفوائد في لبنان بما هو أفضل من التصنيف الذي تملكه البلاد. فالفوائد التي يطبّقها لبنان تساوي نسبة أعلى من التصنيف المحدد في خانة B-/B. وبالفعل، فان الدول التي تمتلك تصنيفا شبيها بتصنيف ديون لبنان تدفع فوائد تتخطى 10%، اما في لبنان فالفوائد أقل بكثير. وما هو لافت في إعادة التقويم الايجابي للنظرة المستقبلية تجاه تصنيف لبنان، هو إشارة بعض الوكالات الى الهندسة المالية التي تم اتباعها من قبل السلطات النقدية والتي ستساهم ايضا في تلبية متطلبات المعيار المحاسبي الجديد الذي يعرف بالمعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9 أو IFRS9 المتعلق بتصنيف وقياس الموجودات المالية من خلال دعم ميزانيات المصارف وتعزيز رساميلها الخاصة والمؤونات التي يجب تكوينها. وكل هذه التطورات ساهمت بدورها في تعزيز قدرة المصارف اللبنانية اولا على الاقبال الكثيف على هذا الاصدار، سعيا منها لتوظيف السيولة المرتفعة التي حققتها في الاشهر الماضية نتيجة الهندسات المالية.
بالتأكيد، ما ساهم في إنجاح هذا الاصدار هي ايضا الظروف التي أطلق فيها الطرح الاخير إذ انها تختلف عن الظروف التي كان يمر به في السنوات الماضية. فمنذ بداية السنة، تغيرت كل المعطيات، وأصبح للبنان رئيس جديد للجمهورية وحكومة جديدة مع ارتفاع حظوظ إقرار موازنة عامة للمرة الاولى منذ العام 2005، اضافة الى البحث الجدي في إمكان إقرار قانون جديد للإنتخابات وإجراء هذا الاستحقاق في أقرب وقت. الى ذلك، فان الدولة اللبنانية ورغم كل الظروف الصعبة التي مرت بها لم تتخلف يوماً عن دفع مستحقاتها، وهذا عامل اساسي، الى جانب استقرار المالية العامة رغم العجز المتفاقم والدين العام المرتفع، ويعود ذلك بشكل اساسي الى الثقة بالقطاع المصرفي ونسبة السيولة المرتفعة في هذا القطاع، وقدرته المتواصلة على جذب الودائع رغم كل الظروف. وكل هذا ساهم ايضا في رفع نسبة المبالغ المكتتب بها من المصارف والمؤسسات المالية الأجنبية في السندات وهي في حدود 20% من المبالغ التي تمّ إصدارها أي حوالى 600 مليون دولار، ما يظهر مدى قابلية المستثمر الاجنبي للتوجه نحو صناديق الاستثمار او المحافظ الاستثمارية في الاسواق، الى قابليته على السندات اللبنانية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*