نبيل الأظن غادر المسرح والحياة ذاهباً إلى العرض الأخير

 

توفي المخرج المسرحي والكاتب الفرنسي اللبناني الأصل نبيل الأظن عن 69 عاماً، بعد صراع مع المرض، تاركاً وراءه سيلاً من الأعمال والبصمات والمساهمات الثقافية التي تشهد لمسيرته المسرحية والأدبية الخلاّقة.

أقام نبيل الأظن في العاصمة الفرنسية منذ العام 1978 وخطّ فيها مساراً مسرحياً مشرقاً وممتازاً، وأسس فرقة “لا باراكا” منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما، وقدّم أعمالا مسرحية المعاصرة، مثل “مهاجر بريسبان” لجورج شحادة، ومسرحية “عقد هيلن” التي استخدم فيها ثلاث لغات هي الفرنسية والانكليزية والعربية، وتم استعمال نص هذه المسرحية في العديد من البلدان مثل اليابان، كندا، سويسرا، أيسلندا، لبنان وسوريا.

في العام 2010 جسّد مجموعة من روائع “ألف ليلة وليلة” على مسرح جامعة “النجاح الوطنية” في القدس باستخدام فنون الموسيقى والغناء والحكواتي والسيرك بمشاركة 30 فناناً وفنانة من سبع دول.

لنبيل الأظن حضور أوروبي وعربي متميز عبر توقيعه مجموعة من الأعمال المسرحية وعدد من الأنشطة الثقافية الرفيعة كوضعه اللمسات الفنية والشعرية لمعرض جمعه مع الفنانة الفرنسية سيبال فريديل في قصر بيت الدين في لبنان، وقبلها في فرنسا مع مسرحة مختارات شعرية في إطار لقاءات وزارة الثقافة الفرنسية التي تهدف لمد الجسور الثقافية بين فرنسا والعالم العربي وغيرها من اللقاءات.

ترجم كتاب “عين السراب” للشاعر عيسى مخلوف إلى الفرنسية وتم تقديمه للجمهور الفرنسي من خلال أمسية أدبية وموسيقية في العاصمة الفرنسية.

أخرج نبيل الأظن من جملة الأعمال العديدة، المونودراما المسرحية، “الأمية”، تأليف الكاتبة المجرية الأصل آغوتا كريستوف، أداء الممثلة الفرنسية كاترين سالفيا، وقدّمها فوق خشبة مسرح “لو ديشارجور”، في حي شاتليه الباريسي، كتب موقع “باريسكوب” عنها، أنها “لحظة مسرحية رائعة، مليئة بالإنسانية”، وكتب موقع Théâtre du Blog انها “ملحمة خاصة، مدوية مع الفوضى، عرف نبيل الأظن أن يلتقطها وينقلها”.

لم يكن مستغرباً أن يختار المخرج نبيل الأظن هذا النص ويُخرجه للمسرح، هو الذي يكتب بالفرنسية، ويترجم من اللغتين العربية والانكليزية إليها. يقول: “هذا الكلام، هذا الصراع بين اللغة الأم واللغة الأخرى، لغة الآخر، والحرب، والهجرة، هو ما دعاني لاختيار هذا النص الذي يلامسني، على رغم أنني لم أعشه تماماً كما تتحدث عنه الكاتبة، ولكن كان لديَّ نوع من المجابهة والصراع بين لغتي الأم وهي العربية وبين اللغة الفرنسية. كنتُ أتكلم اللغة الفرنسية قبل قرار الهجرة، ولكن أن تتكلم اللغة شيء، وأن تحيا بها شيء آخر. لغة الآخر هي شخصية جديدة، وطريقة حياة جديدة، وأسلوب تفكير وتعبير مختلفان، وعندما تبدأ بممارستها تشعر كأنك تخون لغتك الأم، حتى صارت اللغة الفرنسية فجأةً هي مجموعة القيم الزائدة، وانتفى التنافر بين مجموعة “الأنا” المتفككة، وأصبحت جميعاً قيماً إضافية. هذا النص يلامسني كما يلامس كل مثقف وخلاّق نُفي من وطنه أو اختار الهجرة بسبب الحرب، ليجد نفسه في علاقة جديدة بين لغته ولغة الآخر، التي ستصبح في ما بعد جزءاً من ثقافته وهويته غير المرتبطتين بزمان أو مكان”.

قال نبيل الأظن عن تجربته هذه في إخراج هذا العرض: “ليس لديَّ أسلوب واحدٌ في الإخراج بصورة عامة. النص هو الذي يجعلني أختار الأسلوب، أتكيف مع النص ولا أكيّفه. قد يكون واقعياً أو تجريبياً. “الأمية” في الأساس ليس نصاً مسرحياً، وهذا ما دفعني لأن أبحث عن الوسائل التي يمكنني من خلالها إيصال الكلمة. اعتمدت مع السينوغراف على شري البساطة في السينوغرافيا، لنترك للكلمة ملء الفراغ بأكمله. كان خيارنا وضع ألواح عدة كرموز للأبواب، كالكاتبة التي تفتح علينا بوابات ذاكرتها، وكرموز لصفحات كتاب “الأمية” نفسه بأبوابه الأحد عشر التي دونت فيها الكاتبة مذكراتها من المجر إلى سويسرا، عابرة من الطفولة إلى الشيخوخة، من اللغة المجرية إلى الفرنسية، من الحرب إلى المنفى، من مكان إلى مكان، وهو عبور محتم للشخصية. لذا رأيت أن أعرض هذا العبور أيضاً فوق خشبة المسرح، فجاءت حركة الممثلة من لوح إلى آخر، كأنها تعبر من صفحة إلى صفحة، ومن باب إلى باب، وجاءت فكرة أن تكون الإضاءة ملقاة على الممثلة فقط بينما يغرق ما تبقى من أجزاء المسرح في العتمة، في خدمة فكرة العبور إلى النور. فالمنفى قد يكون عبوراً من ظلام إلى ظلام، إلا إذا حاول المنفي العثور على ذاته، فقد يستطيع أن يحوّل العبور المؤلم، والفقد، والخسارات، إلى عبورٍ نحو ضوءٍ ما”.

المخرج نبيل الأظن حائز جوائز رفيعة منها ميدالية الآداب والفنون من وزارة الثقافة الفرنسية، وجائزة المنتدى الثقافي في باريس عام 2007. وهو خريج جامعة السوربون الفرنسية في الدراسات المسرحية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*