نايم ومرتاح!

صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
الشرق الأوسط
29042018
من بين ألوف الكلمات التي قيلت عن الضربة التي تلقتها سوريا، لم أجد ما هو أبلغ من كلمات بشار الأسد. قال: أنا كنت نائماً طوال ذلك. فكلمته لم تعبر فقط عن قسوته وعدم اكتراثه عما يحل في البلد، وإنما تعبر أيضاً عن هذه الحقيقة. فالواقع أن الحكم ليس بيده وإنما بيد روسيا وإيران. ولهذا يستطيع أن ينام بكل راحة ملء عينيه ويشخر ملء حنجرته. شؤون البلد بيد الآخرين. إنه مجرد دمية يلعبون بها. والظاهر أنه بالضبط يشعر بذلك فقد وصف الغارة والضربة الصاروخية بأنها «بانتومايم»، هذا العمل المسرحي المضحك. وهذا تعبير لا شعوري عن مكانته في سوريا، إنه مجرد دمية يلعب بها الآخرون في هذا البانتومايم المسرحي.

بيد أن من خصائص البانتومايم أن يثير الضحك في المشاهدين، وبانتومايم الأسد يثير النحيب والدموع في المشاهدين. وقد سبقه الروس في استعمال هذه الكلمة عما يجري بشأن سوريا. وهنا يكون الاستعمال صادقاً ودقيقاً. فالروس يضحكون مما يقومون به في سوريا، ولا عجب. فوجودهم في سوريا بانتومايم مسرحي.
ولا أدري فكلمات الأسد «أنا كنت نايم طوال ذلك» قد تكون مشحونة بأمر دقيق فكر به هذا الدكتور. وهو عذر، والعذر الوحيد بيده عندما ستجري إحالته إلى المحكمة الدولية عن الجرائم التي ابتلي بها الشعب السوري. سيسألونه: اسمك؟ بشار، عنوانك؟ فيعطيهم عنوانه في إنجلترا حيث كان يعمل. عملك؟ بواب. إش تقصد؟ أقصد أنني كنت بواباً أفتح الأبواب للإيرانيين والروس عندما يدخلون ويخرجون.

ثم تسأله المحكمة: ما هو جوابك عن كل هذه الجرائم المدرجة في لائحة الاتهام؟ يجيبهم فيقول: أنا كنت نائماً طوال كل ذلك ولا أدري أي شيء عما يجري في هذا البلد. وأتلو عليكم ما قلته في أبريل (نيسان) 2018. كانت هناك غارة على البلد وصواريخ تضرب في كل اتجاه وكنت نائماً غارقاً في النوم، وقلت ذلك للصحافيين علنا. آسف! لم يعد الناس يصدقونني ولكن هاكم حفنة من قصاصات الجرائد الأجنبية. لا أحد يصدق ما تقوله جرائدنا. ولكن هاكم اقرأوا ما كتبه الإنجليز في جرائدهم. يستشهدون بما قالته صحيفة «الأوبزرفر» إنني كنت غارقاً في النوم كشأني في كل
السنوات التي حكمت فيها هذا البلد.

وهذا كما يبدو لي قول صحيح. فهذا رجل درس الطب في بريطانيا ومارس فيها مهنته وتزوج بسيدة هي الأخرى من قطعه وأكثر، فهي في الواقع امرأة إنجليزية. طالما خطر لي أن أتساءل كيف جوزت نفسه له القيام بمثل هذه الفظائع والفضائح؟ وأعطانا الرجل الآن جوابه الرصين لذلك. كان نائماً طوال الوقت.
لا أدري ما إذا كانت محكمة العدل الدولية ستأخذ بعين الاعتبار هذا العذر، وهو النوم. وإذا فعلت فسيكون بشار الأسد قد أفلح في هذه السابقة القضائية بإضافة هذا العذر لقائمة الأعذار الشرعية الأخرى، الاختلال العقلي، فقدان الإرادة، انعدام المسؤولية… والنوم!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*