نايف معلوف في “من خوابي العمر” وغسان تويني العرّاب

د. منيف موسى
20082018
النهار

ذات مساء من ربيع العام 1942، حَاضَر ميشال شيحا بعنوان: “لبنان اليوم”. ومما جاء في محاضرته: “لبنان بلاد لأقليّات طائفيّة مشتركة… متشاركة، غايتها تحقيق وحدتها والمزيد من التآخي في الحقل السياسيّ… ولبنان بلد لا يناسبه ركوب الرأس… وهو أيضًا وطن لجميع أبنائه على حدّ سواء، يسعه ويجب عليه أنْ يعلن حقّه في الحياة …”.

وكانت مقدمة المحاضرة/ الكتاب [المنشور العام 1994 بترجمته العربيّة للدكتور أحمد بيضون] نصّين لغسان تويني عن ميشال شيحا. كانا قد نشرا العامين 1955 و1965، تحت عنوان “أقوى من المنطق”. ومّما جاء فيهما: “عظمة لبنان، وأمثولة تاريخه، أنّ حياته – وكدتُ أقول حيويّته – أقوى من المنطق، حتى ولو كان المنطق منطق تاريخ لبنان ومؤرّخيه!” فلبنان يتوحّد، كما لا يعيش “إذا كانت كلّ طائفة تعيش والميزان في يدها”. فميشال شيحا يتوسّل المنطق ليقيم أسس السياسة اللبنانية الدائمة، يقول غسان تويني. مع أنّه يلجأ إلى المنطق اللبنانيّ في أحايين كثيرة! فلبنان وطن الاستحقاق اللبنانيّ ولا يُعطى إلاّ لمستحقّيه.

فغسان تويني الذي التقيتُه غير مرّة، وقد تحدثنا في السياسة والأدب والصحافة، ولا سيما عندما كتبتُ عن الشاعرة ناديا تويني، وتحدّثنا أيضًا عن كتابه “أتركوا شعبي يعيش”، كان ينطلق في كتاباته السياسيّة من منطق العقل، إلى عقل المنطق. وإلاّ ما معنى عنوان مقدمته “أقوى من المنطق”. وفي هذا إشارة تلميح إلى مفهوم الديموقراطيّة في الحياة نظامًا وسلوكًا ومواطنة وعلائق محليّة ودوليّة، فهو – هنا – يأتي من الفلسفة التي درسها ودرّسها إلى معالجة السياسة التي تخصّص في علومها وحاضر فيها، فكان كما ميشال شيحا المفكّر الصحافيّ والدبلوماسيّ المحنّك. وقد كتب: “قوّة المنطق” و”نزهة العقل” من أجل معالجة الأمور في مختلف قضايا الحياة والوطن! ومثله كان ولده جبران الذي أقبل على الحياة بعزم الشباب وهمّة الرجال وطموح التوّاقين إلى الحرية، فكان قَسَمُهُ الشهير في مهرجان 14 آذار، قَسَمًا لبنانيًّا عامًّا من أجل لبنان العظيم! ومرّة التقيت بجبران في مكتبه في جريدة “النهار”، وكان معنا أمين زيدان وقد حمل ورقة كان فيها: “اثنان من لبنان مجنونان، واحد مجنون ديموقراطيّة حتى الشهادة هو أنت يا جبران، وواحد مجنون لبنانية مثالية حضارية هو منيف موسى، فابتسم جبران برضاء واعتزاز قائلاً: “لبنان يستأهل كلّ هذا … وأكثر!”

الذي ساقني إلى هذه المقدمة، ما أنا كاتبه ههنا عن نايف معلوف وكتابه “من خوابي العمر” الذي يسرد فيه مؤلّفه بعضًا من سيرته في الحياة والوظيفة. وقد قدّم له غسان تويني الذي عايش الدكتور معلوف وخبره وكانا متخصصين بالفلسفة وممارسين السياسة والإدارة!

أتى نايف معلوف الوظيفة الإداريّة عن طريق المصادفة. فكان مدير التعليم الابتدائيّ والمتوسط، فالمدير العام لوزارة التربية، فمحافظ مدينة بيروت فمديرًا عامًا في رئاسة الجمهوريّة. وهو في الأساس أستاذ جامعي (دكتور دولة في الفلسفة) وله عدة مؤلّفات وأبحاث ومحاضرات في مؤتمرات دوليّة تتعلّق بالتربية والإدارة ويؤمن بأنّ التربية هي الأساس في بناء الأوطان، وبالتربية الواحدة تكون وحدة أبناء الوطن ووحدة توجهاتهم! وإذ كان يعمل ليل نهار، من أجل تربية وطنية صحيحة، كان طموحه بناء وطن رسالة وفكرة، يكون نسيج وحدة بين الأوطان!

وعندما انتقل نايف من الجامعة إلى الوظيفة الإدارية، رأى أستاذه ومعلمه في جامعة مونتريال أنّ هذا الانتقال لن يعود بالفائدة على تلميذه، فالإدارة تأكل الرجل الكفي وتشلّ طموحه العلميّ وتحدّ من أبحاثه! وكان أنْ عاد نايف معلوف إلى الكتابة، فكأنّه وُلد من جديد، أو عادت إليه الروح، فأدركته “حرفة الأدب”. فالكتاب هو عصارة الفكر واستمرار صاحبه في الوجود! فاختار صاحبنا القلم، الأداة المثلى في الكون، ﴿والقلم وما يسطرون﴾ [القرآن الكريم]، فالكلمة ليست إلى بوار وعدميّة، خالدة هي، ففي البدء كان [وكانت] وهي (لوجوس) التكوين. وبالعقل تكمن عظمة الإنسان، والوحي ملاذ المعرفة. والقلب يعرف أمورًا لا يعرفها العقل. لكنّ الإنسان عقل وقلب، وجوهرهما المعرفة، فالأعلى والأكمل قدرة العقل وقدرة الإنسان من أجل الوصول إلى المطلق!

وكان موضوع “دور الكلمة في عملية المعرفة” هاجس نايف معلوف الفلسفيّ. فبحث انطلاقًا مما استهواه في الفكر اليونانيّ من أرسطو ومن هم قبل أرسطو إلى العرب، فكان عنده: توما الأكويني، والفارابي، والغزالي، وهؤلاء لهم موقعهم الفلسفيّ في تاريخ الفكر البشريّ من حيث الكلمة ودورها وأهميتها في عملية المعرفة… وفي هذا لا ننسى أنّ الإيمان ضروريّ للمعرفة؛ بحسب القديس أغسطينوس وأنّ الإنسان محور الوجود وكيانه الأسمى في مسألة فلسفة الخلق والإبداع. قال ديكارت: “أنا أفكّر إذًا أنا موجود”. هذا الموجود هو “الذات” أو “الشخصيّة” التي تحدّد ماهية التكوين في فعل الخلق. الكائن العقل. الكائن الله… فالإنسان توّاق إلى الكمال، إلى الحلول في ذات العزّة الإلهيّة، لكنّه لا يزال إلهًا في القمط”. كما يقول ميخائيل نعيمه. فمتى يصير في حدود الألوهة؟

في هذه المسألة تكون الكلمة صلة بين الإنسان والله، وعملها وحيٌ وإلهام وعقل وتفكّر. والمعرفة أفضل من القوّة وصاحبها عظيم القدرة والهيبة. و”الكلمة التي تقال في حينها تفاحة من ذهب في وعاء من الفضّة”. يقول الكتاب! وإذا “كان الله قد مات” بحسب مفهوم نيتشه، إنّما بالإيمان يحيا، بل ليس هو بمائت هو الحيُّ الأزليّ والأبديّ. إذًا هو فوق الموت وأكبر، وأقوى. وإلاّ ما معنى قول السيّد المسيح: “من آمن بي ولو مات فسيحيا! الإيمان حياة تعاش، ومصير نورانيّ. من هذا المنطق الفلسفيّ خاض نايف معلوف في مفهوم “دور الكلمة في المعرفة”. والمعرفة سبيل خلاص، مغامرة كونيّة، في مسيرة المصير الإنسانيّ المترجّح بين الربوبيّة والناسوتيّة. والمحور في هذا كلّه الإنسان المعرفة. فما معنى قول الشاعر، إذًا، “والذي حارت البريّة فيه/ حيوان مستحدث من جماد”؟

المعرفة سبيل خلاص قلتُ. وقال سقراط: “أيّها الإنسان أعرف نفسك!” وتدور الدنيا. ونظلّ نتفلسف. ونسأل. وتأخذنا الحيرة بين الشكّ واليقين، ويظلّ نايف معلوف واقفًا على باب المعرفة، في رواق الفلسفة، وهو في دهشة الحيران، والسؤال كثير التسآل، ومعه غسان تويني، وهما متسلحان بالفلسفة. والعين منهما في “هودج لبنان” مرة إلى الأرض ومرة إلى السماء، والهمّ واحد، وهو الوطن “لبنان!” ولبنان وطن ضروريّ وواجب التقاليد اللبنانيّة، بل العالميّة، أنْ تصونه من العنف. ولبنان وطن صغير، لكنّه وطن تأريخ وحضارة وثقافة. يقول نايف معلوف. إنّ لبنان يقوم على معادلات دقيقة لا تحتمل الخلل، وإلاّ اختلّ التوازن الوطنيّ، فنقع في المحظور. لبنان وطنٌ صعب. لكنّه بلد منفتح على كلّ تيارات العالم، على تيقّظ وحذر. وهو بلد تقليد وتجديد. وآيته أنّه وطن عقل ومعرفة، ووطن وجدان وتوتّر. وواجب الوجود الوطنيّ فيه الهدوء والاتزان.. “فكلّ ما هو إسلاميّ متجذر فيه، وكلّ ما هو مسيحيّ أصيل فيه”. لبنان موئل الحريّة وحاميها، منذ كان… الحوار العقلانيّ مَهمّة اللبانيّين الدائمة، وهذا قائم على المحبّة التي هي في جوهرها مشاركة وحضور وعطاء.. من هنا كان العقل لغة التفاهم السليم. والانفتاح طريق الفهم والتواصل. وما التعصّب إلاّ وليد الجهل… وما المعرفة إلاّ الطريق إلى سبر أسرار الكون والإنسان، أقلّه معرفة بعض أسرار هذه الأسرار! العِلْم معرفة وإدراك. وبالفلسفة نسعى إلى أنْ نعرف الوجود في جوهره ومصدره ومصيره”.

بمثل هذا، حدّثنا الدكتور نايف معلوف في كتابه “من خوابي العمر” وقد “تَفَلْسف”. فجاءنا بأدب فلسفيّ، على سعادة في فعل المعرفة، التي لا تضاهيها سعادة. فلسان الحكيم يجود بالمعرفة، قال الكتاب، وفم الصدّيق ينبت الحكمة. ورأس الحكمة معرفة الله. ونايف معلوف كتب فأبدع، و”تفلسف” فأقنع! … وسمته العليا التواضع والخُلُقيّة الرفيعة… وكأن قاعدته الذهبيّة هي: “وأعزّ ما يبقى وداد دائم/ إنّ المناصب لا تدوم طويلا/”. فنِعْم الطموح، ونِعْم المعرفة. ولبنان جماعة طوائف بحاجة إلى ميثاق شرف عيش واحد، قاعدته “عقد اجتماعيّ” وطنيّ يصون الوحدة والاستقلال والوطن، ليبقى حضورنا، على الدوام، في العالم، ديموقراطيّة وسلامًا وحريّة!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*