نابوليون الثالث طلب من الموارنة شراء أسهم في قناة السويس

 

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف تحقيقاً كتبه محمد حسنين هيكل في “النهار” بتاريخ 7 آذار 1996 حمل عنوان :  “الأسطورة والأمبراطورية والدولة اليهودية القنوات السرية للمفاوضات العربية-الأسرائيلية نابوليون الثالث طلب من الموارنة شراء أسهم في قناة السويس”.

روتشيلد “انتم طردتم محمد علي من الشام ولكنكم تركتم وراءه فراغاً لم يملأه أحد”. (البارون “روتشيلد” لرئيس وزراء بريطانيا) من الصعب نسبة استراتيجية كاملة لامبراطورية بأسرها الى عنصر واحد او الى مطلب بعينه. فمن الطبيعي ان العناصر تتعدد وتتقاطع بحيث يخرج منها تصور استراتيجي واسع تتواصل عملية ترتيبه على مراحل تتفاعل مع متغيرات الظروف. وبالتالي فانه من التعسف افتراض ان الهدف الوحيد للسياسة البريطانية في المشرق كان تحقيق الفصل بين مصر وسوريا، وزرع وطن قومي لليهود فاصلاً بينهما عند نقطة الاتصال بين ضلعي الزاوية الاستراتيجية الكبرى في جنوب شرق البحر الابيض. كانت هناك عناصر اخرى بالتأكيد، منها مطالب تأمين خطوط المواصلات الامبراطورية مع الهند، ومنها مطالب السيطرة على طرق التجارة البحرية، ومنها مطالب الصراع على البحر الابيض والبحر الاحمر، ومنها مطالب لندن في تأكيد مركزها المالي والتجاري الحاكم – ومع ذلك فان هذه المطالب كلها، وهي حقائق واقعة، لا تنفي انه في تلك الفترة من منتصف القرن التاسع عشر كان فصل مصر عن سوريا وانشاء عازل بينهما – مطلباً من أهم مطالب السياسة البريطانية واعزها. وهذه عملية تواصلت خطاها ظاهرة وواثقة على خط ممتد من معاهدة لندن عام 1840 وحتى صدور “وعد بلفور” عام 1917.

  • المصدر: “النهار”
  • 22 حزيران 2017 | 16:50

عقب توقيع معاهدة عام 1840 مباشرة كانت الخطوة البريطانية الاولى هي تمهيد الارض في سوريا أخذاً في الاعتبار ان فلسطين في ذلك الوقت كانت بأكملها ولاية من ولايات الشام. وكانت اول حركة قام بها رئيس وزراء بريطانيا بالمرستون ارسال منشور سري الى كل قناصل انكلترا في دمشق وحلب والقدس وبيروت وحيفا – يقول فيه بالنص ما يأتي: “اننا خرجنا بعد هزيمة محمد علي واخراجه من الشام (Levant) ونحن والاتراك حلفاء وبيننا تعاون لا بد ان نحرص عليه، ونحن لن نخذلهم في أمره. ولكن ذلك يجب الا يمنعنا من تنفيذ ما تقتضيه سياستنا في المنطقة. ان الاتراك يعرفون ما ينبغي عليهم عمله حيال اليهود في هذه المنطقة، ولكنه من المتعين علينا ان نتابع ذلك بجهد منظم هدفه ان نتأكد من ان اليهود لا يتعرضون هناك لأي تمييز ضدهم او اضطهاد. ونحن مطالبون الآن بأن نجعل اليهود يثقون بنا، وان يتأكدوا من ان حكومة انكلترا تعتبر نفسها مسؤولة عن سلامتهم وراغبة في حمايتهم ومصممة على ذلك. انني ارى انه من الضروري ان يكون هذا التعهد معروفاً لكل اليهود في الشام، بما في ذلك اليهود من رعايا دول اخرى غير انكلترا. ولا بد ان يعرف اليهود النمسويون او الفرنسيون او الاوروبيون بصفة عامة انه يحق لهم ان يلجأوا الى القنصل البريطاني لحمايتهم في حالة تقصير قناصل دولهم الاصلية عن توفير هذه الحماية. فكلهم يجب ان يستقر في وعيه ان انكلترا هي حامية اليهود”. وبالفعل فان توجيهات بالمرستون كما وردت في منشوره بدأ تنفيذها في الشام بهمة استدعت ان يقوم حاخام القدس باسم سكانها اليهود بارسال حجاب واق من الشر الى الملكة فيكتوريا، وقد سلم لها الحجاب فعلاً عام 1849، وجرى ذلك عقب مؤتمر يهودي صغير عقد في لندن برعاية عائلة روتشيلد، وانتهى الى اعلان مطلبين:

1- اعلان قبول “يهود العالم” – !! – الحماية الانكليزية لهم حيثما كانوا.

2- التوجه بالرجاء للحكومة الانكليزية ان تسهل لليهود استعمار فلسطين على نمط ما يحدث في مناطق اخرى. وكان المقصود بهذه الاشارة الى “مناطق اخرى” حركة الاستيطان الاوروبي الدائرة وقتها على قدم وساق في جنوب افريقيا واوستراليا وكندا. فقد كان ذلك عصر الهجرات الاستيطانية المسلحة، وكان اليهود يطلبون المعاملة بالمثل في ما يتعلق بفلسطين. ويكتب اللورد شافتسبري في مذكراته: “ذهبت ومعي البارون روتشيلد لمقابلة بالمرستون. وكان روتشيلد مؤثراً الى ابعد درجة وهو يقول لبالمرستون مشيراً الى خريطة كانت امام رئيس الوزراء: “انكم طردتم محمد علي من هنا” (مشيراً الى الشام Levant) ولكنكم تركتم بعده فراغاً. ان الاتراك عادوا الى الشام بعد رحيل محمد علي، وكل الناس يعرفون ان السلطان مهزوم وانه ما كان يستطيع العودة الى دمشق الا بفضل قوتكم. ولذلك فحكمه في الشام ضعيف، والاحوال فوضى، والطوائف تتناحر، وهناك فراغ لا شك فيه”. ثم وصل روتشيلد الى الذروة الدرامية في حديثه حين قال لرئيس الوزراء: “انكم خلعتم من هنا قوة شريرة، لكنها كانت مسيطرة وقادرة على ضبط الامور. والآن يتحتم عليكم ان تضعوا بدلاً من ذلك قوة اخرى تسيطر وتضبط الأمور ولا تكون شريرة… وطن قومي لليهود”. كان رئيس وزراء بريطانيا يتلقى تقارير عن الاحوال في سوريا من مصادر مختلفة كان بينها السير موسى مونتيفيوري، وهو شخصية بريطانية معروفة في ذلك الوقت بنشاطها في مجال الجمعيات الخيرية. وقد تكررت رحلاته الى الشرق، بما فيها سبع زيارات لفلسطين. وكان الهدف الواضح لاهتمام مونتيفيوري بالشرق العمل على فتح ابواب هجرة اليهود الى فلسطين، متأثراً في ذلك الوقت بمناخ عام اتسع تأثيره في لندن. وفي اول زيارة لمونتيفيوري الى المنطقة سنحت له الفرصة لأن يقابل محمد علي (باشا) في مصر وان يتحدث اليه في موضوع هجرة اليهود الى فلسطين، وكانت في ذلك الوقت تحت حكمه… ولاية من ولايات سوريا.

وكان رد محمد علي – طبقاً لكتابات مونتيفيوري ولليوميات المنظمة التي كانت تكتبها زوجته: “انه شخصياً يتفهم ما يسمعه من السير موسى (مونتيفيوري) ويتعاطي مع ما يعانيه اليهود في اوروبا – لكن القرار في شأن فتح ابواب فلسطين لهجرة اليهود اليها هو امر يتصل بسلطة الخليفة العثماني”. ويمكن استنتاج ان والي مصر الذكي راودته الشكوك حول حقيقة ما يعرض عليه ودوافعه الخفية. وبالتالي فانه احال الامر – خلاف تصرفه في مسائل كثيرة – الى الباب العالي في اسطنبول – لكنه ليس هناك دليل قاطع في كل وثائق تلك الايام على ان محمد علي رأى القصد مبكراً، وحاول ان يتوقاه محيلاً قراره إلى اسطنبول. وبعد هزيمة محمد علي فان مونتيفيوري وغيره لم يعد امامهم غير التركيز على لندن، خصوصاً ان ابواب اسطنبول اصبحت مواربة، لا هي مقفولة ولا هي مفتوحة، لأن الضغوط اليهودية حاولت ان تستغل هزيمة محمد علي وتدفع بموجات هجرة مؤثرة من اوروبا الى فلسطين. وذلك ادى الى احراج السلطان الذي عاد الى دمشق ضعيفاً كما وصفه روتشيلد في حديثه الى بالمرستون – وبسبب هذا الضعف فان السلطان وقع تحت ضغوط عناصر في بلاطه تتخوف من هجرة اليهود الى فلسطين على نطاق واسع، وكانت وراء هذه الضغوط ايحاءات اسلامية. كما كان وراءها تأثير علاقات بين رجال بلاطه وكثيرون من الحكام والعلماء العرب والمسلمين في الشام نفسها. وعاد مونيفيوري من احدى رحلاته الى المنطقة ليقابل بالمرستون ويقول له (طبقاً لمذكرات ليدي مونتيفيوري) “انه لاحظ اثناء زيارته لاسطنبول ان حماسة الباب العالي لليهود بردت تحت تأثير عناصر متعصبة تحيط به. وقد حاولت افهامهم انه لا داعي الى قلقهم، فليس كل يهودي على الارض مستعداً للذهاب الى فلسطين او راغباً في ذلك.

وبالتالي فليس للسلطان ان يخشى من ظهور ملايين من اليهود على شواطئ فلسطين. ان ما نريده ابسط من ذلك واهون. فنحن لا نريد الا ان يكون اليهود مثلهم مثل الانكليز والمجريين والالمان واليابانيين – اصحاب بلد يمكن ان يصبح ملكاً لهم، وعاصمته هي القدس”. ومع مطالع الخمسينات من القرن التاسع عشر كانت الحمى اليهودية في انكلترا قد بلغت مداها في تناسق وتناغم ملحوظ مع موسيقى المارشات العسكرية التي ترافق التوسع الامبراطوري البريطاني عبر البحار. وفي هذه الفترة نشر الدكتور توماس كلارك، وهو احد ابرز اساتذة التاريخ في جامعة اكسفورد، كتابه الشهير بعنوان “فلسطين لليهود”. وترافق ذلك مع نشر المجموعة الكاملة للاغاني العبرية التي كتبها الشاعر الانكليزي الكبير اللورد بايرون، وذاعت بينها قصيدة جديدة تقول: “اطلع ايها الاله العظيم ودع قدرتك تتجلى وارسل اشعتها مضيئة ودافئة على ابناء يعقوب واعد فلولهم التائهة الى ارضهم الموعودة هناك واهدهم لكي يذهبوا الى فلسطين – فهي وطنهم”. لم يكن الساسة المنهمكون في بناء الامبراطورية من امثال بالمرستون او الرأسماليون اليهود الراغبون في تصدير يهود الشرق الى فلسطين للتخفيف عنهم من امثال روتشيلد ولا العسكريون المطالبون بفصل مصر عن الشام وحجز القوة المصرية في افريقيا من امثال ولنغتون، ولا المحسنون من أمثال مونتيفيوري، ولا الشعراء من امثال بايرون – هم وحدهم الذين يدفعون الامور في اتجاه فتح ابواب فلسطين امام هجرة اليهود، ولكن الحوادث نفسها راحت تزيد من ضغطها بما يساعد هذا الاتجاه. ففي تلك الفترة (1854) قامت الحرب في شبه جزيرة القرم وادت معاركها الى تدفق عشرات الوف من يهود البلقان مهاجرين ينشدون مساعدة ابناء دينهم في اوروبا الغربية.

وهكذا بدأت ضغوط الحوادث تضيف قوتها الى ضغوط الاستراتيجيات الكبرى الامبراطورية والعسكرية والمالية، فضلاً عن احلام المحسنين واوهام الشعراء. كانت الحوادث ايضاً قد دفعت الى القمة في بريطانيا بجيل جديد من الساسة الانكليز لم يكونوا اقل حماسة للمخططات القديمة من اسلافهم. ففي ذلك الوقت راح يتناوب على رئاسة الوزارة في انكلترا اثنان من الساسة هما غلادستون – البروتستانتي – ودزرائيلي الذي كان اول وآخر يهودي يتولى رئاسة الوزارة في بريطانيا. وكان كلاهما صهيونياً: اولهما (غلادستون) صهيوني بالمعنى المسيحي للكلمة – اي هؤلاء الذين يؤمنون دينياً بحرفية ما جاء في العهد القديم عن “عودة اليهود” الى فلسطين. والثاني (دزرائيلي) صهيوني بالمعنى اليهودي الذي اصبحت يهوديته على رغم انكليزيته جمرة تحت الرماد في اعماقه. وكان دزرائيلي الذي مارس في بداية حياته هواية الكتابة والادب، قد افشى مكنونات سره على ألسنة ابطال رواياته. فقد ورد على لسان احد هؤلاء الابطال مثلاً قوله: “ان انكلترا اكبر بكثير من ان يحولها بعض ساستها الى مكتب محاسبات تجاري كبير.

انكلترا لها قلب ولها ضمير، لذلك فهي تقف مع اليهود مدركة ان الله ذاته يحارب من اجل بعث اسرائيل”. ولم يترك دزرائيلي جمرته تحت الرماد تتوهج على مواقف ابطال رواياته فقط، وانما ذهب يوما – طبقاً لكتاباته – يقول لغلادستون – منافسه في رئاسة الوزارة وقتها – وكانت قوافل اليهود اللاجئين من حرب القرم في البلقان تصل الى عواصم اوروبا الغربية – ما نصه: “اريدك ان تعرف ان الدول التي احسنت الى اليهود هي وحدها التي تقدمت وازدهرت”. ولم يكن الامر بالنسبة الى الاثنين – غلادستون او دزرائيلي – قاصراً على الايحاءات الدينية فقط، وانما كان كلاهما استعمارياً من الدرجة الاولى. ثم ان كليهما في ذلك الوقت بدأ يحس بالمنافسة مع فرنسا التي خرجت من دوامات الثورة وعواقب قيام امبراطورية نابوليون وسقوطها، ومشاكل عودة البوربون ثم فشلهم – الى حكم نابوليون الثالث الذي بدأ يستجمع خيوط دور فرنسي بدأت اصداؤه تسمع في مصر بالتحديد. كان نابوليون الثالث هو الذي اعطى رعايته لمشروع حفر قناة السويس. وكانت زوجته الامبراطورة أوجيني هي التي ركبت مع الخديوي اسماعيل على السفينة “المحروسة” التي تقدمت قافلة العبور الاولى في هذه القناة عام 1869.

وبدا واضحاً لكل من غلادستون ودزرائيلي ان النفوذ الفرنسي في مصر يتزايد في عصر الخديوي اسماعيل. وكان ذلك صحيحاً الى حد كبير، وان لم يكن سببه قصداً فرنسياً بمقدار ما كان سبباً عملياً نشأ من حقيقة ان عشرات من المبعوثين الى فرنسا في عصر محمد علي عادوا الى مصر وراحوا يشغلون اهم المواقع في ادارتها، متأثرين بالطبع بكل ما تعلموه في جامعات فرنسا، وبكل مكتسبات ثقافتهم من الحياة في باريس. ولكن كانت لكل من غلادستون ودزرائيلي وجهة نظر ومقاصد وخطط اخرى تربط ما يجري في مصر بما يجري في الشام، خصوصاً ان ذلك العصر شهد – ايضاً – تدفق آلاف من نخب الشام الفكرية والفنية الى مصر هرباً من الاضطهاد العثماني في اوقات ضعفت هيبة الدولة وسلطانها، ومن ثم عوضت ذلك بالبطش والعنف. ويلفت النظر هنا – في ما تقوله الوثائق الفرنسية ان نابوليون الثالث امبراطور فرنسا طلب من موارنة لبنان – وهم جزء من الشام – ان يساهموا قبل غيرهم في اسهم شركة قناة السويس لأن لهم مصالح متشابكة مع مصر. وفي هذه الاجواء كان وارداً ومحتملاً لاسباب كثيرة، عديدة ومتشعبة، ان تعود صلات مصر بالشام فتتجدد على نحو او آخر. وعادت السياسات القديمة تمارس مطالبها بقوة دفع جديدة، وتركز هذه المرة على مصر.

دزرائيلي “الذهب جاهز لاتمام الصفقة باسرع ما يمكن” (البارون روتشيلد لدزرائيلي) اذا كان من الخطأ تصوير التاريخ على انه مؤامرة، فالاشد تورطاً في الخطأ تصويره على انه مصادفة. والواقع ان التاريخ افكار وخطط وارادات امم وشعوب وافراد، وصراعات مصالح وقوى تطلب التفوق والغلبة، وتسعى الى المعرفة سعيها الى الفائدة. ان سلسلة الحوادث الكبرى التي حصلت في الربع الاخير من القرن التاسع عشر في مصر وحولها، وبالذات في فلسطين، تصعب نسبتها الى عبث المصادفات. – عام 1875 قام دزرائيلي بمساعدة روتشيلد بشراء الحصة المصرية في شركة قناة السويس. وبدأت القصة حينما عرف هنري اوبنهايم – وهو مالي يهودي من دائني الخديوي اسماعيل – ان والي مصر يريد ان يبيع اسهمه في شركة قناة السويس وانه يبحث عن مشتر يأخذها سراً ويدفع ثمنها نقداً، فهو يخشى أنه – اذا عرف دائنوه برغبته مبكراً، واذا تم تحقيق هذه الرغبة بوسائل مصرفية، فان هؤلاء الدائنين – وهم كثر – سوف يسبقونه بالحجز على ما قد يتحصل عليه من الصفقة. وسمع مالي يهودي آخر (وصاحب جريدة في الوقت نفسه) هو غرينوود – بالقصة من اوبنهايم، وكان ان توجه على الفور الى وزير خارجية انكلترا – اللورد ديربي وقتها – وابلغه بما سمع واخذه وزير الخارجية معه فوراً الى مكتب رئيس الوزراء دزرائيلي معتبراً ان هذه فرصة لانكلترا تضع فيها موطئ قدم في مصر.

وراح دزرائيلي يفكر بسرعة، والمعضلة امامه هي رغبة الخديوي في اتمام البيع سراً والحصول على الثمن نقداً. فهو من هذين الشرطين لا يستطيع ان يعرض الصفقة على البرلمان. ولم يطل تفكير دزرائيلي، فقد وجد الحل بسرعة، وبعث بسكرتيره الخاص اللورد راوتون ليجيء له بالبارون روتشيلد. وطلب روتشيلد من اللورد راوتون مهلة ايام يدبر فيها الامر. كان المبلغ المطلوب اربعة ملايين جنيه ذهباً ونقداً وعداً. وكان رئيس الوزراء يدرك انه حتى روتشيلد لا يحتفظ بمثل هذا المبلغ جاهزاً في خزانته، كما انه لا يملك ان يتصرف في هذا الحجم من المال من دون اتفاق فروع الاسرة كلها (في فرنسا والمانيا).

وعلى رغم ذلك فان دزرائيلي فوجئ في الصباح التالي بوصول روتشيلد الى مقره مبكراً يطلب ايقاظه من نومه ليبلغه ان “الذهب جاهز لاتمام الصفقة باسرع ما يمكن” قبل ان يغير خديوي مصر رأيه او يتسرب سر الصفقة الى الآخرين. وتدافعت امواج متلاحقة في مجرى قناة السويس فاضت على ما حولها عبر سيناء:

– عام 1877 – بعد ما لا يزيد كثيراً على سنة واحدة من شراء بريطانيا حصة الخديوي في قناة السويس – كانت اسرة روتشيلد تمول انشاء اول مستعمرة استيطانية لليهود في فلسطين على مساحة 2275 فداناً، وهي مستعمرة “بتاح تكفاه”. – في السنة عينها كانت الحكومة الانكليزية تطلب من السلطان السماح لها بانزال قوات عسكرية في قبرص لأن تلك ضرورة عسكرية لمراقبة ما يجرى في سواحل الشام عن بعد، وذلك تطبيقاً لاتفاقية “المساعدة” الانكليزية التركية الذي عقده بعد انتهاء حرب القرم وتعهدت انكلترا للسلطان بمقتضاه ان تحمي ممتلكاته الشرقية. وكانت قبرص هي الموقع المثالي لمراقبة ومتابعة ما يجرى في كل من مصر وسوريا.

– وعام 1882 تذرعت الحكومة الانكليزية بوجود قلاقل في مصر (ثورة “عرابي”) واتخذ مجلس الوزراء الانكليزي قراراً يخول قائد القوات البريطانية اللورد ويلسلي احتلال مصر وقمع الثورة العرابية. (وكانت التكئة التي استند عليها القرار البريطاني هي خروج عرابي باشا عن طاعة خديوي مصر ومن ثم حقوق السلطان). – في السنة عينها – سنة الاحتلال البريطاني لمصر – قام البارون ادموند روتشيلد بتنظيم اول هجرة جماعية يهودية الى فلسطين، وبهذه العملية فان تعداد اليهود في فلسطين ارتفع من ثمانية آلاف الى 24 الفاً. وفي الوقت عينه كانت اسرة روتشيلد قد بدأت جمع تبرعات ومساهمات طائلة لشراء اراض في فلسطين، وكانت الواجهة الظاهرة لهذه العملية مؤسسة للاستثمار في الارض الزراعية في المشرق.

– يلفت النظر بشدة في السنوات التالية مباشرة للاحتلال البريطاني حجم الزيادة التي طرأت على حركة الهجرة اليهودية الى فلسطين، وتسارع انشاء المستعمرات للمستوطنين القادمين. وفي ظرف عشر سنين من احتلال الانكليز لمصر تم انشاء المستعمرات الآتية: – مستعمرة “كاترا” على مساحة 500 فدان. – مستعمرة “ريشون ليزيون” على مساحة 1180 فداناً. – مستعمرة “روش بينا” على مساحة 3800 فدان. – مستعمرة “زيشرون جاكوب” على مساحة 1850 فداناً.

– مستعمرة “وادي الشانين” على مساحة 1180 فداناً.

– مستعمرة “ايكرون” على مساحة 1275 فداناً.

– مستعمرة “كاستينا” على مساحة 550 فداناً.

– مستعمرة “روهوبوت” على مساحة 1300 فدان.

– مستعمرة “ارتوف” على مساحة 460 فداناً.

– مستعمرة “ام الديشمال” على مساحة 253 فداناً.

– مستعمرة “الشويحة” على مساحة 851 فداناً.

– مستعمرة “معاليه” على مساحة 910 فدادين.

– مستعمرة “مشمار هايردن” على مساحة 230 فداناً.

– مستعمرة “عين زيتون” على مساحة 509 فدادين.

– مستعمرة “ميتولا” (المطلة) على مساحة 1350 فداناً.

– مستعمرة “بن شيمن” على مساحة 210 فدادين.

– مستعمرة “ملهامى” على مساحة 1350 فدانا.

– مستعمرة “عية” على مساحة 2750 فداناً.

– مستعمرة “الخضيرة” على مساحة 1750 فداناً.

– مستعمرة “كيفار سابه” على مساحة 460 فداناً.

واضافة الى ذلك ظهرت عشرات المستعمرات الاصغر حجماً، وكان بينها مستعمرة “بن يهود” على مساحة 350 فداناً، وكان موقعها في شرق الاردن – اي ان خطة الاستيطان اليهودي كانت تشمل الاردن غرباً وشرقاً. – عام 1891 انشأ البارون دي هيرش (مالي يهودي آخر) بالتعاون مع البارون روتشيلد مؤسسة للمشروعات الزراعية برأسمال مقداره مليونا جنيه استرليني، وشارك في المشروع مالي يهودي ثالث هو السير ارنست كاسل الذي ابدى اهتماماً ملحوظاً بالمشروعات الزراعية في مصر ذاتها، وانشأ شركة “وادي كوم امبو” التي تملكت مساحات شاسعة من الاراضي قرب مدينة “كوم امبو” في صعيد مصر. ومن الظاهر ان تسلسل الوقائع كان اكثر تماسكاً من ان ينسب الى المصادفات. وكان ذلك هو المسرح الذي ظهر عليه رجل قدر له ان يضطلع بدور كبير في الحركة الصهيونية هو تيودور هيرتزل، صحافي مولود في فيينا نال مقداراً من الشهرة واتصل بالمسألة اليهودية من طريق جمعيات ومنظمات فكرية وثقافية تعنى بالمسألة اليهودية، وتعمل من منظور انساني في الظاهر لتسهيل هجرة اعداد من يهود الشرق الى فلسطين. ولم يكن هيرتزل وحيداً في ميدانه، فقد سبقه واحاط به جمع لا يستهان به من المفكرين والدعاة اليهود الذين رأوا الفكرة مثله وان لم يقدروا على تحديدها والتبشير بها صراحة وعلناً. – ومثلاً فان موزس هيس وضع في ذلك الوقت كتابه “روما والقدس” ليقول فيه ما مؤداه: “انني اشعر كيهودي بأنني انتمي الى شعب بائس، سيئ الحظ، محتقر ومشتت بين امم العالم. ان اليهود في بعض البلاد يهربون من يهوديتهم، وفي المانيا يحاول اليهود ان يخلعوا عنهم كل ما يشير الى انهم يهود. والشعوب الاوروبية كلها تشعر بأن اليهود اغراب عندهم. وسيظل اليهود دائماً اغراباً بين الأمم”.

– ومثلاً فان ليوبنسكر في كتابه “التحرر الذاتي” راح يقول: “يجب ان نجد وطناً لهذا الشعب حتى نكف عن التجوال في العالم. وليس من الضروري ان نحلم باستعادة ارض يهودا القديمة، فلا داعي الى ان نربط انفسنا بالمكان الذي تحطمت فيه حياتنا السياسية وتوقفت. ليس من الضروري ان يكون هدفنا استعادة الارض المقدسة، وانما من حقنا ان نطالب بارض، اي ارض. اي قطعة من الارض تكفي لاخواننا من البؤساء. قطعة ارض تكون ملكاً لنا ولا يستطيع احد ان يطردنا منها. – ومثلاً فان توماس كلارك بدأ يقترب اكثر من صميم الموضوع حينما قال في كتابه “الهند وفلسطين” (رابطاً بوضوح بين الاثنتين): “اذا كانت الضرورة تقضي بالابقاء على مملكة تركيا كدولة محايدة وآمنة على حدودها – فمن المؤكد ان ذهاب اليهود الى فلسطين تحت حماية بريطانيا يمكن ان يعطي تركيا هذا الحياد وهذه السلامة. ان بريطانيا تعتمد على التجارة كحجر زاوية في عظمتها. وافضل مكان واقربه الى حركة التجارة العالمية يمر عبر النقطة التي تلتقي عندها القارات الثلاث الكبرى. وبما ان اليهود يؤلفون شعباً تجارياً في الاصل، فانه ليس هناك اكثر ملاءمة ولا منطقاً من زرعهم على طول ذلك الطريق العظيم للتجارة طوال كل العصور. ان سوريا يجب ان يوجد فيها شعب تجاري. ولن تصبح سوريا في أمان الا عندما تصبح في ايدي شعب شجاع مستقل يزخر بالحيوية، وهذه الاوصاف تنطبق على اليهود”. – ومثلاً فان ادوارد لودفيغ ميدفور (وهو ديبلوماسي انكليزي غير يهودي) كتب في الفترة نفسها ما سماه “نداء بالنيابة عن اليهود لانشاء كومنولث بريطاني في الشام”، اقترب فيه اكثر واكثر من صميم الموضوع فقال: “ان فلسطين اذا ما اخذنا في الاعتبار مساحتها تبدو صغيرة ولا تتسع لكل اليهود. وقد تنشأ مشاكل بسبب هجرة مستوطنين كثيرين. لذلك يستحسن قبل القيام بتوسيع نقاط الاستيطان في فلسطين ان يتم اعداد البلاد كلها لاستقبال شعبها الجديد. ويمكن اقناع الحكومة العثمانية بتهجير كل السكان “المحمديين” وتوطينهم في المناطق الشاسعة الخالية من شمال العراق(1) حيث يستطيعون امتلاك ارض افضل من تلك الارض التي سوف يتركونها وراءهم”.

لكن هيرتزل – خلافاً لهؤلاء جميعاً – توجه الى صميم الهدف مباشرة! وربما ساعد هيرتزل على التوجه المباشر الى الهدف ان هجرة موجات من اليهود الى فلسطين لم تعد خافية على احد – ثم ان عواقبها بدأت تلفت الانظار على الارض. فقد بدأت المشاكل فعلاً بين المستوطنين اليهود المتدفقين على فلسطين والسكان العرب الاصليين. ولفتت هذه المشاكل نظر كثيرين، وبينهم عدد من المهاجرين اليهود انفسهم. وكتب “أحاد هاعام”(2) ما يكاد يكون تحذيراً مبكراً من شكل ما هو آت: “لقد اعتدنا على التفكير والتصرف كأن جميع العرب قوم بدائيون يعيشون في الصحراء ولا يرون ولا يفهمون حقيقة ما يجري حولهم. وهذا خطأ فادح لأن العرب، وبخاصة سكان المدن منهم، يرون ويفهمون ما نفعله في فلسطين. واذا كانوا لا يقابلون عملنا بفعل مضاد ويتظاهرون بأنهم لا يلاحظون شيئاً. فذلك لأنهم في الوقت الحاضر لا يرون في ما نفعله الآن تهديداً لمستقبلهم. ولكن اذا ما تطورت الامور وبدأ زحفنا الكبير على فلسطين، فان العرب لن يتخلوا عن مواقعهم بسهولة. ان المستوطنين اليهود الجدد في فلسطين كانوا عبيداً في التيه، وفجأة وجدوا انفسهم وسط حرية بلا حدود، بل وسط حرية لا رادع لها. وقد احدث هذا التحول المفاجئ في نفوسهم ميلاً الى الاستبداد كما هي الحال حين يصبح العبد سيدا.

وهم يعاملون العرب بكثير من العداء والشراسة. ويمتهنون حقوقهم بصورة فجة وغير مقبولة. ثم يوجهون لهم الاهانات من دون مبرر كاف، ويفاخرون بما يفعلون. يتصرفون كأن العرب كلهم همج متوحشون يعيشون كالحيوانات من دون فهم لحقيقة ما يجري حولهم”. وكان لا بد لأحد ان ينزع الستار والاغطية، وان يفصح بعبارة صريحة وفعل مباشر، لأن الحركة لا تقدر على الوقوف طويلاً عند منتصف الطريق… وكان هذا دور تيودور هيرتزل. هيرتزل “سليل الفراعنة الذين اضطهدونا يطلب مساعدتي انا اليهودي!” (هيرتزل بعد لقائه مصطفى كامل باشا) كانت ميزة هيرتزل على كل الآخرين في زمانه انه استطاع استيعاب مجمل الظروف الاستراتيجية، ورأى ان اللحظة المناسبة لكي يتخلى العمل اليهودي عن سواتره بما في ذلك التبشير والهجرة الخيرية، وان يدخل مباشرة – وبقوة – الى عالم الحقائق السياسية. وافتتح هيرتزل دوره الخطير بنشر كتيب تحول في ما بعد – وعندما توسع فيه كاتبه – الى دستور للحركة الصهيونية، وقد نشره بعنوان “الدولة اليهودية”، واحدث نشره اصداء كبيرة بين اليهود وان يكن كثيرون منهم قد اعتبروا افكاره – وقتها – نوعاً من الخيال السياسي. كان منطق هيرتزل كما تبدى في كتابه بسيطاً الى درجة تبعث على القلق:

1- اليهود لن يندمجوا في المجتمعات الاوروبية.

2- الذين سوف يندمجون هم اغنياء اليهود فقط. فهؤلاء وحدهم هم الذين تقبل المجتمعات الاوروبية اندماجهم فيها – وهؤلاء لن يهاجروا.

3- اليهود الفقراء القادمون من الشرق سوف يكونون مصدر ازعاج وقلق لليهود الاثرياء الذين استقروا في غرب اوروبا.

4- ان اليهود عندما تهوي بهم الظروف يصبحون من البروليتاريا الثورية. لكنهم عندما ينهضون تنهض معهم قوة المال الرهيبة.

5- ان اغنياء اليهود في اوروبا هم الذين يجب ان يدفعوا تكلفة هجرة فقرائهم الى خارج اوروبا.

6- فلسطين هي المكان الوحيد الذي يستطيع اليهود ان يذهبوا اليه. فمجرد ذكر اسمها يثير عند الشعب اليهودي ذكريات تاريخية تقدر على الهامه وتحريكه. كان ذلك منطق هيرتزل الفكري، كانت ثناياه تحمل رسائل مبطنة هدفها طمأنة اغنياء اليهود والقوى الاوروبية ايضاً – وزاد عليه هيرتزل بخطة عمل تقوم على ثلاثة محاور:

 محور يتجه الى السلطان صاحب الولاية الاسمية على فلسطين وبصفته خليفة للمسلمين.

 ومحور يتجه الى بريطانيا التي تقدمت نشيطة وقوية وسابقة للآخرين نحو ارث ممتلكات الخلاف في الشرق.

 ومحور يتجه الى مصر لاعتبارات استراتيجية ادركها هيرتزل واستوعبها من متابعته للسياسة الامبراطورية البريطانية ودراسته لها.

على المحور العثماني كانت خطة هيرتزل ان يشتري فلسطين من السلطان. وتلك خطة تكشفها يوميات هيرتزل وتشرح مقاصده فيها بوضوح لا تشوبه ظلال. ففي تاريخ 15 يونيو (حزيران) 1896 يكتب هيرتزل في يومياته: “سوف نقدم الى السلطان 20 مليون جنيه استرليني لاصلاح الاوضاع المالية المتدهورة في تركيا، منها مليونان بدل فلسطين، والبقية ومقدارها 18 مليوناً يمكن استخدامها في تحرير تركيا من الحماية الاوروبية وشراء سندات ديونها”. واثناء زيارة بعد شهرين لاسطنبول يكتب هيرتزل في يومياته: “التقيت اليوم غاويد بك وهو ابن الصدر الاعظم خليل رفعت باشا. رتبنا الامور مع غاويد بك (قدم اليه رشوة في الغالب) غاويد بك مستعد لتفهم مشروعنا والمساعدة فيه. لكن اعتراضه الوحيد هو مصير الاماكن المقدسة. فالقدس يجب ان تظل تحت الادارة التركية فوعدته بذلك. وعدته بأن تبقى القدس خارج حدود الدولة اليهودية، اذا قامت، لأن الاماكن المقدسة تخص العالم المتمدن كله، ويجب ان تظل للجميع. سألني غاويد بك عن شكل العلاقة التي اراها بين دولة يهودية، اذا قامت، ودولة الخلافة، فقلت له اننا لا نطلب الاستقلال ولا نفكر فيه، ولكننا نريد نوعاً من العلاقة مثل تلك التي كانت بينكم وبين مصر”. ويغادر هيرتزل اسطنبول، وبعدها بأشهر يكتب في يومياته: “ابلغوني ان السلطان اخذ علماً بمشروعي لكنه يعارض فكرة بيع فلسطين لليهود. وفهمت انه يمكن عقد صفقة، اذا وجدنا صيغة مناسبة. من رسائل حاشية السلطان فهمت انهم يريدون صيغة لانقاذ ماء الوجه، وقد بعثت الى اسطنبول برسالة قلت فيها “ان جماعتنا تعرض على صاحب الجلالة قرضاً بعشرين مليون جنيه استرليني، وفي مقابل ذلك فان جلالته يمنح اليهود الامتيازات الآتية:

1- يصدر جلالته دعوة كريمة لليهود ان يعودوا الى ارض آبائهم. والدعوة من السلطان سوف تكون لها قوة القانون خصوصاً اذا جرى اخطار الدول الكبرى المعنية بأمرها مسبقاً.

2- يمنح المهاجرون اليهود الاستقلال الذاتي المعروف في القانون الدولي، ويكون لهم الحق في ادارة شؤونهم التنفيذية، بما في ذلك العدل والأمن والنظام.

3- تجرى في اسطنبول مفاوضات حول الشكل الذي به تتحقق حماية السلطان لفلسطين اليهودية”.

ثم يكتب هيرتزل في يومياته: “كتبت الى مدحت بك سكرتير السلطان عن مشروعنا لاصدار جريدة “دي فيلت” واشرت له بأننا سوف نحاول ان نساعد حكومة السلطان من طريقها بنشر ما يمكن ان يؤدي الى تحسين صورتها في العالم. وهذه خطوة نحو تكريس جهود الصحافة اليهودية لخدمة الخلافة، خصوصاً اذا قام صاحب الجلالة بتشجيعنا وأمن لنا الظروف الضرورية لاسكان الشعب اليهودي في فلسطين. اننا سوف نضع كل قوتنا في خدمة الاقتصاد التركي. ان اعداءنا هم انفسهم اعداء السلطان الراغبين في اضعاف الخلافة العثمانية وتفتيتها، وهم الذين يريدون امتصاص دماء تركيا بقروضهم الشرهة (من المفارقات ان كل المصارف الدائنة لتركيا كانت مملوكة من اليهود معظمهم ممن يقومون بتمويل المشروع الصهيوني في فلسطين!).

وسوف يصبح المهاجرون اليهود الى فلسطين رعايا مخلصين لصاحب الجلالة السلطان شرط حصولهم على حق مطلق لحماية انفسهم بانفسهم، وان يكون لهم حق شراء الاراضي من دون اي قيد. واطمئنكم الى انه لن يكون هناك اغتصاب لارض احد ابداً، فالملكية شرع مقدس لا يمكن التنكر له. اما ممتلكات السلطان الخاصة فيمكن دفع ثمنها مقدماً ونقداً بحسب القيمة التي يقررها اذا شاء بيعها. ان صاحب الجلالة يجب ان يدرك ان نشاط اليهود واهميتهم مالياً وتجارياً مسألة معروفة جداً، فهم نهر من الذهب والتقدم والحيوية جاهز لخدمة تركيا”. وكان السلطان متردداً يخشى من ضغوط اسلامية وعربية يحس تأثيرها ويهمه تفاديها. وعلى المحور البريطاني لم يكن هيرتزل يحتاج الى عناء كبير، فهناك اساس موجود وقائم، وكل ما هناك ان الظروف المستجدة تقتضي الاسراع فيه. ومن الملاحظ ان مسعى هيرتزل حيال انكلترا لم يبتعد كثيراً عن مصر، وانما اتصل بها على نحو قد يكون مباشر وكتب هيرتزل الى لانسدون وزير خارجية انكلتر خطاباً يقول فيه: “ان هناك موجات هجرة متدفقة من شرق اوروبا الآن، واذا لم تفتحوا لها الباب بسرعة لتذهب الى فلسطين فسوف تجدون رجالها ونساءها واطفالها بمنقولاتهم امامكم في الحي الشرقي من لندن (East End). ان بعضهم جاء بالفعل الى هنا، ونحن لا نريد كثيرين منهم هنا بحيث تضطرون الى التوقف عن منحهم حق اللجوء السياسي، ولذلك فان من الخير ان تسارع انكلترا على الفور الى حل هذا الاشكال. والحل في يدها، فهي تملك في جنوب شرق البحر الابيض المتوسط اقاليم خالية من السكان، وبالذات في المنطقة الساحلية الموجودة بين العريش وشبه جزيرة سيناء. ان السلطان ليس مستعداً حتى الان لاعطائنا فلسطين او جزءاً منها. وقد تأخذ المفاوضات مع تركيا وقتاً طويلاً. لكنه حتى يتم الامر على نحو ما، فاننا نتمنى ان تأذن الحكومة البريطانية بانشاء مستعمرات يتجمع فيها المهاجرون اليهود في شبه جزيرة سيناء حتى يتاح لهم الذهاب الى فلسطين. انني سوف امضي في المحادثات مع الباب العالي حتى ابعد عنكم شبهة ان يبدو الاستيطاني اليهودي في العريش وغيرها عملاً عدائياً ضد السلطان.

ان هناك 10 ملايين يهودي في العالم، قد لا يستطيعون اعلان ولائهم لبريطانيا فوراً لكنهم سينتمون اليها بقلوبهم اذا هي سهلت لهم الحصول على فلسطين واصبحت بذلك فعلاً وعملاً حامية الشعب اليهودي وحاضنته. ان قراراً انكليزياً واحداً سوف يعطي انكلترا عشرة ملايين من المخلصين يدينون لها بالولاء في جميع ارجاء العالم. ربما يقال لكم ان بعضهم مجرد بائعي خردوات، ولكن لا ينبغي نسيان ان بعضهم الآخر اصحاب مصارف وتجاراً كباراً وعلماء وفنانين وصحافيين واصحاب مهن عظيمة اخرى. باختصار سيكون لانكلترا عشرة ملايين عميل يتحركون من اجل عظمتها وسيطرتها”. ولم تكن الحكومة البريطانية في حاجة الى جهد لكي تقتنع. وكذلك تعرف حجج هيرتزل ومنطقه، وكانت ترى تردد السلطان، وتتفهم رغبة الحركة الصهيونية في تعجيل الامور، وذلك من طريق اعطاء اليهود موطئ قدم – وان موقتاً – في سيناء حتى يصل السلطان في اسطنبول الى قرار تتحدد به الامور. وهكذا جاء الدور على المحور المصري. كان هيرتزل قبل ان يتحرك على المحور المصري قد انهى مهمة اعطته اساساً شبه شرعي يقف عليه ويعمل منه. فقد دعا الى عقد مؤتمر صهيوني تشارك فيه كل القوى المطالبة والمؤيدة لاستيطان اليهود في فلسطين. وانعقد المؤتمر فعلاً في مدينة بال السويسرية يوم 29 اغسطس (آب) 1897، واسفر هذا المؤتمر عن اربعة مقررات رئيسية هي: 1- العمل وفق خطة محددة على استعمار فلسطين بواسطة اليهود زراعياً وصناعياً.

2- العمل على انشاء مؤسسات يهودية تمثل وتربط وتجمع جهود الشعب اليهودي من اجل انشاء دولته.

3- العمل على تحريك الروح اليهودية والضمير اليهودي بما يوقظ العاطفة الوطنية اليهودية ويحقق الوعي بها.

4- العمل على تحقيق اهداف الصهيونية بما في ذلك احياء اللغة العبرية والادب العبري والثقافة العبرية. ومن المفارقات ان اول مصري قابله هيرتزل كان مصطفى كامل (باشا) زعيم الحزب الوطني الذي بزغ نجمه في الحركة الوطنية المصرية حينئذ.

وكان مصطفى كامل هو الذي سعى الى لقاء هيرتزل لكي يقنعه بمنح تأييده للقضية المصرية. ويكتب هيرتزل في مذكراته في تاريخ 24 مارس (آذار) 1897 ما يأتي: “جاء مصطفى كامل لزيارتي. انه في رحلة لجمع التأييد الدولي لقضية الشعب المصري الذي يسعى الى الخلاص من السيطرة البريطانية. ان هذا الشاب الشرقي ترك عندي انطباعاً ممتازاً. ان سليل الفراعنة الذين اضطهدونا في مصر يتنهد اليوم اسى من عذاب الرق البريطاني، وتقوده طريقه الي انا اليهودي طالباً مساعدتي. اشعر – مع اني لم اخبره بذلك – انه مما يفيد قضيتنا ان يضطر الانكليز الى الخروج من مصر لأن ذلك سوف يفرض عليهم ان يبحثوا عن طريق آخر الى الهند بدلاً من قناة السويس التي ستضيع منهم او تصبح غير مأمونة. وحينئذ سوف تصبح فلسطين اليهودية الجديدة طريقاً مناسباً لهم من يافا الى الخليج الفارسي والى الهند”.

بعد لقائه مصطفى كامل وبعد المؤتمر الصهيوني الاول في بال، بدأ هيرتزل حركته النشيطة في اتجاه المحور المصري. وقد جاء الى مصر اول مرة محبطاً. فقد ترددت اصوات كثيرة في اوساط اليهود في اوروبا تشكك في امكان تحقيق مشروع الدولة اليهودية في فلسطين. بل ان رجلاً مثل ماكس نوردو – وهو من اقرب الاصدقاء الى هيرتزل – اخذ يتأرجح في اتجاه القبول بوطن آخر لليهود غير فلسطين. وقد ظهرت في الاجواء بالفعل اقتراحات يشير احدها الى الارجنتين. ويشير ثان الى اوغندا. وكان مبعث تردد نوردو واقعة غريبة. فقد اراد قبل المؤتمر الصهيوني ان يقنع بعض الحاخامات الاوروبيين المترددين. فرأى ان يبعث باثنين منهم الى فلسطين يريانها رأي العين ثم يعودان ليحدثا زملاءهما عنها وعن حقائق الاحوال فيها سواء بالنسبة الى سكانها الاصليين او بالنسبة الى المستوطنين اليهود. وبالفعل فان الحاخامين سافرا الى فلسطين. لكن ما رأياه كان صدمة لهما. وكانت اول اشارة الى الصدمة برقية تلقاها نوردو منهما وهما بعد في فلسطين يقولان فيها بالرمز: “ان العروس جميلة جداً وهي مستوفية جميع الشروط لكنها متزوجة فعلاً”.

وفهم نوردو الاشارة على ان المقصود بها ان في فلسطين شعباً يسكنها، وانها ليست – كما يقول هيرتزل – “ارضاً بلا شعب لشعب بلا ارض”. وعندما عاد الحاخامان والتقيا ماكس نوردو في فيينا كان تقريرهما الشفوي مؤكداً لمعنى البرقية التي بعثا بها اليه من فلسطين. فقد كانت روايتهما ان هناك شعباً عربياً فلسطينياً يسكن فلسطين من آلاف السنين، ويزرع ارضها ويعتبرها وطنه، وهي كذلك بالفعل. وبالتالي، فان اليهود الراغبين في الذهاب الى فلسطين والاستيطان فيها امامهم معركة قاسية مع اصحابها الاصليين الزوج الشرعي والحي للعروس الجميلة. وكان تقريرهما ايضاً يشير الى خطر يستفحل سببه المستوطنون اليهود الذين هاجروا الى فلسطين. فقد احس كلا الحاخامين بأن تصرفات المستوطنين تحمل ظواهر علل نفسية قد تزيد مع الايام، ومن المحتم ان تزيد. ذلك ان المستوطن اليهودي، لكي يريح ضميره ويستطيع مواصلة حياته في الارض الموعودة، يتحتم عليه انكار وجود “الآخر”، اي الفلسطيني – “بمثل ما يمكن تصوره من رغبة عاشق لزوجة رجل آخر في الخلاص من زوجها الى درجة قتله لكي ينتهي منه جسداً وروحاً وذكرى”.

ان تلك الحالة بدت لهما في الطريقة التي يتصرف بها المستوطن اليهودي ازاء المواطن الفلسطيني، وبحسب وصف الحاخامين فانها: “استعلاء الى درجة الاحتقار والكراهية، وعنف في التصرف ليس له ما يبرره، وافتعال لاسباب ليس لها هدف الا ان تضع مسافة بين الطرفين بحيث لا يستطيع احدهما ان يرى الآخر او ينظر اليه في وجهه”. …….. …….. وجاء هيرتزل الى مصر، وبدا من تصرفاته الاولى انه مستعد لأن يؤجل موقتاً مشروع الهجرة الكثيفة الى فلسطين، وان يكتفي في اللحظة الراهنة بمشروع استيطان كبير في سيناء يرتكز على العريش ويتسع منها. وذهب هيرتزل فزار منطقة العريش والوديان المحيطة بها، والتقى الخديوي عباس حلمي الثاني وتحدث اليه في مشروعه. وكان “مشروع هيرتزل” يهدف الى استئجار مساحة ارض مقدارها ستمائة وثلاثون ميلاً مربعاً حول العريش اعتبرها هيرتزل منطقة تجمع وتركيز ووثوب. وكان اقتراحه ان تستأجرها المنظمة الصهيونية لمدة تسعة وتسعين سنة، وأن تكون في شكل مباشر تحت حماية الحكومة البريطانية وبمقتضى تعهد موقع وموثق. ولا يظهر انه كان لدى الخديوي اعتراض كبير. وربما ان معظم مناقشات هيرتزل معه تركزت حول ما يمكن ان يعود عليه (الخديوي) من ارباح مشروع هيرتزل الزراعي والاستيطاني وكان الذي تصدى لمشروع هيرتزل – ويا للأسف – هو اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر، وكان اعتراضه فنياً في الدرجة الاولى واعتمد فيه على تقديرات المهندسين الانكليز لحجم المياه المطلوب للمشروع من موارد النيل. وكان رأي المهندسين الانكليز انه من الصعب توفير كمية المياه المطلوبة لمشروع هيرتزل لأن ذلك يؤثر على الزراعة في مصر وعلى انتاج المحصول الحيوي لمصانع لانكشاير في انكلترا، وهو القطن المصري. ومن ناحية اخرى، فان كرومر كان في مصر يواجه موقفاً بالغ الدقة بسبب خلافه المستمر مع الخديوي عباس حلمي. كما ان بوادر حرب عالمية تدور بعض معاركها في الشرق الاوسط، لم تكن بعيدة عن هواجسه. وربما كان ظنه ان الظروف الراهنة في مصر والمنطقة المحيطة بها ليست في هذه اللحظة مناسبة لتصرف قد يؤدي الى استفزاز المشاعر الوطنية والدينية.

وكان من اللافت للنظر ان بعض الصحف المصرية، وفي مقدمتها جريدة “المنار” التي كان يترأس تحريرها في ذلك الوقت الشيخ رشيد رضا، تلميذ الامام محمد عبده، راحت تنشر اخباراً وتعليقات تحذّر كلها من مطامع اليهود في فلسطين وخطرها على دار الاسلام. وقد بدأت هذه الاخبار والتعليقات تستثير اهتماماً مبكراً بالخطر. وبدا ان مشروعات هيرتزل تتعثر امام موقف معقد بدأت مقدماته تخيم على اجواء الشرق. ويمكن ملاحظة ان الحركة الصهيونية كلها، وهيرتزل على رأسها في هذه اللحظة، لم تكن تفاوض اصحاب الحق الشرعي وهم شعب فلسطين. لقد حاولت ان تقنع بريطانيا بحق اليهود في فلسطين، وحاولت ان تشتري من السلطان وطناً بأكمله من ممتلكاته، وحاولت ان ترتب لنفسها موطئ قدم في مصر، لكنها لم تكن تتفاوض مع الطرف الآخر الذي يملك الوطن الفلسطيني ويعيش فيه. وكان منطق الانكار ضرورياً، فأي تفاوض مع هذا الآخر معناه الاعتراف بوجوده الشرعي، واذا وقع هذا الاعترف فهو النفي المباشر للدعوى الصهيونية في فلسطين. وفي ما بعد علق الزعيم الصهيوني الشهير ناحوم غولدمان على افكار هيرتزل بقوله: “ان هيرتزل رفض ان ينظر الى كل وجوه قضية الاستيطان اليهودي في فلسطين، وصمم على انها “قضية ارض بلا شعب لشعب بلا ارض” الى درجة انه اعتبر عملية الاستيطان كلها مشكلة توفير وسائط نقل – تحمل اليهود من اوروبا الى فلسطين ما دامت لديهم التأشيرة بذلك من السلطان وتذكرة السفر من انكلترا”.  الحلقة المقبلة: سباق المخابرات الى مواقع السيطرة. (1) تجدد الحديث عن التهجير الى شمال العراق بعد حرب الخليج عام 1991. وكان التهجير ايضاً للاجئين من الفلسطينين الموجودين في بعض اجزاء الارض المحتلة وفي لبنان ايضاً. (2) “احاد هاعام” تعني في العبرية “واحد من الناس”، وكان ذلك اسم القلم لواحد من ابرز الكتاب والمفكرين اليهود واوسعهم نفوذاً في ذلك الوقت، واسمه الحقيقي اشر زفي غينزبرغ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*