مَن يستفيد مِن قوس الأزمات؟

قوس الازمات يستعر من اليمن وايران الى العراق وسوريا وصولا الى غزة. وتركيا بعد أزمة القس جون برانسون وهبوط الليرة التركية الى مستويات قياسية، باتت داخل القوس ولم تعد بمنأى عن التوترات المصاحبة لأي اهتزاز في العلاقات مع الولايات المتحدة.

بفارق أيام ولأسباب مختلفة، أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات على ايران، واستهلت عهد العقوبات على تركيا بمعاقبة وزيرين في حكومتها، وفاجأت روسيا بعقوبات على خلفية اتهامات لموسكو باستخدام سلاح كيميائي لتسميم الجاسوس الروسي المزدوج سيرغي سكريبال وشقيقته يوليا في مدينة سولزبري، وبذلك تبددت آخر خيوط الامل التي انبعثت من قمة هلسنكي بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين.

لنترك كل هذا ونعد الى قوس الازمات في الشرق الاوسط. فمعركة إدلب تقترب من الساعة الصفر بسيناريو مستعاد من شرق حلب الى الغوطة الشرقية وشمال حمص ودرعا والقنيطرة. وعلى رغم الانتشار العسكري التركي في مراقبة “مناطق خفض التصعيد” فإن روسيا لم تعد قادرة على التساهل مع الطائرات المسيرة التي تنطلق من ادلب وأقصى شمال اللاذقية، لاستهداف قاعدتها في حميميم. ودمشق لا يمكنها اعلان النصر في الحرب اذا بقي ريف حماه وشمال اللاذقية وادلب خارج سيطرة الجيش النظامي. وفي اليمن، تشتد الحرب بالوكالة ويدفع اليمنيون من الجانبين أثماناً باهظة، ولا تزال الولايات المتحدة خارج نطاق أي بحث جدي في وقف الحرب، على رغم الحراك الذي يبديه المبعوث الدولي مارتن غريفيث. لكن لا شيء على الارض يشي بامكان التوصل الى اختراق سياسي يوقف نزف الدم. والعراق متروك بلا حكومة مع استفحال أزماته الحياتية المزمنة. ومع اشتداد المواجهة الاميركية – الايرانية، تبدو الساحة العراقية مرشحة لمزيد من التعقيدات، في ظل عدم توافر أي مناخ لبدء ورشة اعادة الاعمار في المناطق التي دمرت في الحرب مع “داعش”. والمعاناة التي يعشها العراقيون واليأس والاحباط ستجعلهم مجدداً يميلون الى التطرف. وفي لبنان الذي تتعثر ولادة حكومته الجديدة مع التهويل بالأخطار الاقتصادية المقبلة، لم يعد على ما يبدو خارج دائرة الانتظارات الاقليمية وما ستسفر عنه المواجهة الاشمل بين أميركا وايران. وفي فلسطين، تعتبر غزة اختباراً يومياً لما تعده اسرائيل من خطوات أحادية للانتهاء من الصراع مع الفلسطينيين بأقل كلفة. ومعادلة تخفيف الحصار مقابل التهدئة الطويلة، هي الاكثر ترجيحاً. أي تحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين مقابل الامن لاسرائيل. وهذه معادلة تسود الضفة الغربية عملياً بينما الحلول النهائية مؤجلة. واذا ما تسنى لجاريد كوشنير صهر ترامب الذي يتولى ملف الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي التخلص من وكالة “الاونروا”، فإن اسرائيل تكون قد قطعت شوطاً آخر في إرساء خطتها القديمة لتوطين الفلسطينيين في الدول التي يقيمون فيها حالياً. وبذلك تكون اكتملت عناصر “الحل” الاسرائيلي. وفي النهاية، هل يمكن الربط بين كل ما يجري في المنطقة وفلسطين، من دون المبالغة في الذهاب بعيداً في اعتناق نظرية المؤامرة عند كل مفترق أو استعصاء على فهم سيرورة الاحداث؟

من الصعوبة بمكان النأي عن نظرية الترابط ما دامت الولايات المتحدة تنظر الى الشرق الاوسط على انه ميدان سياسي واحد، ورقعة شطرنج واحدة!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*