مَن يحكم لبنان؟

يصلح عنوان هذا المقال ليكون عملاً مهنياً “ضارباً”، ريبورتاجياً، تحقيقياً، استقصائياً، توثيقياً، بحثياً، بالأرقام، من أجل أن يكتشف اللبنانيون، كلّ اللبنانيين، حقيقة ديموقراطيتهم الزائفة، وواقعهم السياسي والوطني المخجل.

عشوائياً، وافتراضياً، أزعم ما يأتي: تحكم لبنانَ طوائفه ومذاهبه، لا دستوره. يخطئ، والحال هذه، مَن يتوهّم بأن لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية (إلاّ في النص الدستوري)، وبأن حكومته تحكم اليوم لبنان. بل يحكمه “حزب الله” الشيعي، متلفّعاً بعباءة الوليّ الفقيه الإيراني، جارّاً معه ووراءه رهطاً من الحلفاء الذاتيين والموضوعيين. وكان حَكَمَه الموارنة المسيحيون في ما مضى، متلفّعين بعباءة الانتداب الفرنسي وبسواها، وحَكَمه من بعدهم السنّة، متلفّعين بعباءة ياسر عرفات الفلسطينية. تحكم لبنانَ مصارفه ومراكز المال فيه، وحيتان الاقتصاد، والمتلاعبون بأموال شعبه، ومستثمرو الودائع والمودعِين فيه. ويحكم لبنانَ الممسكون بمفاتيح الفساد في إداراته ومؤسساته الرسمية، ومغتصبو أملاكه العامة. ويحكمه الذين ينظّمون مرور البضائع على حدوده البحرية والبرية، وفي مطاره والمرفأ. ويحكم لبنانَ الذين يرتّبون نهب ضمانه الاجتماعي، وحقوق الاستشفاء فيه، ويشرّعون سرقة كهربائه حكومياً ونيابياً، ويدفّعون الناس ما لا يتحمّلون دفعه من أموال. ويحكم لبنانَ الذين يحوّلون أوتوستراداته وطرقه معرضاً للجثث ولقتلى حوادث السير. ويحكم لبنانَ الذين يروّعون أهله بالرصاص العشوائي، ويغطّون ترويج المخدرات. وتحكم لبنانَ عصابات السرقة على أنواعها ومراتبها، و”تغطياتها”، طلباً للفدية والعمولة والربح السريع. ويحكم لبنانَ الذين يلوّثون بيئته، ويستوردون أدويته الفاسدة، ولحومه الفاسدة، وطحينه الفاسد، ويمنهجون عبورها القانوني السلس والهادئ إلى الأسواق والمطاعم والصيدليات والأفران… والأفواه. ويحكم لبنانَ الذين يحمون الأطباء الفاسدين والمحامين الفاسدين والقضاة الفاسدين والمهندسين الفاسدين وأساتذة الجامعات الفاسدين. ويحكم لبنانَ الذين يضحكون على المغتربين الرومنطيقيين ويغرّرون بهم، والذين يتحالفون مع أصحاب الأموال من هؤلاء المغتربين لتنظيم عمليات الاستثمار والنهب على الغارب. ويحكم لبنانَ الاستعراضيون الفضائحيون المتحكّمون بوسائل التواصل الاجتماعي والافتراضي، والقائمون على شاشاته المرئية والخفية، وتلفزيوناته، وإذاعاته، وصحافته. وبعد، إذا كان ما أزعمه، أو أزعم بعضه صحيحاً – وهذا ما أدعو فوراً إلى “التحقيق” المهني فيه – فهل يحكم لبنان رئيس جمهوريته القوي، وخصوصاً وأيضاً حكومته “الوطنية” الجامعة أكثرية ممثلي الطوائف والمذاهب، أو مجلس نوّابه الممدِّد لنفسه مرّتين اثنتين، ولا بدّ من أن يمدّد لنفسه مرة ثالثة، قبل أن نشهد قانوناً للانتخاب يعيد إنتاج الطبقة نفسها، أو أكثريتها الساحقة؟

هل الدستور – القانون يحكم لبنان، بحكّامه الدستوريين الجمهوريين الديموقراطيين البرلمانيين، أم يحكمه “الحكّام” الذين يختارون “البيادق”، ويديرونها على عينك يا تاجر؟!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*