مَن هي فتحيّة أحمد؟ لماذا فتحيّة أحمد؟… كتابٌ– وردةٌ من بستان المطربة

النهار
14نيسان2017

من الثلاث اللواتي تنافسن، القرن الماضي، على عرش المغنى العربيّ، تتقدّم، اليوم، في معرض الذكر والتعداد، #أمّ_كلثوم وأسمهان وتليهما منيرة المهديّة؛ ولكن ما
يصحّ اليوم لم يصحّ آنذاك. ففي ذلك العهد الذي لم يخلُ، شأن زماننا، من ثورات تكنولوجيّة وسياسيّة كان قصبُ السبق، في مصر، كما في بلاد الشام، مكتوبًا لفتحية أحمد.


فتحيّة أحمد

شاءت الصدف أن يكتشف نجيب الريحاني صوت فتحيّة أحمد وظَرفها، وهي لم تغادر الطفولة بعد، فتبنّاها، ورعاها، قبل أن تنافس على خطب وُدّها كبار مُلحّني عصر الطرب الذهبي. بعد سنوات من التألّق الذي يعود الفضلُ فيه إلى كبار من قبيل زكريّا أحمد وأبو العلا محمّد وأحمد صبري النجريدي ورياض السنباطي، وإلى شركات الأسطوانات الوليدة المتنافسة، وإلى الإذاعة الوطنيّة الناشئة، انسحبت فتحيّة أحمد من عالم الأضواء مُعتكفةً في بيتها مريضةً صابرةً على تقلّبات الدهر إلى أن وافتها المنيّةُ وحيدةً منسيّةً سنة 1975 وهي السنةُ التي شاءت الصُدف، أيضًا أن تشهد وفاة صديقتها اللدود، كوكب الشرق، أمّ كلثوم!

يصدر لدى “دار الجديد” كتاب “فتحيّة أحمد، مطربة القطرين”، لمحب جميل، وهو أوّل مؤلّف يُحيط بفتحيّة أحمد سيرةً وفنًّا، ويقيننا أنّه لن يكون الأخير.

محبّ جميل، شاعر وصحافيّ وباحث في الشأن الموسيقيّ من مواليد طنطا عاصمة محافظة الغربيّة. تعلّق بصوت فتحيّة أحمد فذهب يقصّ أثرها في ما حفظته لنا الذاكرة المكتوبة والمسموعة من أخبارها فكان هذا الكتاب. له مساهمات في الأدب والموسيقى وتاريخ الفنّ، منشورة في عدد من الصحف والدوريات، علاوة على ديوان عنوانه ” ترميمٌ لوجوه محفورة” عن “دار النسيم للنشر والتوزيع”، القاهرة، 2014.

يرى محب جميل أنّ السؤال الأول الذي سيتبادر إلى ذهن القارئ هو: لـماذا فتحية أحمد؟ يقول: “لأنّـني لا أملك إجابة قاطعة عن هذا السؤال فإنني سأحاول التفسير. لقد مثّل لـي صوت فتحيّة أحمد محطة أساسيّة في حياتي لا يمكن أن أتجاوزها، فمنذ أن سمعتـها للـمّرة الأولى شعرت أن هناك شيئًا مـميزًا في تلك النبرة يـجعلها متفرّدة عن باقي الأصوات النسائية مع بدايات القرن العشرين. وعندها رحت أفتش عن كلّ ما يتعلق بـهذه الـمطربة التي بدأت حياتـها الفنية طفلة صغيرة على مسرحَي نجيب الريـحاني وعلي الكسّار، ثم رحلت إلى سوريا سنوات عدّة، وعادت إلى مصر بمرافقة تخت عازفين. بعدها قامت بتسجيل مجموعة من الأسطوانات التجارية قبل أن تلتحق بالإذاعة الـمصرية اللاسلكية، وتدخل عالـم السينما لاحقًا”.

يكشف محب جميل أنه عندما شرع في جمع مادة هذا الكتاب “أدهشتني الـمعلومات الـمكتوبة، التي تفتقر إلى الدّقة. فبات من الـمألوف أن تجد معلومة مكتوبة في مصدر ما تنافيها معلومة مكتوبة في مصدر آخر، حتى في تلك التي عاصرت حياة فتحيّة. من هنا توجّهت إلى إعمال الـمنطق في العديد من الـمعلومات الـمتاحة قدر الإمكان، ومطابقتـها مع السياقين الزمنيّ والـمكانـيّ اللذين عاشت فيهما مطربتنا الكبيرة. ولعلّ أبرز ما يتعلّق بتضارب الـمعلومات هما تاريخا الـميلاد والوفاة إلى جانب النشأة الأولى، والدخول الـمباشر إلى عالـم الـمسرح والغناء”.

يشير الكاتب إلى “مشكلة كبيرة تتعلّق بالأرشفة الدقيقة، والاحتفاظ بالحدّ الأدنى من الـمعلومات عن الشخصيات العامّة بصورة رسمية. وقد عانيت طويلًا في جمع الـمادة البحثية في الكتاب نظرًا لندرة الـمعلومات الـمتوافرة عن فتحيّة أحمد؛ حيث بات من الواضح أنـها كانت شخصية قلـيلة الأحاديث في الصحف والـمجلات الفنية وكذلك الإذاعية. وعندها رحت أنقّب في كلّ ما يتعلق بـها من أخبار، ومقالات، وحوارات في الصحافة الـمصرية بداية من عام 1918 حتى عام 1975 إلى جانب الاستماع إلى جميع ما أُتيـح لي من تسجيلات تجارية أو إذاعية في محاولة لرسم خطّ بيانـيّ واضح لصوتـها، ومسيرتـها الغنائية”.

في بحثه عن المصادر والمراجع والوثائق والمعطيات “حاولت أكثر من مرة الوصول إلى جيـرانـها أو أقربائها، لكنّ محاولاتـي لم تفلح فآثرت البحث بنفسي عن حياتـها الشخصية، فوصلت إلى عدد كبير من الصور الشخصيّة التي تجمعها بشخصيات فنيّة وأدبية خلال حياتـها ضممتها إلى الكتاب. كانت هذه الخطوة من الصعوبة بمكان نظرًا لعدم احتفاظ معظم الـمؤسسات الرسميّة والصحافيّة بألبوم مصوّر وافٍ يخصّ الفنانين والفنانات الكبار. ولاحظت أيضًا أنّ حياة السيدة فتحيّة تشغلها مساحة واسعة من الغموض، ولا أعرف السبب تحديدًا، فإمّا أن يكون السبب شخصيًّا رغبة منـها في الحفاظ على حياتـها الخاصة، أو يكون الأمر تسويقيًّا نتيـجة لعدم قدرتـها على التواصل مع الصحافة، تاركة لب الأمر لأعمالها للتحدث عنـها”.

الكتاب يحاول “قدر الإمكان الارتكاز على دعائم موثّـقة أو مكتوبة تتطابق مع السياقين الزمني والـمكاني لسيرتـها. ويتصدّى لحياة فتحية أحمد الفنية بما لها وما علـيها، فلـيس الهدف هنا تسلـيط الضوء على حياتـها الشخصية بقدر ما هو الإحاطة بحياتـها الفنية التي امتدت إلى ما يقرب من نصف قرن. وخلال رحلة البحث عن شخصية فتحية قرأت العديد من الـمقالات والحكايات عن رحلاتـها في أرجاء العالـم العربي، وتنقّلها السنويّ إلى بلاد الشام، حتّى باتت تُلقّب بمطربة القطرين (مصر والشام). وقد اعتمدت على نحو أساسيٍّ في تدوين سطور حياتـها الأولى على الحوارات الصحافية التي أدلت بـها. ولا شك أن فتحيّة أحمد امتلكت صوتًا جهوَريًّا واسع الـمساحة، وباتت من أعلى الـمطربات قدرة على أداء اللـيالـي والـمواويل حتى باتت تعرف بملكة الـموال”.

ماذا عن علاقتها بالوسط الفني؟ يقول المؤلف: “لـم يتّضح لـي في بحثي سوى النزر القلـيل، لكنّ هذه الـمعلومات البسيطة على قلّتـها إنما تـقدّم صورة صافية عن مطربة كانت تكنّ كل الـمودّة والتقدير لأصدقاء وصديقات الوسط الفني. وقد شاءت ظروف عديدة، منـها زيجاتها الـمتكرّرة، وانقطاعها عن الحياة الفنية من أجل الاهتمام بمنزلها وأولادها، إلى جانب السفر الـمتكرّر لفترات طويلة قد تستغرق سنوات. ولـمّا أدركت أن اللحظة الحالـية تستوجب كتابة سيرة موثّـقة شافية عن حياتـها كان لا بد من الرجوع إلى جرد كلّ ما أُتيـح لها من تسجيلات تجارية (ميشيان ــــ أوديون ــــ كولومبيا) والتسجيلات الإذاعية. مع العلـم أن هناك مجموعة من الأعمال الـمسجلة جرت الإشارة إلـيها في نـهاية الكتاب استُخرجت من القوائم الفنّية والفهارس الخاصة بشعراء الأغاني والـملحّنين. وفي النـهاية أودّ التنويه إلى أن هذا الكتاب وردة من بستان الـمطربة فتحيّة أحمد، فلـيقطف كلّ منكم لونـه الـمفضّل”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*