ميلاد المسيح في 7 ك2: فرحة الأقباط الأرثوذكس و”الجلوس في السّماء”

هالة حمصي
 المصدر: النهار
06012018

كنيسة العذراء مريم ومار مرقس للاقباط الارثوذكس في جسر الباشا (النهار).

يسهر الاقباط الارثوذكس اليوم آخر ليلة مع السيدة العذراء، منشدين لها المدائح، ليحتفلوا بعد ساعات قليلة بميلاد المسيح. العيد في الكنيسة القبطية الارثوذكسية يصادف في 7 ك2، او 29 كيهك. ويبدأ الاحتفال به مساء السبت 6 ك2. المدعوون عشرات الآلاف، ملايين، والقداس يستغرق 4 ساعات، وقد يمتد الى 9 ساعات… حتى فجر الاحد 7 ك2، يوم العيد. ولا مانع في ذلك لدى الشعب القبطي الارثوذكسي، “لانه يعتبر ان الجلوس في الكنيسة كالجلوس في السماء، وان هذه اللحظات سماوية”، على قول رئيس الكنيسة القبطية الارثوذكسية في لبنان الاب رويس الاورشليمي لـ”النهار”.

تلك “اللحظات السماوية” يعيشها ملايين الاقباط الارثوذكس، بدءا من مصر، مرورا بلبنان والقدس والكويت، وصولا الى الولايات المتحدة وكندا واوستراليا. ميلاد المسيح ليس فرحة للمؤمنين فحسب، انما ايضا “شهادة” يقدمونها، على غرار ما فعله الاجداد قبلهم منذ القرن الاول الميلادي. “نحن كنيسة شهداء”، على قول الاورشليمي، و”نحن مدعوون الى اعلان ايماننا”. وحتى “لو ذُبح منَّا، نحن ذبائح لربنا”.

“الأوّل” 

في التقليد الكنسي، القديس مرقس الانجيلي هو مؤسس كنيسة الاسكندرية في منتصف القرن الاول الميلادي. “وفقا للمؤرخ يوابيوس القيصري (القرن الرابع)، كان مرقس الانجيلي اول من نظم الحياة الكنسية في الاسكندرية، على الارجح في الاربعينات من القرن الاول، واستشهد فيها. ويعتبره الاقباط اول بطريرك عليهم”(*).

وبقيت كنيسة جامعة واحدة في مصر، مقرّ رئيسها في الاسكندرية، حتى العام 451، تاريخ انعقاد مجمع خلقيدونيا الذي انقسم حوله المسيحيون في مصر. فالتف العدد الاكبر منهم حول البطريرك القبطي، ديوسقورس يومذاك، في رفض قرارات المجمع والقول بطبيعة واحدة للمسيح، بما شكّل الكنيسة القبطية، بينما تبع آخرون الكنيسة اليونانية البيزنطية التي قبلت قرارت المجمع.

شموع مضاءة امام ايقونة في الكنيسة (رويترز).

 في التوصيف، الكنيسة القبطية “رسولية”، من الكنائس الارثوذكسية الشرقية. تراثها قديم جدا، ولها ترتيبها وتقويمها وليتورجيتها واعيادها الخاصة. واذا كانت تحتفل بميلاد المسيح في 7 ك2 او 29 كيهك، وليس في 25 ك1 على غرار كنائس كاثوليكية وارثوذكسية اخرى، فلانها تعتمد التقويم القبطي منذ قرون طويلة.

التقويم يبدأ العام 284م، سنة بدء حكم الامبراطور الروماني ديوكلثيانوس، وذلك تذكارا لاضطهاد المسيحيين وقتلهم في عهده، عهد “عصر الشهداء”، على ما يسمى. وكيهك احد الشهور الـ13 في التقويم. “نسمي شهر كيهك السابق لعيد الميلاد الشهر المريمي. ونكرر فيه الحانا خاصة وصلوات ومدائح تمجد العذراء والدة الإله، استعدادا لميلاد المسيح”، على ما يفيد الاورشليمي.

سهر في كيهك 

انطلاقا من حرص الكنيسة القبطية على “تقدير تعب العذراء مريم” في حملها الطفل الالهي، “نسهر معها يوميا حتى الصباح في مصر، ونقيم لها تسبيح شهر كيهك”. وفي لبنان، سهر معها ايضا الاقباط “من الساعة 6,00 مساء حتى 12,00 منتصف الليل”. صباح 6 ك2، اليوم السابق للعيد، تستعد الكنيسة في لبنان للميلاد بصلاة البرمون. وتحتفل بقداس الميلاد الساعة 7,00 مساء، و”يستمر حتى 11,00 ليلا”، وفقا للاورشليمي.

الاب الاورشليمي (رويترز).

واذا كان القداس يستغرق 4 ساعات في لبنان، فانه يستمر حتى 3,00 فجرا في كنائس القدس، على سبيل المثال، وفقا للاورشليمي. 4 ساعات، 9 ساعات… بالنسبة الى الاقباط، “تمضية كل هذا الوقت في الكنيسة ليست بشيء، لاننا اعتدنا الجلوس فيها، ونعتبره جلوسا في السماء. فطبيعي الا يملّ المرء في السماء. اعتاد الشعب القبطي السهر في الكنيسة حتى الصباح، ويعتبره لحظات سماوية”، على قوله.

يوم العيد في 7 ك2، او 29 كيهك في التقويم القبطي. وخلاله يتبادل الاقباط التهاني والمعايدات والزيارات. في الماضي البعيد، كان 29 كيهك يتزامن مع 25 ك1، التاريخ الذي اعتمدته كنائس اخرى للاحتفال بالميلاد، “وذلك ايام اعتماد التقويم اليولياني”، على ما يشرح الاورشليمي. وبقي هذا التوافق ساريا، “الى حين اعتماد التقويم الغريغوري (1582)”، فحصل هذا الفرق. “لكن لا خلافات لاهوتية بهذا الشأن، انما مجرد تقاويم. ونأمل في ان يتوصل المسيحيون الى توحيد تاريخ العيد، خصوصا ان العائلات المسيحية اصبحت مختلطة، بحكم ان افرادها من مختلف الكنائس”.

“حتى لو ذُبح منا…”

الميلاد هو احد اعياد المسيح الكبرى الـ7 لدى الكنيسة القبطية، و”دلالاته كثيرة”، على قول الاورشليمي. “المسيح ولد في مذود، لانه الحمل. وبالتالي علينا ان نكون كالحملان، ومثل المذود. لقد دعي ايضا المسيح الراعي الصالح، راعي الخراف. ونحن الخراف التي يرعاها. هو حمل الله، على ما قال يوحنا المعمدان، الحمل الذي يحمل خطايا العالم، والراعي. الحمل لانه الذبيحة، والراعي لانه هو راعي الخراف. ونحن خرافه التي تعرف صوته. وفي الميلاد، نتعلم صوته، صوت المحبة والتسامح والتواضع والاقتناع الذي هو كنز لا يفنى، اي ان نقتنع باننا حملان. وحتى لو ذُبِح منا، نحن ذبائح لربنا”.

الاحتفال بالقداس (رويترز).

 هذا هو الموقف القبطي من البداية، خصوصا في زمن الاضطهادات والقتل، لانه “موقف ايماني”، على قوله. “اذا كنا حملان على غرار حملنا الذي حمل خطايانا، فيجب ان نُذبَح. واذا ذُبِحنا من اجل الله، فذلك افضل من ان نَقتُل. ليس مبدأنا ان نقتل. نفضل ان نكون هابيل، وليس قايين. يسوع المسيح وصف دم هابيل بالزكي. ودماء الاقباط الذين يُقتَلون بسبب دينهم، زكية. والمسيح يستقبل الشهداء ويمسح كل دمعة من عيونهم. وحتى اهاليهم مثال للمسيحية، ويكونون متسامحين، وحتى سعداء في الضيقات”.

“ايجيبتوس” 

رسولية، وطنية، قومية. “الكنيسة القبطية من الكنائس الخمس الاولى”، على ما تقول. ويشهد لها التاريخ ان قانون الايمان، قانون مجمع نيقية (325) الذي تقرّه كل الكنائس، كتبه احد ابنائها الكبار: القديس اثناسيوس “الرسولي”، “بطريرك الكنيسة القبطية”. مصر، منذ ايام الاقباط، عاشت عصر الخلفاء العباسيين، والفاطميين والايوبيين، ثم العثمانيين الاتراك، وايضا حملة الملك نابوليون، وعهد محمد علي باشا، والانتداب البريطاني…

وفي كل ذلك، صمدت الكنيسة القبطية، رغم الاضطهادات والحروب والاخطار، ونمت وانتشرت وحافظت على التراث والايمان، وايضا التسمية. في التعبير، تشتق كلمة “قبطي” من الكلمة اليونانية “ايجيبتوس”، ومن الكلمة العربية “قبط”. وقد استُخِدمت للدلالة على مسيحيي مصر، وحُصِرت فيهم، لا سيما منذ وقوع مصر تحت حكم العرب المسلمين، بحيث باتت التسمية التي ترمز اليهم وتميزهم. “هذه التسمية تفرحنا، لانها ترمز الى تراث اجدادنا”، على قول الاورشليمي. ويتدارك: “نحن كنيسة شهداء، والمسيحية بنيت على الجهاد الروحي. والجهاد الروحي يكون ضد الشر. واذا كان لا بد من ان نعلن ايماننا، نعلنه، والا كيف نظهر اعمالنا الحسنة ومسيحنا؟ نحن مدعوون الى ذلك”.

في مصر، تُقدَّر اعداد الاقباط الارثوذكس بـ”18 مليونا”، وفقا لما يفيد. لهم “عدد كبير من الكنائس”، “اكثر من 50 ديرا حاليا، في مقابل نحو 3,636 في القرن الثالث عشر”، “130 اسقفا”، “آلاف عدة من الرهبان”، الى جانب 12 ديرا للراهبات، وعدد “غير معدود” من كهنة الابرشيات. ويضاف الى كل هذا انتشار واسع في كل ارجاء العالم. على سبيل المثال، يصل عدد الكنائس القبطية الارثوذكسية في الولايات المتحدة الى 100…

وفي لبنان، هناك نحو “الفي قبطي ارثوذكسي يحملون الجنسية اللبنانية، اضافة الى بين 4 آلاف و5 آلاف من الوافدين”. كاهن واحد يرعاهم هو الاب الاورشليمي. ولديهم، الى جانب كنيسة العذراء مريم ومار مرقس في جسر الباشا- مقر الكنيسة القبطية في لبنان منذ العام 1970- كنيسة اخرى في زغرتا تحمل الاسم نفسه، ودير قيد الانشاء في البربارة يحمل اسم القديس انطونيوس.

شمل الاقباط يلتئم مساء السبت 6 ك2 في لبنان. وتمنيات الاورشليمي لهم في العيد ايمان كبير “بان السلام سيعم الارض، لان المسيح هو اله السلام. ورغم كل الحروب وما يفعله ابليس، فانه لن يتمكن من نزع السلام، طالما ملك السلام موجود. يكفي ان يمنحنا السلام الداخلي ليملأ قلوبنا. حتى الانسان الذي هو متجه الى الاستشهاد اقوى من مضطهده، لانه ممتلىء من السلام الداخلي. نحن ابناء الرجاء، وامنيتنا ان يعم السلام الارض”.

ولقاتلي الاقباط في مصر، رسالة ايضا: “يريد الله ان يخلص الجميع وان يقبلوا الى معرفة الحق. وهو يطيل اناته من اجل توبتهم. نتمنى ان يعود قاتلو الاقباط والمسيحيين ويفكروا في افعالهم، وفي تلك اللحظة التي سيقابلون فيها خالقهم وهم قتلة، مثل قايين”.

(*) الكنائس الارثوذكسية الشرقية، كريستين شايو، تعاونية النور الارثوذكسية.

hala.homsi@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*