ميشال شيحا والقضية الفلسطينية


ميشال شيحا.

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه جورج ناصيف في “النهار” بتاريخ 14 كانون الثاني 1995، حمل عنوان “ميشال شيحا والقضية الفلسطينية”.

العائلة عائلة وجاهة جاءت من سوريا، مع مطلع القرن الماضي. مسقط الرأس في بمكّين من اعمال عاليه، قضاء الاختلاط الدرزي -المسيحي. المذهب مغرق في الهامشية: سريان كاثوليك. الوالد يؤسس اكبر مصرف في زمانه. اما هو فتلميذ اليسوعية، زار اوروبا في مستهل حياته، ثم عرف القاهرة طافرا اليها، ابان الحكم العثماني، كما رهط من مسيحيي هذه الديار. وفيها عرف يوسف السودا وقوميته اللبنانية. عندما تكون تلك هي عناصر التأسيس، لا يعود مستغربا ان يغدو صاحبها ايديولوجي الكيان اللبناني بامتياز. الجامع بين حساسية مسيحية حادة ودراية بشؤون دار الاسلام، وحاسة مالية تقوده شطر غرب وشرق يستوي بينهما لبنان جسرا وجالب خيرات. في سيرة (1) ميشال شيحا، المولود العام 1891 والمتوفى العام 1954، نستدعي محطات: 1- منذ بداياته، تمرّس بمسائل المال، مديرا لبنك والده المسمى “فرعون وشيحا”، فاندفع الى ليبرالية اقتصادية ومالية بلا ضفاف، قرنها بحرية سياسية جعلها اسما آخر للبنان وشرطا لديمومته. 2- اتى السياسة من اكثر ابوابها التصاقا بتركيبة البلد وتوازناته واملاءاته: المقعد النيابي، فقد فاز به نائبا عن الاقليات العام 1925 ضد ايوب ثابت الذي بات رئيسا للجمهورية في عهد الانتداب. واتاها، بسبب من موقعه المالي – الحقوقي، من باب وضع الدستور اللبناني العام 1926، حيث كان عضو لجنة الصياغة، ومهندس التعديلات التي ادخلت على النص الفرنسي الاصلي. 3- وككثيرين من سياسيي ومثقفي عصره، اتجه نحو الانسلاخ عن الانتداب، مشاركا على نحو بارز في تأسيس حزب الاتحاد الدستوري، وقد صاهره الشيخ بشارة الخوري، وفي تأسيس صحيفة “اللوجور” التي باتت لسان معارضي الانتداب. ولعل دستوريته التي تتلمذ عليه فيها الرئيسان كميل شمعون وشارل حلو وفيليب تقلا، كانت العلامة الاكثر تكثيفاً لفكره السياسي، سواء في ما يختص بالصيغة وشروط التعايش بين الطوائف، او في مسألة العلاقة بالمحيط العربي. من ذلك، صاغ شيحا تصورا للبنان، هو الذي سيحكم مقاربته للمسألة الفلسطينية على نحو صارم. يبتدئ بالتفسير، لدى شيحا، من “درس في الجغرافيا والتاريخ” (2). ففي الجغرافيا، “ان لبنان مفترق طرق، ساحة عامة” (3) وهو”ملتقى حضارات، رأس جسر، ملتقى قارات، سوق عام، بلد تجارة وخدمات” (4). اما كيف تستولد الجغرافيا التاريخ، فعلى هذا الوجه : “فبسبب موقعنا، ولاننا بلد جبال ومناخاتنا ملائمة، ولان لنا واجهة فسيحة على البحر العريض، كنا مأوى للمضطهدين وملجأ للمنبوذين، ولأن ارضنا صغيرة وجبالنا ليس بامكانها ان تؤوي الملايين من البشر وتطعمهم، كانت تنطرح علينا مسألة الهجرة، كلما فاض بلدنا بسكانه” (5). ولان لبنان بلد ملجأ، وبلد هجرة، بلد جبال وسهول ومناخات متنوعة، فقد وجدت فيه “كل اشكال الجنس البشري والعمل البشري. التعارضات الاشد حدة والعقليات الاكثر تنوعا والتقاليد الاكثر تباينا والوجود الاقل تجانسا. انه عالم مصغر” (6). وفي شؤون، العلاقة بالجوار، “قضي علينا، كما في السابق، ان نعيش في خطر” (7). وفي شؤون الاقتصاد، يترتب ان لبنان “رأس جسر نموذجي” (8) بين الداخل العربي والغرب. وفي التركيبة الداخلية، يترتب”ان التوازن اللبناني القائم على قاعدة طائفية ليس توازنا اعتباطيا. فمبدأ وجود لبنان هو، بالضبط، في التوازن الطائفي الذي يميزه والذي يتمظهر قبل كل شيء على صعيد السلطة التشريعية” (9). ولبنان هو “الى وقت طويل، بلد التسوية الطائفية. يجب اذن الا نطلب منه ان يعاكس طبيعة الاشياء، اذ من الافضل له ان يعيش اعرج من ان يحطم اضلاعه” (10). وفي الثقافة، يغدو من طبيعة الجسر الواصل بين عالمين، الالحاح “على التعددية اللغوية”، باعتبارها “شرطا ملازما لفاعلية البلاد” (11). أتياً من هذا الفهم بالذات للتجربة اللبنانية، بعناصر انشائها ومواصفاتها وشروط دوامها، قرأ شيحا الملف الفلسطيني، في علاقته بهذه التجربة تخصيصا، فما كان يعنيه من المسألة، اساسا، كيفية انعكاسها على لبنان، ارضا وبشرا ودورا وتركيبة ومالا، وهو ابن خمس سنوات استقلالية. وهنا، بالضبط، كان شيحا مذعورا. مذعورا على البلد الصغير، على التجربة اللينة، على صيغة الميثاق التي الفّت بين متضادات، وتحتاج الى هدأة في الداخل والجوار، حتى تنمو في الصلابة. واذا شئنا قدرا من التنميط، قلنا ان شيحا تخوف على ثلاث: اولا: تخوّف على الارض. فالصهيونية، عنده، “حلم سيطرة وقوة ذو ابعاد عالمية” (12). اما الدولة اليهودية، فقد “انوجدت للتوسع باستمرار (13). وبداهة ان توسعها يطاول الجيران اولا، “لذا فكل لبناني، ككل سوري عليه ان يتذكر اننا الجيران المباشرون لهذا الطموح، لهذه القوة، وان المشروع اليهودي لا يمكن ان يعرف تطوره المرجو الا بالمرور على اجسادنا” (14). وفي مكان آخر، يبدو اكثر تخصيصا، “اما نحن اللبنانيين، فعلينا ان نتذكر ان هذه القوة تولد على حدودنا، واننا بلد صغير، واننا يمكن ان نكون ارض ميعاد لليهود، بضغطهم علينا من الجنوب، وبهجرتهم التي لا تحصى” (15). ثانيا: تخوف على وظيفة لبنان، كبلد مال ووساطة ووصل ووكالة بين الغرب والعرب، خصوصا لجهة ضآلة قدراته بالقياس الى اسرائيل التي هي، بتوصيف شيحا، “القوة المالية الاولى في العالم” (16) ثم انه “لا توازي موهبة اليهود السياسية سوى موهبتهم المالية” (17). وحين يجتمع البأسان، بأس المال وبأس السلاح، يصبح الامر مدعاة رعب خصوصا لدى ناطق باسم بورجوازية مالية وخدماتية شديدة الحساسية الامر الذي يدفع شيحا الى التصريح: “ليس سهلا لبلد صغير ان يشعر بثقل هذا الخطر على حدوده. ان وزن اسرائيل، هذا الذي يقاس بالنقد والقوة، يبدو ثقيلا ومليئا بالمخاطر على امم ليس لها في جميع الفروع سوى موارد محدودة” (18). ويبدو شيحا رؤيوياً، العام 1948، حين يبصر الحدود التي يمكن ان يبلغها الخطر الاسرائيلي، ومستقره الاخير، في نص نراه الاكثر تكثيفا لهذا الجانب: “نحن لا نرى كيف يمكن لدولة اسرائيل، وقد استحالت على حدودنا مرفأ يجتذب يهود العالم كلهم، ان تترك الدول العربية، ولبنان بالدرجة الاولى، تعيش وتزدهر بسلام. انها لمخاطرة كبرى، تلك التي تتطور ضد جيراننا، وضدنا نحن بالذات، مشروع وقح وجريء من السيطرة الاقتصادية والمالية والصناعية والتجارية لا يمكن ان ينتهي الا بانتهاكات ارضية وسياسية، وبارتهان له فوق كاهلنا عبء اثقل نير واخيرا بعبودية” (19). ثالثا: تخوّف على الصيغة اللبنانية من اختلالات تطاولها، انطلاقا من معرفة بطبيعة التوازنات البشرية التي تنهض عليها، والمعادلات الطائفية التي تؤسسها، والتيارات الايديولوجية التي تفعل وسط الكتلتين الطائفيتين الكبيرتين الطالعتين من خيارين متعارضين قبل ان تلتقيا على تسوية الميثاق، لقاء لا يطرح الحذر ولا يلغي الارتياب. ويذهب هذا التخوف صوب اتجاهين: أ – تخوف من اندلاع موج التعصب الطائفي في بلد يحتاج ترقيدا للتعصب، ونموا لنوازع الاعتدال والانفتاح واقتبال الغير والانعتاق من المسبقات. ولأن”المغامرة اليهودية” هي في عرف شيحا “عنصرية قائمة على دين” (20) ولانها نقيض المحاولة اللبنانية المؤسسة على التعددية الطائفية والرحابة، فقد سجل هذه الرؤيا الكارثية في نبرة تستعير نبرات انبياء العهد القديم: “وفي نهاية هذا المشروع، نحن لا نرى غير يقظة واحتدام مخيف للتعصب. وفي بلدان عديدة، كثيرا من الخراب والدم والدموع” (21). ب- تخوف من الكثافة الفلسطينية التي وفدت البلاد بعد قيام الكيان، وما ستتسبب به من كسر للتوازن الديموغرافي وتبديل في المناخ الاجتماعي. فمنذ البدايات لم يكتم شيحا توتره من هذا الكم الفلسطيني الوافد، ونفوره الطبقي من سواده الاعظم، وانزعاجه الشديد من سلوك بعضه. بل لعله كان اول من اشتق لفظ “تجاوزات” لوصف المسلك الخارج على السويّة المقبولة لبعض الفلسطينيين، حين كتب: “بين اسرائيل وبيننا، لا وجود لحائط طبيعي ولا لعائق. ان المئة والعشرين او المئة والثلاثين الفا من اللاجئين الفلسطينيين على ارضنا يشكلون من جهة اخرى اثقل عبء على اقتصادنا وعلى حياتنا الاجتماعية. والجرائم او التجاوزات التي يرتكبها مثلا لاجئون فلسطينيون لم تعد تحصى. لقد كنا دائما من اكثر شعوب الارض حفاوة وضيافة ولكن للامكانيات حدودا… بامكاننا ان نرسل وفودا عدة الى كل الجهات وان نحصل قوة ميزانية كبرى لتأمين حضورنا في جميع مظاهرات الحياة الدولية. لكن هذا لن يجعلنا نتقدم خطوة واحدة اذا لم تجد المشكلات الفلسطينية حلا لها. فما نبحث عنه الآن ليس المجد ، بل الخلاص” (22). ولكن من اين يأتي الخلاص، لدى شيحا؟ يتأسس موقف شيحا على الاقرار بالوجود الاسرائيلي، كأمر واقع، لا سبيل الى رده. فاذا كان قد التزم رفضا صريحا قبل قيام الكيان، فهو بعد القيام، وعلى ما لاحظه مهدي عامل (23) انتقل الى تطارح كيفية التعامل مع الامر الواقع، باعتباره بات مقضيا، نازعا في بعض الاحيان الى ان يرى في قيام اسرائيل “شكلا مفاجئا من غضب الله وعقابه” (24). اذا كان الامر كذلك، فاين وجد شيحا الحلول؟ في تدويل القدس، اولا، وفي تقديم “ضمانة دولية تعاقدية للحدود العربية – الاسرائيلية” (25) ثانيا، وفي “ان يعود اللاجئون الى بلدانهم، او ان يجدوا لهم ملجأ خارج البلدان المكتظة بالسكان (26) ثالثا. والاقتراحات الثلاثة، على ما تعلن عن نفسها، تطلع من هواجس بعضها لبنانية تتصل بالتخفف من الكتلة الشعبية الفلسطينية التي تورث الخلل، وبعضها مسيحية تتطلع الى القدس كمدينة ذات طعم ديني خاص، وبعضها دفاعية عربية تسكنها الرغبة في الحيلولة دون المزيد من التوسع الاسرائيلي، عبر رسم حدود تعاقدية بضمانة دولية. حتى الآن، كنا نعمد الى قراءة تفكيكية نصوصية للجانب الفلسطيني في نتاج شيحا. يبقى ان نعيد جمع الرجل، في محاولة اولية للتفسير. ان من يظن انه واجد لدى ميشال شيحا داعية تحرر او تحرير لفلسطين، لن يجد سوى اوهامه. ومن يظن ان منظّر الكيان اللبناني ذو حساسية خاصة حيال الوجع الفلسطيني الكبير، لن يلقى ما يؤكد ظنه. ومن يود ان يحاسب شيحا بمقاييس الانتماء القومي واملاءاته، لن يكون به رحيما. لكن “الحبر الجليل” والوصف لاحد المفوضين الساميين الفرنسيين، وكان كارها له، لا يقارب من هذه الابواب، وليست تلك ادوات قراءته. فشيحا، قطعا، ابن مسيحية اقلوية هانئة في عيشها، وترى الى المحيط العربي بعين المصلحة الباردة، وطلبا لانتفاع راهن وآت. وليس كمثل دستوريته ما يكشف نوع العروبة التي يقول بها، وقال بها نسيبه القريب الشيخ بشارة الخوري. وشيحا منصرف، حصرا، الى التجربة اللبنانية، حماية لها من العواصف وهي بعد فتية. فما يعنيه من مسألة فلسطين الا يتهدد لبنان، والا تذهب الريح بالانظمة العربية ذات الاعتدال. وهو، الى هذا، ذو خوف من اليشوعية التي يراها الخطر، ويرى ان الغرب الذي اقام اسرائيل اتى خطأ كبيرا، حيث ان تهديد الانظمة العربية الصديقة للغرب باعث لوفود الشيوعية وتربة للتطرف. لكن شيحا، وهنا يعثر عليه، يتحدّر من مدرسة مسيحية اسسها نجيب عازوري تجهر بعدائها للصهيونية، وتندفع تبيانا لاخطارها، باسم نزعة انسانية رحبة، كما باسم انتماء الى عالم التقدم، فيما الصهيونية ردة الى العرق والدين. ففي حين خاطب المشروع الصهيوني بعضا من الوجوه السياسية والدينية والثقافية المسيحية، عهد الانتداب، فدعت الى تآزر مسيحي – يهودي يواجه الاكثرية الاسلامية، ذهب شيحا في الاتجاه النقيض، حين ابصر السم في المشروع، يتهدد المسيحية والمسيحيين بداية، فالكيان وصيغته ثانيا، فبلاد العرب ثالثا. لقد انتصرت فيه العقلنة على السعار الطائفي، انتصر التاجر على الاقلوي، انتصر ميراث التعايش على دعاوى القطيعة والانحباس، انتصر الجسر على الفجوة. في مسألة الصهيونية، كما في سواها، كان شيحا صاحب قول تأسيسي وصاحب لغة سيحكيها بعده تلامذة ومريدون كثر، اشدهم التصاقا بالمعلم الاول، شارل حلو، فيليب تقلا، رينه حبشي، كمال يوسف الحاج، ميشال اسمر وخليل رامز سركيس. يبقى قول على سبيل الختام: ان ميشال شيحا راهن جدا. ففي مسألة شهوة التوسع لدى اسرائيل، يبقى راهنا. وفي مسألة الخطر الذي تشكله على مسيحيي لبنان وكيانه، يبقى راهنا. وفي مسألة ان خلاص فلسطين خلاص للبنان، واستعادة لعافيته، يبقى راهنا. ونسأل بخبث ظاهر: … هل سيبقى كثيرون من ايديولوجيي اليوم راهنين بعد اربعين عاما، هي المسافة التي تفصلنا عن غياب البورجوازي اللبناني الحقيقي الاول،
ميشال شيحا؟

جورج ناصيف 1- من اجل التعرف على سيرة موسعة، يمكن العودة الى: سليمان تقي الدين، المسألة الطائفية في لبنان، دار ابن خلدون، بلا تاريخ، ص 17 – 24. 2-
Michel Chiha, propos d’Economie Libanaise ed. du Trident, Publications de la Fondation Michel Chiha, Beyrouth, 1965, p10.
3- Chiha, Liban d’Aujourd’hui (1942), ed. du Trident, publications de la fondation Michel Chiha, Beyrouth, 1961, p . 61.
4- شيحا، لبنان في شخصيته وحضوره، بالانكليزية، ص 163. 5- Chiha, Liban d’Aujourd’hui, p. 10.
6- Chiha, politique interieure, ed. du Trident, publications de la Fondation Michel Chiha, Beyrouth, p 15 -16.
7- Chiha, Liban d’Aujourd’hui, p 9. 8- Ibid, p. 16.
9- Chiha, politique interieure. p. 306.
10- نقلا عن كمال يوسف الحاج، في غرة الحقيقة، منشورات الندوة اللبنانية، العام 1966 ص 41.
11- شيحا، لبنان في شخصيته وحضوره، بالانكليزية، ص 163. 12- Chiha, Palestine, ed. du Trident, publications de la Fondation Michel Chiha, Beyrouth, 1973, p. 98.
13- Ibid, p. 204
14- Ibid, p. 61
15- Ibid, p 100
16- Ibid, p 115
17- Ibid, p. 205
18- Ibid, p. 110
19- Ibid, p. 131
20-Ibid, p. 115
21- Ibid, p. 131
22- Chiha, Variations sur la Méditerranée, ed. du Trident, publications de la Fondation Michel Chiha, Beyrouth, 1973, p 92-93.
23- مهدي عامل، القضية الفلسطينية في ايديولوجية البورجوازية اللبنانية، مركز الابحاث الفلسطيني، بيروت 1980. 24- Chiha, Palestine, p.56. 25- Ibid, p 226 – 2327 26- Chiha, variations, p. 93 – 94

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*