اخبار عاجلة

ميرو… فتح النوافذ على عالم جديد بلا عنف

 

العاصمة الفرنسية تستعيده في مئوية الحرب الكبرى

باريس: شوقي الريّس
الشرق الأوسط
05122018

لأن في الخُطَب السياسية ما يشبه الشِعر الرديء، فيه من الجمال بقدر ما فيه من الكَذِب، ولأن معظم الذين توافدوا إلى العاصمة الفرنسية في الساعة الحادية عشرة من اليوم الحادي عشر من هذا الشهر الحادي عشر للاحتفال بمئوية الحرب الكبرى، ما زالوا يعتبرون أن طالب السِلم عليه أن يستعدّ للحرب، ذهبنا لزيارة ذلك الطفل الذي رحل عن 90 عاماً أمضاها «… ساعياً إلى فتح النوافذ على عالم جديد ضد كل أشكال العنف والحروب» كما كان يقول. ذهبنا إلى «القصر الكبير» الذي يستضيف معرضاً استرجاعيّاً ضخماً للرسّام الإسباني جوان ميرو الذي ارتقى بصفاء أعماله ونقاوتها ذروة المراحل الأخيرة من الحداثة قبل أن يبدأ بتدمير جماليتها، متأثراً بفظائع الحرب وأهوالها، ليمهّد الطريق أمام المدارس الجديدة في النصف الثاني من القرن العشرين.

يعود ميرو إلى «مدينة النور» من البوابة الكبرى، في معرض أنطولوجي يستعيد شواغله السياسية والاجتماعية عبر 150 من لوحاته وأعماله الرئيسية التي جُمِعت لأول مرة منذ عام 1974، وذلك بفضل الجهد الكبير والمساعي الدؤوبة التي بذلها مدير المعرض جان لوي برات الذي كان صديقاً حميماً للرسّام حتى وفاته عام 1983.

الموعد الأخير للعاصمة الفرنسية مع جوان ميرو كان في عام 2004 عندما استضاف مركز جورج بومبيدو معرضاً كبيراً لأعماله الأولى كمدخل لقراءة إنتاجه اللاحق في الرسم والنحت والخزف. أما هذا المعرض فيركّز على مرحلة التحوّل الكبرى في مساره الفني، عندما راح ينفض عنه تأثيرات المدارس والأساليب التقليدية التي أسهمت في تكوين شخصيته الإبداعية، وبدأ يوغل في عالمه الداخلي يستنبط منه أسلوبه التعبيري الفريد الذي أصبح علامة مميزّة لكل إنتاجه.

يقول برات: «إن أسلوب ميرو نسيج وحده في تاريخ الفن، استقى من مدارس كثيرة وخرج عنها كليّاً لينقل إلينا العالم الذي كان يحلم به، ويؤمن به، وليس العالم الذي يحيط بنا». وكان ميرو يردّد أمام أصدقائه أن العمل الفني لا نهاية له ولا بداية، فهو كالريح سائرة دوماً بلا هوادة. وكان يقول إنه يشعر «بحاجة ماسّة للوصول إلى أكثف مراتب التعبير بأقلّ قدر ممكن من الوسائل»، إلى أن كان المنعطف الكبير في مسيرته الشخصية والفنية عندما بدأ يستشعر خطر الفاشية في مطلع ثلاثينات القرن الماضي، قبل أن يعاني منها مباشرة في الحرب الأهلية الإسبانية، وراح يبتدع لغة تعبيرية جديدة حادساً أن ثمّة أملاً لا بد أن يتولّد من براكين العنف والعبث، وأن «… خلاص العالم في العودة إلى الطفولة والطبيعة».

هذا الخلاص يتجسّد في واحدة من أهمّ لوحاته التي تتوسّط المعرض في القصر الكبير بعنوان «لا ماسيّا»، والتي وضعها في عام 1922، وهي مُعارة من متحف «الناشيونال غاليري» في واشنطن الذي اشتراها من ورثة الكاتب الأميركي أرنست همينغواي. «ماسيّا» مصطلح باللغة الكاتالونية يعني البيت الريفي أو «العزبة»، حيث كان ميرو يقضي عطلته الصيفية عندما كان صغيراً.

ويقول مدير المعرض إن هذه اللوحة المركزية في إنتاج ميرو، التي تتكرر بانتظام وبأشكال شتّى في كثير من أعماله «تستحضر هناء الطفولة والأرض التي فيها كل ما يحتاج إليه الإنسان للسعادة والبقاء… والسماء التي سيحاول ميرو بلوغها بكل ما أوتي من عبقرية وعذوبة».

وفي المعرض أعمال كثيرة مستوحاة من منزل الرسّام في أرياف «تارّاغونا» حيث كان يتردد باستمرار منذ رحلته الأولى إلى باريس عام 1919. وقد حافظ ميرو على صلة وثيقة، شبه رحميّة، بمنزل طفولته وبكل ما يربطه بالأرض الكاتالونية، لكنه كان يعتبر نفسه متوسطيّاً وضد الانعزال داخل الهويّات القوميّة الضيّقة التي كان يحذّر دائماً من أخطارها.

ويذكر برات في الدراسة التحليلية التي يمهّد بها للمعرض أن «ميرو عاش في حالة من التجدد الدائم ساعياً حتى نهاية أيامه إلى امتلاك لغة الحريّة». الحريّة التي سرعان ما أدرك، بعد مرحلة أولى استلهم أعماله خلالها من الجداريات الرومانية والمنمنمات الفارسية، أن عناصرها ليست مستمدّة من العالم الخارجي، بل من العوالم الداخلية والموازية المخفية وراء العالم الخارجي، التي أصبحت مصدر إلهامه الأساسي في سعيه إلى ما كان يصفه بأنه «حركةٌ لا حراك فيها وصمتٌ أفصح من كل تعبير».

كان ميرو متعدد المواهب، جمع الفلسفة والشعر إلى جانب الرسم بأشكاله المتعددة والنحت، وكان يعتبر أن «ثمّة يقيناً واحداً لا غير في الحياة، هو أن الغد آتٍ، وأن الأشياء، كما الحياة، ليست بظواهرها، بل بما لا تراه العين المجرّدة، ولا يملك سرّها سوى الأطفال». الأشياء التي كان يجمعها في جيوبه خلال نزهاته على الشاطئ أو في الأرياف، ويعود بها إلى محترفه يستلهم منها ويستخدمها في منحوتاته، التي كتب عنها في رسالة إلى صديقه ماتيس عام 1936 يقول: «أشعر بجاذب مغناطيسي يشدّني إلى الأشياء، من غير سابق تصميم، ثم تجذبني أشياء أخرى على صلة بالأولى، وتتفاعل معها فيما يشبه الصدام الشعري الذي يهزّ أعماقي ومنه أستمدّ الفاعلية في العمل».

«لون أحلامي» هو العنوان الذي اختاره المنظمون لمعرض ميرو الذي كان يعتبر أن «الفن في انحطاط دائم منذ آلاف السنين»، وأمضى حياته يرسم السماء والقمر والنجوم، ويحلم بأن تكون أعماله «قصائد يلحّنها رسّامون».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*