مياه بنغلادش لصغارهم ومياه لبنان لصغارنا


مروان اسكندر
النهار
30032018

بنغلادش ثالث أكبر بلد غالبية مواطنيه من المسلمين إذ يبلغ عدد سكانه 120 مليوناً، ومعلوم ان معدل دخل الفرد في بنغلادش هو نصف معدل دخل الفرد في الهند المجاورة لها.

اللبنانيون ينظرون الى أهل بنغلادش نظرة يشوبها نوع من الشفقة. والواقع أن هؤلاء، وإن عانوا ثورة تحرير عام 1971، استعادوا النظام البرلماني وأصبحوا يتمتعون بالسلم وبمعدل نمو مقبول، وان كان وضع البلد على صعيد الدخل الفردي متدنياً.

مجلة “الايكونوميست” في عددها الصادر بتاريخ 24 آذار الجاري، أدرجت مقالاًً في باب شؤون الصحة والنظافة عنوانه “دروس من بلد فقير عن كيفية دحر المرض”. والمقال يدور حول توفير المياه النظيفة للمواطنين في بنغلادش وتفادي الامراض التي ترافق تلوث المياه واستعمال مساحات الفضاء الطلق لقضاء الحاجات.

خلال 20 سنة استطاعت حكومة بنغلادش بالإرشاد وبرامج تنقية المياه الحدّ من الأمراض من الأسهال وتلبّك المعدة بنسبة 90 في المئة، وهذا التحسّن أدى الى تدني نسبة الوفيات لدى الأطفال دون سن الخامسة من 54 في المئة التي تفوق المعدل الوسطي العالمي الى معدل يقل بنسبة 19 في المئة عن معدل أمراض الأطفال في العالم.
تعتبر هذه الانجازات الصحية في بلد فقير يكتظ بالسكان بمثابة نجاح كبير في التصدي للأمراض التي تعيق نمو الاطفال وتعرضهم في حال انتشارها لتقلص معدلات نمو الأجسام. فأهل بنغلادش يحققون نموًا يجعل فئة الشباب لديهم متميزين صحيًا ومن حيث طول القامة عن الهنود الذين يعانون أمراض الأسهال والنشاف.

وقد تحقق ذلك بالعمل على تنقية مصادر المياه التي هي وافرة في البلد، كما تعميم استعمال شراب مالح مشبع (مصل) بما يغذي الجسم لمحاربة النشاف. ويستعمل هذا المصل الذي يشرب وكلفته بسيطة 84 في المئة من أطفال بنغلادش وكان له تأثير كبير على انخفاض الوفيات من الاسهال وأمراض المعدة.

في لبنان حيث يستهين اللبنانيون بنجاحات البلدان الساعية الى النمو ويعتبرون ان مستويات الصحة وتوافر المياه كافية، ان لم يكن بالتمديدات المتوافرة، فبشراء القناني المعبأة، نعاني مرض الإسهال والتهاب الإمعاء الى حد جعل منظمة الصحة العالمية تقدر تكاليف علاج هذه المشكلة المتفشية في لبنان بـ700 مليون دولار سنوياً، ولا شك في انها تزايدت مع كثافة المهجرين السوريّين.

أكبر مشروع مائي أنجز في لبنان هو مشروع نهر الليطاني وسد القرعون والذي عمل عليه المرحوم ابرهيم عبد العال والذي انجز أوائل الستينات، فباتت لدينا بحيرة من المياه المتدفقة من الينابيع في سد القرعون يمكن ان تستوعب في حال امتلائها بالأمطار 230 مليون متر مكعب.

هدف المشروع الى تأمين المياه للزراعة في منطقة البقاع عبر قناة سُمّيت قناة الـ900 وعبر قناة أخرى لإنتاج الكهرباء من ثلاثة معامل انجزت في الجنوب وسُمّيت بأسماء المهندس ارقش، وابراهيم عبد العال، والرئيس شارل حلو. وهذه المعامل كانت تنتج عام 2000 ما نسبته 15 في المئة من حاجات لبنان، بكلفة تقل عن أربعة سنتات للكيلووات/ ساعة مقابل كلفة وسطية حاليًا للمعامل القائمة والسفينتين المستأجرتين تبلغ 23.7 سنتاً للكيلووات/ ساعة. ومجمل طاقة الانتاج في المعامل القائمة والسفينتين لا يتجاوز الـ1600 ميغاوات، وتالياً فإن المعامل التي تعتمد على مياه سد القرعون والتي كانت تمثل 15 في المئة من الطاقة الانتاجية، لو كانت تعمل بطاقتها، في حال صيانتها واستمرار تدفق المياه البالغ انتاجها نسبة 20 في المئة من الطاقة الحالية.

تلوث مياه الليطاني وبحيرة سد القرعون أدى الى ترسبات مضرة والى تفشي أمراض منها ما هو سرطاني، ولذا طالب اهل البقاع الذين كانوا يستفيدون من خط الـ900 بالامتناع عن تزويدهم المياه الآسنة والمضرة بالصحة والتي تتسبب بتلوث المنتجات الزراعية. وبلغت نسبة التلوث مستوى دفع المهتمين بالشأن الصحي الى المطالبة باقرار سريع لخطة لحماية الليطاني وسد القرعون من احتواء ترسبات النفايات والأوساخ التي ترمى في مجرى النهر، واصبحت طاقة بحيرة القرعون على احتواء المياه أقل بكثير من الـ230 مليون متر مكعب وهي اليوم لا تزيد على 40 مليون متر مكعب لا يجوز استجرار المياه منها، لان هذه الكمية ضرورية لمنع تشقق السد بكل ما يعني ذلك من نفقات استثمارية انشائية لا ندري ان كان لبنان يستطيع تحملها.

الأمر الأكيد ان مصادر المياه، المتدفقة أو التي تتوافر في الآبار الارتوازية، ملوثة بنسبة 75 في المئة، وان اضرار هذا الوضع بالغة الخطورة على مستقبل اللبنانيين سواء أكانوا من الشباب أم ممن تخطوا سن الشباب.

الخطوات المطلوبة لمعالجة هذه الوضع الخطرة متعددة، أهمها اشتراع قانون جديد لمعالجة مشاكل المياه والسعي الى تأمين حاجات اللبنانيين خارج الشاحنات التي تجوب بيروت وتبيع المياه بأعلى الأسعار دونما تحقق من النوعية والنظافة. ومطلوب ان يفرض القانون الجديد الشفافية على مصالح المياه المنشأة منذ عام 2000 ما عدا مصلحة الليطاني التي سبق تأسيسها انشاء المصالح الأربع بعقود، وان يكون هنالك برنامج تأكد من منشآت تكرير المياه لتأمين نظافتها، فهنالك 60 منشأة لا يعمل منها سوى 10.

أصبح لبنان مهددًا ليس فقط بتلوث مياهه، وأكثرنا شاهد تدفق مياه البردوني في زحلة واللون الأحمر يطغى عليها لأن مصانع كيماوية صبت نفاياتها في مياه النهر التي كان اللبنانيّون يتغنّون بها ويسعون الى تمضية ساعات بقربها يستمتعون بخرير المياه واللقمة الطيبة.

أضف الى كل ذلك التلوث المناخي الذي نعانيه وتردي المساحات الخضراء واقتلاع الاشجار وكثافة السير وتعاظم نسبة الكربون في الهواء الذي نتنفسه، فنعجب من قدرة اللبنانيين على الاستمرار في الحياة الصحية وتوقع اطالة الاعمار والشيخوخة الهادئة.

لبنان الذي كان أين هو اليوم؟ والى أين؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*