موسى وهبه يفارق الحياة: تشير الإصبع إلى القمر فينظر الأحمق إلى الإصبع

  • 3 تموز 2017 | 11:48
    النهار

غاب الفيلسوف والمفكر والباحث والأكاديمي اللبناني موسى وهبه بعد معاناة طويلة مع المرض، تاركاً وراءه سجلا حافلا بالعمل الفلسفي والبحثي والاكاديمي والترجمي الرصين.

في الآن، ننشر نصاً له كما نشر في مجلّة “الآخر” .

“إلى حسن قبيسي

“…أتسامح مع أرسطو الذي عرّف كل شيء تقريبا،

ولم يعرّف البعْط، لأنه كان، للأسف، لا يتقن العربية.

والبعط، لغة، الذبح، … وتقول العامة للدابة التي ذبحت

وما زالت تتحرك في غير اتجاه: الدابة تبعط.

وأطلق البعط الفلسفي على الأقاويل التي تبعط (تذبح)

الفلسفة لتبعط (تحرك) هي في اتّجاه آخر”.

موسى وهبه

1- الإصبع والأحمق

حدّثني صاحبي العلمي الواقعي قال: تقول عرب العصر: يقول بعضهم: تشير الإصبع إلى القمر فينظر الأحمق إلى الإصبع.

قلتُ: تقلّل عرب العصر وبعضهم من شأن الأحمق.

قال: تقلّل لترفع من شأن العاقل.

قلتُ: بل بالأحرى لترفع من شأن المتعقِّل المعتَقل بالأسباب الخارجة عنه. ومقابلة الأحمق بالعاقل تضييق على العقل وزمّ له إلى مجرد أداة للضبط والربْط.

قال: أراك تدفع عن الأحمق وكأنك لا تأبه لانتظام القول وفقا لمنطق موضوعه.

قلتُ: يطربني قولك منطق موضوعه. إلى ذلك، لا آبه ولا أرى لماذا يجب أن ينتظم القول وفقا للموضوع بدلا من أن ينتظم الموضوع وفقا للقول.

قال: لا تكن مجحفًا. منطق الموضوع ومنطق الأشياء على جاري القول، أي بمعنى بنيتها وقانون تركيبها وترابطها بعضا ببعض. ألا تقوم المعرفة العلمية على ذلك؟

قلتُ: لا أجادلك في العلم، بل في طريقة النظر.

قال تدفعني إلى حيث لا أجيد اللعب، لعلّك تريد إرباكي على نحو ما كان يفعل جدّكم

سقراط. فهل لك أن تفصح ببساطة عما تعني بالفرق بين الطريقة والمعرفة؟

قلتُ: لا تجزع. فأنا لست لأستعيد سقراط هنا بل لأقول إن الأحمق الذي ينظر إلى الإصبع المشيرة عاقل من صنف آخر؛ وإن النظر إلى الإصبع، لا إلى ما إليه تشير، نوع تفلسف لا طاقة عليه للعلمي المتعقل المعتقل بموضوع مستقل عنه. ما هي الإصبع وكيف هي؟ ولماذا تشير إلى القمر؟ ومن الذي يشير بها؟ تلك أسئلة ينهم بها الفيلسوف (وهو أحمق من نوع خاص بالمناسبة) وأسئلة لا تهم العلمي المتعقِّل.

قال: هذا ضرب من الكلام مستغرَب إن لم أقل مستغرِب. وها قد بدأت أتلمّس إلى أين

تذهب بي. لعلّك تنضمّ إلى جوقة الناعين علينا القدرة على التفلسف، وتغفل إنتاج

فلاسفتنا المعاصرين الأحياء منهم والراحلين وهم ملأوا دنيانا وشغلوا ناسنا مشرقا

ومغربا.

قلت – وقد بدا صاحبي متجهِّمًا وجِدّيًا- لم أجد بين المشتغلين بالفلسفة بالعربية اليوم من يطلق على نفسه لقب فيلسوف، الّلهم إلا مسايرةً لرغبة الجمهور الذي به حاجة إلى مباهاة الأمم الغالبة والمغلوبة على السواء، أو مراوغةً مسرحية خاضعة لصنم المسرح إن لم أقل لصنم السوق. وما أجده ويجده كلّ متابع هو الإعلان عن الحاجة العربية إلى الفلسفة، عن الحقّ العربي في الاختلاف الفلسفي، عن الحاجة إلى فلسفة لـ”نا” تتميّز عن فلسفة لـ”هم”. أي ثمّة عندنا دعاة كتر للفلسفة ولفلسفة مخصوصة بهدف الخدمة. عندنا عاقلون ومتعقّلون وليس عندنا، لا أب لك، حمقى.

2- العقل المِعْوَل

قال: تقرّ معي على الأقل أن لدينا عقلانيين أو متعقلين كما تحبّ أن تقول,

قلتُ: ليس العقل حكرا على أحد دون أحد أو على أمّة دون أمّة. والعقلانيون والعقلاء يملأون الساح عندنا يل يذهبون إلى حدّ تدبيج مطوّلات في نقد العقل العربي ونقد العقل الغربي ونقد النقد إلخ.. والخلاف ليس على العقل بل على تضييق مجاله وقصر دوره.

قال صاحبي، بعد أن قلّب دفاتره القديمة، لا يقتصر العقل على ملاحظة موضوعه فذاك أوان من آونة المعرفة العلمية وحسب، وثمة أيضا تحليل الموضوع وإعادة تركيبه. بل ثمة حفر في الأعماق واستنطاق للآثار وفضح للمسكوت عنه إلخ…

قلتُ: لكن كلّ ذلك ليس فلسفة بعد. مجرّد حنجلة وليس رقصا بعد.

قال: ما الذي يعيقنا عن الرقص إذن، وما العمل لنرقص مع الراقصين؟

قلتُ: يعيق صنمان، يحوّلان مجرى التفكير بالعربية إلى وديان أخرى.

قال: أية أصنام وأية وديان؟ ألا يكفينا استعارات؟

قلتُ: لا مفرّ، وقد تقادم العهد بنا، من المجاز والاستعارة. لنقل إن ثمة رسمين يتحكمان بالتفكير بالعربية اليوم هما رسم العقل عند عرب العصر ورسم الفلسفة. أو بالأحرى رسم واحد بوجهين.

لم يقل شيئا. فتابعت، لا بد من الخروج، بدءا من صنمية العقل، من حسبانه آلة او أداة (مِعْوَلا يقول أحد كبار المتعقّلين بالعربية) تصلح فقط للوصول إلى الغاية المعيّنة من خارجه: من نصاب غير نصابه، نصاب الإرادة أو السلطة أو الذود عن القبيلة,

قال: الخروج إلى أين؟ أليس العمل هو الهدف من كل نشاط ذهني بشري؟ ثمّ ما الحاجة إلى شيء لا ينتفع به؟

قلت ليست المسألة هنا. الخروج من الصنمية المشار إليها تكون بالانطلاق من العقل وحده، وعدّه سيد نفسه. هو الذي يقرّر ويشير. والإشارة إلى ذاته بالذات. أضف ان العقل يعيّن موضوعه ولا يتركه متكوِّنا لوحده بل تراه يدخل فيه ويشكّله نوعا من التشكيل.

قال: الفرق ضئيل؛ يبقى العقل منهمّا بما يشكّل، ويبقى جلّ عمله الوصول إلى غاية. لكأنه مدفوع الى التحرك بالارادة.

قلتُ: الفرق أن العقل هو الذي يعيّن الارادة في إقامة العلم بالموضوع ، ولا يتعيّن بها.

قال: هذا مسلك واحد من المسالك الممكنة. ثمّ إن تصوّر العقل كمرآة تعكس العالم وموضوع التعقّل ليس مقتصرا على عرب العصر. وإلا ما معنى المطابقة كدليل على الصواب؟

قلتُ: لا أُنكِر ذلك. لكنّّك تخلط المسائل والأوقات. عرب العصر تطلب النهضة وتريد مباهاة الامم الأخرى التي يقال عنها إنها الغالبة. وعرب العصر تطلب الحداثة إنما بأدوات قديمة. عقل الحداثة ليس مرآة عاكسة. بل ملكة نشطة لا تعترف بملكة أعلى منها، بل تذهب الى حدّ وجوب أن تتقدم سائر الملكات منها” بـ “اوراق اعتمادها”.

قال: ليس العصر كلّه كذلك. أنظر الى هيدغر كيف تحوّل من السأل عن الكون الى الإصغاء لنداء الكون. أليس في هذا تسويغ لعدّ العقل ملكة ثانية أو ثالثة وليست أولى؟

قلتُ: هيدغر معادٍ للحداثة، بل يحسب أن الفلسفة انتهت بعد إذ بلغت شأوها وتفرّعت علوما مؤسّسة على المنطق ونسيان الكون. لكن مسألتي ليست مع هيدغر، بل مع من يتكئ إليه ليطالب بالفلسفة والحداثة.

قال: لعلّ عرب العصر تطلب حداثة من صنف آخر، وتريد فلسفة غير هذه الفلسفة “الغربية” على قول هيدغر نفسه.

قلتُ: لا بأس في أن تستشهد بمن تريد لتمعن في مراوغة المطلب. لكنّ المسألة هي أنك لا تستطيع النهوض بأدوات النكوص. وعرب العصر تريد النهوض لكنها تخطئ الهدف. فهي، مثالا، إذ تلوب بها الحاجة إلى الفلسفة تخطئ رسمها.

3- البعط الفلسفي

قال: إذا كانت الحاجة العربية الى الفلسفة تلوب بنا ونلوب بها كما تقول، فلماذا إذًا لا زلنا نبعط شوقا إلى الفلسفة ولا زالت تتمتع علينا؟ ألنقص في مدركاتنا أم لعيب في تكويننا أم لسوء أحوالنا الاجتماعية والسياسية؟

قلتُ: إن كنت تقصد عرب العصر بضمير الجمع المتكلِّم ( ب “ن” و”نا”)، أقول لا ينقص عرب العصر مدركات وهي متاحة لكلّ طالب ذي عقل ـ علما أن ليس من أمّة أعقل من أمّة. وليس في عرب العصر عيب تكويني ما، إضافة إلى أن الكلام بالجمع على التكوين الذهني كلام دارس، لأن الفارق هنا لا يلاحظ بين جماعة وجماعة بل بين فرد وفرد، ولا تسري هنا المعادلات الإحصائية إذ الفروق داخل الجماعة إيّاها وليست تقابلية. ولست لأُرجِع تمنّع الفلسفة إلى تردي الوضع الاجتماعي أو السياسي ولي في مثال عمانوئيل كنط ما يُفحِم؛ فهو ظهر في وضع أمة ممزّقة ومغلوبة على أمرها قياسا ً إلي سائر أمم عصره.

قال: أين نبحث إذن عن أسباب التمتع؟ لعّلك تريد أن تعيدني إلى البحث في العقل المبادر نفسه. هل يعمل رهن إشارة الإصبع أم يحاول ان يكون هو الإصبع، والمشير في الان نفسه؟ أو في الإجابة عما الذي يؤسس البعط العربي باتجاه الفلسفة ويمنع تحول هذا البعط إلى حركة مؤدّية؟

قلتُ: هذا جزء من المسألة. والأساس تمنّع قدوم الفيلسوف. يمكن أن نسعي في إيجاد ألف عالِم في مختلف الميادين في مهلة محدودة ـ وقد حصل ذلك مرّة على الأقل عند عرب العصر. إلا أنه لا يمكن أن “نوصي” على مبدع كبير واحد ولا على فيلسوف (واحد بالضرورة إذ لا يتّسع العصر لأكثر من واحد). الفيلسوف يأتي كالملك لا أحد يعرف كيف ولا متى..

فقاطعني صاحبي وقال: وماذا نفعل هنا إذن وما الداعي لكلّ هذا اللغو؟

فتابعت وكأنه لم يفعل،.. ولا يأتي من دون سابق يبشّر به أو يدعو إليه. و”على الأحياء المنهمّين مثلنا أن يمهّدوا الأرض لقدومه عسى، إن جاء، أن يسنطيب الإقامة بيننا”.

قال: وكيف نمهّد لمن لا نعرف؟

قلتُ: نقوم بما نسطيع. نحطّم الأصنام المعيقة ونرفع العقبات اللسانية.

قال: أما العقبات اللسانية فالعمل جار على قدم وساق لرفعها. فعرب العصر مقبلة على الترجمة الواسعة وصولا إلى إنشاء منظمات مخصّصة للترجمة، وكأن المأمون قد بعث حيّا.

قلتُ: لاتغرّنك العناوين. لا يدفع للمترجِم ثقل المترجَم ذهبا بل يُنصَب عليه نصبا. بمعنى أن ثمة سلطات ومراكز تصرف مبالغ محترمة بهدف الترجمة إلى العربية لكن الوسطاء يختلسون معظمها ويستأجرون بما تبقّى فعلة يعطونهم الترجمة التي يستحقون. وهكذا تخون المترجمات المطلوب منها لتتحوّل إلى عقبة لسانيّة إضافيّة.

قال: لن أدخل معك في جدال يمسّك شخصبّا، ولننقل إلى ما تسمّيه الأصنام المعيقة.

قلتُ: والصنم الأكبر رسم الفلسفة عند عرب العصر.

4- الفلسفة ليست خبرا عن العالم

قال: وما الفلسفة إذًا؟

قلتُ: سؤالك مسألة فلسفية قائمة بذاتها؛ إذ قلّما تجد عند فيلسوف واحد تعبيرا مطابقا لما تجده عند آخر. لكن، إذا ما استثنينا التراث الأرسطي، يصير بالإمكان جمع أقوال متقاربة أو متكاملة.

قال: دعنا نرَ لماذا تستثني التراث الأرسطي.

قلتُ: لأن أرسطو كان بالأحرى معلّما للفلسفة ومؤرّخا. والتعريف المتداول عنه: “الفلسفة علم الكائن بمما هو كائن” والآخر القائل: “البحث عن المبادئ والعلل الأولى”، قد أحدثا التباسا كبيرا طوال ألفي عام بسبب من اشتراك معنى العلم، أو بسبب من الإضافات التي فرضتها ظروف الكلام.

– وبدءًا، ليس العلم بمفهوم أرسطو هو العلم بمعناه الحديث القائم على الفرض والتجريب. أضف أن عبارة “بما هو” أو “من حيث هو” أو “من جهة”، ليست موضوع علم بالمعنى المتعارف عليه اليوم، وعبارة تحتمل تأويلا متنوّعا تبعا لظروف المتفلسف الذي لا يتّسع وقته للتأمّل أو لرعاية “الدهشة” التي بها يبدأ التفلسف على حدّ قول أرسطو نفسه (وهو قول جرى إهماله عند الورثة).

– إلى ذلك، كان البحث عن المبادئ والعلل الأولى في ذهن أرسطو بحثا عن الحقيقة، اي بحثا منزّها عن أي غرض آخر. ويكفي أن نقرأ إضافة ابن رشد، أكبر شارحيّ المعلّم الأوّل، لنفهم كيف تمّ تسخير النشاط العقلي في خدمة غرض آخر. يقول ابن رشد: “فعل الفلسفة ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع”

لهذا السبب لا يفيدنا الإرث الأرسطي في التقدم بحثاً عن حلّ للمسألة. بل ان من تابع الموسوعية الأرسطية من مثال هيغل قد صعّب الأمر أكثر حين عدّ الفلسفة علما بامتياز وعلمانا مطلقا، وأنزل سائر العلوم إلى الاهتمام بالجزئيات.

قال صاحبي، وقد بدا عليه الانزعاج من هذا الاستطراد، لكن هيغل أنهى الفلسفة أو ختمها الى غير رجعة.

قلتُ: الى حدّ ما لا زلنا ندور في الفلك الهيغلي. بدءًا من قولة ماركس القاضية باستبدال مهمة تفسير العالم بمهمة تغييره. وها العالم ما زال يتغيّر من تلقائه وما زلنا نلهث في محاولة تفسيره.

قال: لكن إن رفعتَ الإرث الأرسطي ماذا يتبقى لك من الفلسفة.

قلتُ: تبقى الفلسفة وحسب. بصرف النظر عن تأريخها و تلخيصها. ويتبين لنا رسم مختلف لها. رسم يمييز بينها وبين العلم أصلا. فالفلسفة ليست علماً، بدءاً من رسمها عند افلاطون وصولاً الى ما يخبر عنها جيل دولوز، مروراً بالدهشة الأرسطية وإقامة الحد الفاصل الكنطي.

قال: هل يتّسع وقتنا لبعض تفصيل؟

قلتُ: في محاورة السياسي بنبّه أفلاطون إلى أن الهدف من الحوار ليس علم ما هو السياسي بل التمرّن على الجدل. و يُقيم كنط حدّا فاصلاً، في كتبه النقدية، بين الفلسفة والعلوم، من حيث مجال الاهتمام ومن حيث المهمة المقترحة على كل من النشاطين الفارقين. ويقرّر هيدغر نفسه ان سؤال: ما العلم؟ ليس سؤالاً علمياً.

و يعيد نيتشه العلماء الى الخدمة ويعلن ذاتية الفيلسوف في مواجهة الانبهار بالعلم.

وإذا كان برتراند راسل لا يزال يسعى الى إنشاء “فلسفة علمية”، وكان الوضعيون المنطقيون يضعون التفلسف في خدمة الفول العلمي؛ فإنه يجب انتظار ترهّل القرن العشرين ليعود ميشيل فوكو من حفريّاته الأمبيريّة ويعلن أن تلك الحفريّات لم تكن سوى تمارين على القول الفلسفي. ويتساءل: ما التفلسف إن لم يكن محاولة التفكير بطريقة أخرى.. والانتظار ليعلن جبل دولوز: إن الفلسفة إبداع أفاهيم.

وإذا ما انتبهنا الى أن الأُ فهوم، عند ج. دولوز، لا يعدو كونه أفعول تفكير خاص، أو حدساً رئيساً يعيّن مجال اشتغال أفاعيل التفكير، ندرك ان رسم الفلسفة عند كبار المتفلسفة يفرق أصلاً عن رسم العلم، وعن رسم أي نشاط ذهني آخر، و يمكننا القول: ليست الفلسفة علماً من العلوم وليست من ثمّ تقانةً في خدمة نشاط آخر، أو كما أحب دائماً ان أقول ليست الفلسفة خبراً عن العالم.

قال صاحبي، وقد أعياه طول الانتظار: لكنك ما زلت تعرّف الفلسفة بالسلب، ولم تعلن لنا بعد ما هي الفلسفة؟

قلتُ: ليس مدار القول هنا على ماذا قد تكون الفلسفة.، بل على ما ليست هي. وجلّ ما يمكنني الآن هو أن أشير الى الفلسفة بوصفها مجموعة النصوص التي وصلت الينا من كبار الفلاسفة ومنها بالتحديد الفلسفة الأولى وما أسماه بعضهم: الميتافيزيقا، أي ما يتعدّى الفيزيقا أي عالم التجربة العلمية واليومية. وأن أشير الى الفيلسوف بوصفه ذاك الذي يحظى بمريدين خارج منطقة تداوله اللغوي.

قال: يمعنى آخر تريد ان تقول ان ليس لدى عرب العصر فلسفة ولا فلاسفة.

فلت، بل مجرد حاجة الى الفلسفة وبعط باتجاهها.

***

قال: وما البَعْط الفلسفي؟

قلتُ: الحركة تحت عنوان الفلسفة حركة تخطىء هدفها بالضرورة لأنها تخطئ معنى الفلسفة أو تقيم لها رسماً أملته ظروف خارجة عن العقل المفكر. فعرب العصر مثالاً تبعط باتجاه النهضة.

وهي في بعطها أشبه بذلك المتعقّل الذي يمتثل لإشارة الاصبع وينظر حيث تشير. فالاصبع المشيرة تطرح السؤال: “كيف نبقى عرباً ونصبر معاصرين في آن”، أو:

” لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم”… و الناظرون إلى القمر لا زالوا يردّدون على مسامعنا منذ قرن وبعض قرن: نريد حداثة تخصّنا وترجمة تتوافق مع حقلنا التداولي، والمطلوب فلسفة “لنا” أو تعليم طريق الاستقلال الفلسفي، وتمييز النظرية الكونية لاستنباط ما يميز واقعنا المتميّز أصلاً.

لم يوجد أحمق ليطرح أسئلة أخرى.. من هذه الـ”نا” التي عليها أن تنهض؟ ولماذا عليها أن تنهض؟ من الذي يشير بالإصبع؟ ولماذا يتعيّن على المتعقل ان يلتزم بالخدمة؟

وهكذا يتحصل لعرب العصر ما زرعت تلك الأسئلة. فلسفة لا تشبه فلسفة الفلاسفة بل شيء آخر لا يطلب لذاته بل للمنفعة المرجوة منه. ففلسفة الفلاسفة لا تنفع أصلاً في تحقيق مطالب ليست هي من يعيّنها.

قال صاحبي: وهذا الناتح المتراكم تحت عنوان الفلسفة ماذا نسمّيه؟

أو ليس فيه من جديد؟

قلت، سمة فَلْذَقة ان شئت، او حبَّ الرأي (فيلوذكسا). أما جديده فأباعيط.

قال، وما الأُبعوط؟

قلت، لنصطلح أنه ناتج أُفعول البعط. لأن البعط يبدع أباعيط توهم أنها تفيدك علماناً في حين تراها تحيّرك وحسب. فخذ مثالاً أباعيط: إشكالية وخطاب ومفهوم وكان يكون إلخ…

قال. إنها موهمة لكن مسليّة. ألا يُعجبك أن نُقطّعَ الوقت؟

قلت، يعجبني، فلنقطّع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*