موسكو أعلنت إبعاد إيران من جنوب غرب سوريا… لماذا تبدو مهمّتها “صعبة”؟

جورج عيسى
النهار
03082018

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف في موسكو 14 أيار 2018 – “أ ب”

بعد ساعات من سيطرة الجيش السوري على الحدود المتاخمة للجولان المحتل، أعلن الموفد الروسيّ الخاص إلى #سوريا ألكسندر لافرنتييف تراجع القوّات الإيرانيّة 85 كيلومتراً من مواقعها السابقة في الجنوب السوريّ “لأجل عدم إزعاج قيادة إسرائيل”. ومع أنّه قال إنّ “الإيرانيين انسحبوا” وإنّ “التشكيلات الشيعيّة ليست هناك”، تحدّث عن أنّ “مستشارين ربّما يكونون وسط قوّات الجيش السوريّ التي لا تزال أقرب إلى الحدود الإسرائيليّة”.

لم يلقَ هذا الإجراء الذي أعلن لافرنتييف أنّه تمّ بمساعدة روسيّة أصداء إيجابيّة في تل أبيب حيث رأى وزير التعاون الإقليميّ تساحي هنجبي في حديث إذاعيّ أنّ “ما وضعناه كخطّ أحمر هو التدخّل والتعزيز العسكريّ الإيرانيّ في سوريا، وليس بالضرورة على حدودنا” متحدّثاً أيضاً عن خطر الصواريخ والطائرات الإيرانية بلا طيّار.

روسيا … بين الوضوح والواقعيّة

جاء كلام هنجبي بعدما قال السفير الروسيّ في تل أبيب فيكتوري أناتولوف إنّ الإيرانيّين “يلعبون دوراً بالغ الأهمّية في جهودنا لاجتثاث الإرهابيّين من #سوريا. لذلك نرى أي طلب بسحب القوّات الأجنبيّة أيّاً كانت من أراضي سوريا غير واقعيّ”. وأعلن في حديث للقناة العاشرة وجود اتفاقية بانتشار الجيش السوري وحده على الحدود السوريّة الجنوبيّة نافياً إمكانية روسيا في إجبار إيران على الانسحاب من سوريا، بالرغم من تشديده على أنّ “الأولويّة هي ضمان أمن إسرائيل”.

لم يكن حديث السفير الروسيّ للقناة الإسرائيليّة غامضاً لجهة حاجة الروس للمقاتلين الإيرانيّين من أجل استعادة دمشق سيطرتها على الأراضي التي فقدتها منذ اندلاع النزاع السوريّ. وربّما كانت البادرة الروسيّة بإبعاد الإيرانيّين عن الحدود السوريّة الجنوبيّة أقصى ما يمكن لموسكو أن تقدّمه في هذا الإطار، علماً أنّ لافرنتييف نفسه أشار أيضاً بطريقة ضمنيّة إلى عدم إمكانيّة منع بعض المستشارين الإيرانيّين من أن يكونوا حاضرين ضمن القوّات السوريّة. يضاف إلى ذلك أنّ مسؤولاً إسرائيليّاً كشف أنّ الروس عرضوا إبعاد الإيرانيّين مسافة 100 كيلومتر عن الجولان المحتلّ لا 85 كيلومتراً فقط كما تحدّث لافرنتييف. لا شكّ في أنّ أسئلة كثيرة تُطرح في تل أبيب عمّا إذا كان قد بات من شبه المستحيل إخراج الإيرانيّين من سوريا بعد سنوات من ترسيخ نفوذهم فيها.

“رفض مهذّب لكن حازم”

تأتي إثارة هذه الأسئلة، في وقت يستمرّ الروس بإبداء مواقفهم الداعمة للإسرائيليّين وفي الإبقاء على خطوط التواصل مفتوحة معهم وكأن آخرها ترؤس سيرغي لافروف وفداً روسياً لزيارة تل أبيب الأسبوع الماضي. لكنّ تلك الزيارة لم تنتهِ بالأثر الإيجابيّ الذي تمنّاه الطرفان.

كتب بن أسبيت في موقع “ألمونيتور” الأميركيّ أنّ الروس تقدّموا بعرضهم مقابل اعتراف إسرائيل بحكم الرئيس السوريّ بشّار #الأسد والتوقّف عن شنّ الهجمات داخل سوريا. “بطريقة مفاجئة، قالت إسرائيل لا. لقد كان رفضاً مهذّباً لكن حازماً”. أصرّ نتنياهو على عدم القبول بوجود للإيرانيّين أو لحزب الله في أي مكان داخل سوريا مع الاحتفاظ بحقّ شنّ الهجمات هناك. “أصغى الروس بانتباه وعادوا إلى ديارهم خالي الوفاض”. وذكر أسبيت أنّ التوتّرات بين الطرفين تصاعدت خلال الأسابيع الماضية بسبب الغارات المكثّفة وبسبب تهريب عناصر الخوذ البيضاء والذي شرح المسؤولون الإسرائيليّون لنظرائهم الروس أنّه لم يكن بمبادرة منهم بل بطلب من القوى الغربيّة.

اختلاف الأهداف البعيدة المدى

قدرة الإسرائيليّين على انتزاع مزيد من التنازلات الروسيّة في المرحلة المقبلة قد تكون محدودة. فمطلبهم بإنهاء الوجود الإيرانيّ من كامل الأراضي السوريّة لا يرتبط فقط بأمنهم الخاص الذي يمكن للروس أخذه بالاعتبار ضمن حدود معيّنة. فهذا المطلب يتداخل في جوهره أيضاً مع مفاوضات #أستانا التي يبقى لمسارها أن يحدّد خريطة توزيع النفوذ الإقليميّ داخل سوريا بما فيه النفوذ الإيرانيّ نفسه. وحتى بالنسبة إلى نيّة #موسكو وقدرتها على إبعاد طهران عن الحدود مع الجولان، يبقى هنالك تشكيك بالنسبة إلى بعض الباحثين ومنهم، جيسي ماركس، الباحث في “مركز ستيمسون” وهو مؤسّسة رأي أميركيّة مقرّها واشنطن.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مصافحاً رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في موسكو، 11 تمّوز 2018 – “أ ب”

ماركس، وخلال إجابته على أسئلة “النهار” يستند إلى تطوّرات السنتين الماضيتين ليبدي تشكيكه بهذا الموضوع، مذكّراً بأنّ “روسيا وإيران هما حليفتا مصلحة”. وأضاف: “في حين أنّ هدفهما المباشر تعزيز حكومة الأسد، إنّ السيناريوهات التي ترغبان بها لما بعد النزاع مختلفة تماماً”.

“تحدٍّ”

تابع ماركس مشيراً إلى أنّ منع المجموعات المرتبطة بإيران من العودة في نهاية المطاف إلى منطقة 85 كيلومتراً التي تحدّثت عنها #روسيا يشكّل “تحدّياً” لروسيا. هنالك العديد من العناصر التي تصعّب على الروس تنفيذ ما أعلنوه وقد أثبتت الوقائع الميدانيّة ذلك بحسب ما يشرح الباحث. ولفت النظر في السياق عينه إلى أنّ عمل المقاتلين الإيرانيّين داخل هذه المنطقة هو بنفس سهولة تغيير زيّهم العسكريّ إلى زيّ مدنيّ. وشدّد على أنّ مراقبة تنامي هؤلاء داخل مناطق الصراع “ليست مهمّة بسيطة” وقد “تبيّنت صعوبتها كفاية بالنسبة إلى الأميركيّين خلال وعقب حرب العراق”.

يبقى هنالك عامل آخر يحدّد طبيعة النفوذ في جنوب غرب سوريا في المرحلة المقبلة. فقد شكّل إنشاء جبهة أماميّة بالقرب من الإسرائيليّين هدفاً إيرانيّاً بحسب ما أظهرته المستجدّات العسكريّة المتلاحقة. لذلك، قد يكون تنازل إيران عن تلك الجبهة أمراً مستبعداً على المدى الطويل. وهذا ما يؤكّده ماركس: “نظراً لأهمية سوريا بالنسبة إلى إيران، ستجد الميليشيات الإيرانيّة سبيلاً للعمل في جنوب غرب سوريا سواء أحاولت روسيا منع وجودها أم لا”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*