موت ستالين موضوعاً للضحك

شادي لويس|الخميس02/11/2017

Almodon.com

قبل أيام من الذكرى المئوية للثورة الروسية، افتتح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الإثنين الماضي، نصباً تذكارياً لضحايا عمليات التطهير التي نفذها ستالين في معارضيه وراح ضحيتها 700 ألف شخص بين العامين 1937 و1938، بحسب السجلات السوفياتية الرسمية المتحفظة جداً في تقديراتها. وفيما كان بوتين يختتم كلمته في افتتاح “جدار الحزن” الذي يحمل صوراً للضحايا بوجوه مطموسة المعالم، بقوله “لا ينبغي محو هذا الماضي المروع من ذاكرتنا الوطنية، ولا يمكن تبريره بأي شيء”، كانت صالات السينما البريطانية تضج بضحكات المتفرجين على مشاهد الفيلم الكوميدي “موت ستالين”.
ينطلق الفيلم، الذي بدأ عرضه مطلع الأسبوع الماضي، من تلقي مدير قاعة موسيقية، اتصالاً هاتفياً غير متوقع، من الرفيق ستالين نفسه، يطلب تسجيلاً للحفلة الموسيقية التي كانت قد اختتمت بالفعل، ومن دون تسجيل. يقود الذعر، المدير، إلى إعلان “حالة طوارئ موسيقية”، واحتجاز الفرقة الموسيقية والجمهور داخل القاعة، لإعادة الحفلة مرة أخرى، وتسجيلها. ولا يكتفي المخرج البريطاني، أرماندو إيانوتشي، بتيمة الخوف المعتادة في تناول السلطوية. فغير عدم الثقة، والبارانويا التي هيمنت على ستالين والدائرة القريبة منه، في الفيلم، ترسم المشاهد الأولى، طبقات من السياسة، التي وإن كانت في ذاتها عرضاً مختلقاً للواقع وترميزاً له، كموسيقى الحفلة الكلاسيكية في الفيلم، فإنها تتحول عبر السلطوية إلى تمثّل مزيف لسابقة مختلقة في الأساس، فيتحول جمهور الحفلة إلى ممثلين، ويصبح الموسيقيون مؤدين أمام جمهورهم، كما على مسرح السياسة.

وفيلم إيانوتشي، الذي ركزت أعماله السابقة، مثل “ذا ثيك أوف إيت” و”فيب”، على تشريح السياسة البريطانية والأميركية، يضيف طبقة أخيرة من التمثّل، على السياسة. فعبر إعادة سرد كوميدية لنهاية عصر الرعب الستاليني، تفضح طبقة السخرية، طبقات الزيف السلطوية، وفداحة قسوتها.

يترك موت ستالين المفاجئ فراغاً في السلطة، وحالة من الذعر والتخبط بين أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي، والذين يتحدث الممثلون القائمون بأدوارهم في الفيلم، بلكنات بريطانية ومحلية ثقيلة، تضيف إلى الشخصيات تناقضاً غرائبياً مثيراً للضحك. فبين “الكوكني” (لهجة الطبقة العاملة الدنيا في لندن)، ولهجات ليفربول ولانكشير، وممثل واحد يتحدث بلكنة بروكلين الأميركية، فإن خيوط الصراع على السلطة، لا تعود حكراً على السلطوية السوفياتية، بل يمكن تصورها أيضاً في سياسة العالم الانغلوساكسوني اليوم.

يركز ايانوتشي، في معالجته السينمائية، للرواية المصورة “موت ستالين”، للكاتبين الفرنسيين فابين نوري وثيري روبين، على الجانب الشخصي للسلطة، والدور الذي تؤديه الطباع والأمزجة الفردية في قفزات التاريخ، بالإضافة إلى الطبيعة الغامضة وغير العادلة لانعطافاته. فبين تردد مالينكوف، الذي أصبح الرئيس المؤقت بعد موت ستالين، وبراغماتية خروتشوف، الذي تولى المنصب بعده، والذكورية المتباهية لوزير الدفاع، جوكوف، تظهر شخصية “بيريا” ومصيره المأساوي باعتبارها الأكثر تعقيداً. فالرجل الذي كان الذراع الأيمن لستالين في عملية التطهير، وقاد بنفسه جهاز الشرطة السرية المسؤول عنها، يظهر أكثرهم إنسانية أو حنكة على الأقل. ففي المشهد الذي يجد فيه بيريا، ستالين ساقطاً على الأرض، في غيبوبة لن يقوم منها، كان أول ما فعله، هو إخراج قوائم الإعدام من خزانة ستالين بغرض التخلص منها وإنقاذ ضحاياها، ولاحقاً ينجح في فرض قرار بوقف الإعدامات وإطلاق سراح المحتجزين، بعد مقاومة من أعضاء اللجنة المركزية للحزب. لكن نوايا “بيريا” الحسنة، والتي ربما كانت بدافع الخوف من الانتقام الذي يمكن أن يلحق به، لا يخفف من رعب بقية أعضاء اللجنة منه ومما ممكن أن يفعله بهم.

تنقلب ضحكات المتفرجين، خلال نصف الساعة الأخير من الفيلم، إلى وجوم كئيب، يبلغ ذروته في المشهد الختامي، حيث يتم إعدام بيريا رمياً بالرصاص، بعد نجاح مؤامرة خروتشوف ضده. لكن قتل بيريا، لا يتركنا باطمئنان للعدالة التي أخذت مجراها، أو براحة لنهاية عهد التطهير أخيراً، بل لقلق من أسئلة يثيرها هذا كله. فكيف لأمزجة دائرة صغيرة من الرجال، ومؤامراتهم التافهة، وترددهم وشكوكهم ومخاوفهم من بعضهم البعض، أن تحدد مصائر ملايين البشر، في حياتهم وفي موتهم؟ وكيف كان للتاريخ أن يبدو اليوم، إذا فشلت المؤامرة ضد بيريا مثلاً، أو رفض جوكوف دعم الجيش لصديقه خروتشوف؟

نشرت جريدة “الغارديان” قبل أيام، خطاباً غاضباً، من الكاتب والناقد السينمائي، بيتر برادشو، ينتقد فيه أن تكون مأساة الملايين تحت حكم ستالين، موضوعاً للضحك، والهزل. وربما يحمل انتقاد برادشو للفيلم الكثير من المنطق والإنصاف لذكرى الضحايا. لكن ما يخبرنا به “موت ستالين” هو افتقاد التاريخ ومأساته للمنطق أو العدل، إلى الحد الذي لا يمكننا معه تناول سؤال السلطة سوى بسخرية مؤلمة، تليق به لا أكثر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*