مواجهة تركية ـ يونانية يشعلها غاز قبرص!

كاتبة صحافيّة ومحللة سياسية لبنانيّة.
الشرق الأوسط
01032018
ومع ذلك، فإن خطر وقوع حادث غير مخطط له في بحر إيجه يمكن أن يؤدي إلى وقوع أحداث خارجة عن نطاق السيطرة. وتطلّب التصادم الأخير بين السفن التركية واليونانانية اتصالاً هاتفياً بين رئيسَي وزراء تركيا بن علي يلدريم واليونان ألكسيس تسيبراس لنزع فتيل الوضع، ونتيجة للتوتر المتزايد ناشدت أثينا حلف «الناتو» اتخاذ موقف أكثر قوة إزاء تركيا، وبدأت في ممارسة الضغوط الدبلوماسية على واشنطن للحد من مبيعات المقاتلات النفاثة لأنقرة.
بسرعة نسبية انقلب إردوغان من نموذج ديمقراطي إلى زعيم يبحث عن السياسة السلطوية. عام 2004 تلقى دعوة رسمية من الاتحاد الأوروبي للانضمام، وشجعت أوروبا تركيا على كسر قوة الجيش التركي، فكانت الاتهامات بالمؤامرات التي أدت إلى وضع كبار الضباط ورؤساء الأركان في السجون، ثم حدثت محاولة انقلاب فاشلة، وحتى الآن تدور الشكوك حول من يقف وراءها، وفي أعقابها أطلقت حملة قمع على نطاق الدولة كلها، واستخدم العنف استراتيجياً لخلق دولة الرجل الواحد.
أما الأكراد الذين بدأ معهم إردوغان، في زمنه الطيب، محادثات سلام، فقد صبّ عليهم جامّ غضبه سياسياً وعسكرياً. أدار إردوغان ظهره للمعايير الديمقراطية، التي يفترض أن تشاركها تركيا مع حلفائها خصوصاً دول «الناتو». لكن لا الحكم الاستبدادي ولا موقفه من الأكراد أثارا عليه حنق واشنطن، لكن تصريحاته ضد واشنطن كانت تغلي، والأخرى لم تغيّر من استراتيجيتها في سوريا.
قبل زيارة ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأميركي، لأنقرة الأسبوع الماضي تكهّن كثيرون بما يمكن القيام به لاستعادة العلاقات الإيجابية بين الحليفين في «الناتو». عدد من المعلقين رأى أن واشنطن وأنقرة ستواصلان متابعة مصالحهما بينما تعملان على منع تمزق العلاقات بينهما. يرتكز هذا التفكير على وجهة نظر مفادها أن الولايات المتحدة وتركيا تتمتعان بعلاقات وثيقة في معظم الأوقات منذ دخول تركيا إلى «الناتو» عام 1952، وكان التفكير «الوردي» هذا يسود عقول المسؤولين الأميركيين أكثر من الأتراك.
لا ينسى السياسيون الأتراك رسالة الرئيس الأميركي ليندون جونسون عام 1964 إلى رئيس الوزراء التركي آنذاك إسماعيل إينونو يحذّره من أي تحرك عسكري على قبرص (لكن في يوليو/ تموز 1974 احتلت تركيا الجزء الشمالي من قبرص)، ولا ينسى الأتراك حظر توريد الأسلحة في السبعينات واعتقال أفراد القوات الخاصة التركية في شمال العراق عام الغزو 2003. في المقابل لا ينظر السياسيون الأميركيون إلى تلك الأحداث بأهمية. ويرجع ذلك جزئياً إلى سوء فهم من كلا الجانبين لطبيعة حلف «الناتو»، ويبدو أن كلا الجانبين اعتبره كياناً أكثر من تحالف دفاعي لعرقلة التوسع السوفياتي، وأخيراً كهيكلية تعاون لمكافحة الإرهاب وردع الجهود الروسية لزعزعة الاستقرار.
قيل الكثير عن القيم المشتركة التي تجمع الدول الأعضاء في «الناتو»، وأن هدفها الأساسي هو توفير قدر أكبر من الأمن لدولها الأعضاء، وعلى أساس أن الهجوم على عضو واحد هو هجوم على الكل.
هذا فهم خاطئ أدى إلى رؤية مثالية لقدرة الحلف على تعزيز العلاقات الإيجابية بين أعضائه، لأن الواقع هو أن كل دولة في الحلف تتابع سياستها الخارجية لتحقيق أهدافها الخاصة.
تسعى تركيا لحجب التوسع في المناطق الخاضعة للسيطرة الكردية في شمال سوريا، وترى أن منع إقامة منطقة كردية تتمتع بالحكم الذاتي على طول حدودها له أهمية تفوق حتى هزيمة «داعش» وغيره من التنظيمات الإسلامية المتطرفة. في المقابل، تضع واشنطن هزيمة «داعش» والتنظيمات الإسلامية الأخرى قضية أساسية في سوريا. لذلك فإن أي تحسن في العلاقات بين الدولتين ينتظر نهاية حاجة أميركا إلى مقاتلين محليين في سوريا حتى لا تضطر إلى نشر أعداد كبيرة من القوات الأميركية، وهذا أمر قد يؤدي إلى توسيع الصراع أكثر في كل سوريا. وإلى أن يتم القضاء على «داعش» نهائياً وبشكل كامل، وإلى أن تقضي تركيا على أي أمل كردي بحكم ذاتي، فإن الصراع في سوريا سيظل يوتر العلاقات بين الدولتين.
ليس من المؤكد أن الرئيس إردوغان يقدّر عضوية حلف «الناتو» كما كان أسلافه، وربما يعتبر الحلف عائقاً لحرية تركيا في العمل والتحرك أكثر من كونه وثيقة تأمين ذات قيمة ضد غزو من قِبل دول جارة جامحة.
إذا شعر إردوغان أن طموحاته تتطلب أن ترفض تركيا «الناتو» والولايات المتحدة، فإنه قد يتخذ إجراءات تسهم في تمزق الحلف، على سبيل المثال من خلال تفاقم الصراع على استكشاف النفط في المياه حول قبرص أو إثارة حوادث مع اليونان، دون داعٍ، في بحر إيجه.
المؤكد حتى الآن، أن تيلرسون عقد اجتماعاً مع إردوغان استمر ثلاث ساعات بحضور وزير الخارجية التركي فقط كمترجم يوثَق به. هذا اللقاء أتاح إجراء محادثات صريحة ويمكن قياس فعاليته في الأسابيع والأشهر المقبلة. الإعلام الأميركي سرّب أن تيلرسون عرض ثلاثة أمور على إردوغان: دوريات مشتركة عسكرية أميركية – تركية في منبج، وإقامة منطقة فاصلة في عفرين، وتدريجياً تخفيف أميركا علاقاتها مع الأكراد المقاتلين السوريين. لكن الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية رفضت التعليق.
الآن إذا استمرت التصريحات العدوانية من كل جانب، فإن شرخاً عميقاً في العلاقات بين البلدين يصبح وارداً جداً. إن ابتعاد تركيا عن الغرب يشكل فرصة لروسيا لإضعاف حلف «الناتو» في منطقة البحر الأسود. لقد أصبح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خبيراً في استغلال تفاقم الانقسامات داخل هذا الحلف، باستخدام الغاز الطبيعي واستراتيجية حرب المعلومات كأدوات وأسلحة. ويقول لي أحد السياسيين الغربيين: إن ميل إردوغان لصنع الأعداء هو نعمة لإنقاذ الغرب! لا يبدو أنه يساعد أحداً، بل يعمل على عزل نفسه. ويضيف أن على الأتراك أن يعرفوا أنهم لا يمكن الانطلاق وحدهم في العالم، ولن نتدخل لدعم المعارضة التركية كي لا نزيد من الاستقطاب داخل تركيا.
الآن هل يثق إردوغان بروسيا؟ كيف هي علاقته مع إيران داعمة عدوه بشار الأسد؟ كان الأكراد قلقه، الآن هناك الأكراد، والنفط والغاز في قبرص حليفة اليونان. ويريد أن يعادي أميركا؟
لحظات من الهدوء مطلوبة من رئيس يظن أنه يعمل على استرجاع السلطنة العثمانية! لقد تغير العالم. وما عليه الآن إلا الوصول إلى الصين وكوريا الشمالية!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*