مهلاً دولة الرئيس

مروان اسكندر
13102017

خلال جلسة اقرار زيادات الرسوم والضرائب بهدف تأمين موارد تغطي تكاليف سلسلة الرتب والرواتب عبّر رئيس الوزراء عن ضرورة الزيادات من اجل حماية الاقتصاد وسعر صرف الليرة من الانهيار.

أشار بعض النواب الى ان موارد تغطية تكاليف السلسلة متوافرة من الضريبة الاستثنائية على ارباح المصارف نتيجة الهندسة المالية عام 2016 والتي تبلغ 860 مليون دولار، اضافة الى وفورات تحققت من تمحيص ارقام موازنة 2017 البالغة 1300 مليار ليرة لبنانية.

أجاب الرئيس الحريري عن هذا الامر بان الحكومة لا تنظر الى حسابات سنة واحدة، بل الى أوضاع السنوات المقبلة وضرورات تحفيز الانتاج وزيادة الدخل القومي بمعدلات تسمح بتفتح فرص العمل واستعادة الامل في اقتصاد متنامٍ وديناميكي وحديث.

لا شك في ان ما يريده رئيس الوزراء يريده الشعب اللبناني بغالبيته المطلقة، لكن الامر يستوجب لفت نظره الى ما أوضحه الدكتور مكرم صادر من ان هنالك فائضاً كبيراً في حساب الخزينة رقم 36 لدى المصرف المركزي يفوق الـ24000 مليار ليرة لبنانية، وهو يؤكد انه بعد اسقاط سلفات مصرف لبنان للخزينة بالعملات الاجنبية من هذا الحساب يبقى رصيد 10000 مليار ل.ل تكفي لتغطية النفقات الاضافية للسلسلة مدى سنوات.

صحيح ان المال متوافر، وان استحقاقات السلسلة لن تؤدي بالضرورة الى ارتفاع معدلات الاسعار بسرعة، لكن توقعات النمو المستقبلي بمعدلات تتيح فرص العمل وتحسين الاوضاع المالية أمر يستوجب اصلاحات تتجاوز ما تحدث عنه الرئيس الحريري، وهو ركّز الى حد بعيد على قانون الانتخاب وكيف تم التوصل اليه على رغم انقضاء سنوات على مساعي ابتكار قانون نسبي للانتخابات يؤدي الى نتائج تمثيلية أفضل.

اننا نرى أن الاصلاح لم يبدأ، وأن الحديث عن مكافحة الفساد غير مقنع حتى تاريخه، ولن يكون مقنعًا قبل التخلي عن استئجار البواخر لزيادة انتاج الطاقة الكهربائية ومعالجة النفايات بصورة جذرية وسريعة من غير هدر الاموال على المحارق التي تبلغ كلفة كل منها 400 مليون دولار وتحتاج الى مساحات أرض توازي 400 الف متر مربع على مقربة من المدن الرئيسية، ونصف المساحة تخصص لمعامل الحرق والنصف الآخر لطمر الرماد بعد اشباعه بالمياه لئلا يتطاير ويلبد الجو أكثر من دخان معامل الكهرباء الحالية.

أربع قضايا حيوية تواجه العهد ان كانت ثمة نية للتحسين. أولاها تطوير شبكة توزيع الكهرباء، لان اهتراء الشبكات يؤدي الى خسارة تقنية تساوي 17 في المئة، تلحق بها خسارة بسبب السرقات توازي 20 في المئة.

يعلم الجميع بالخبرة النظرية ان الكهرباء متوافرة من المولدات الخاصة بطاقة تفوق ما تنتجه معامل مصلحة كهرباء لبنان والسفينتان المستأجرتان. ومن المؤكد ان اصحاب المولدات الخاصة يبالغون في فرض الاتاوات، وعلى السلطات تطوير الشبكات وفرض رسوم معقولة على هؤلاء في انتظار توافر الانتاج من معامل قائمة تغذى بالغاز الاقل كلفة والأكثر فاعلية، ووسائل انتاج الطاقة المستدامة بواسطة الالواح الزجاجية والمراوح العملاقة.

هناك مشاريع مقدمة للحكومة عبر الوزارة المختصة تمّكن من انتاج 400 ميغاوات من الطاقة المستدامة خلال سنة، وانتاج الكهرباء بكلفة لا تزيد عن 10 سنتات لكل كيلووات ساعة، دون أي انفاق على استيراد المشتقات أو حتى الغاز. لكن وزير الطاقة ودولة الرئيس لا يفسحان في المجال لاصحاب المشاريع لإقناعهما والسير بمشاريعهم. وقد نشرت وكالة الطاقة الدولية قبل يومين احصاءات تبيّن ان زيادات طاقة انتاج الكهرباء عالميًا كانت بنسبة 60 في المئة لمشاريع الطاقة المستدامة عام 2016 وهذا التطور الاول منذ 10 سنين.

القضية الثانية الملحة والتي تكرس مدماكًا ثانيًا من التوجه الانمائي، معالجة النفايات، وذلك عبر تعميم خبرة معمل النفايات في صيدا الذي يعالج 500 طن يوميًا وحصيلة عمله تصدير 25 في المئة من الرواسب المفيدة كعلف الى افريقيا، و20 في المئة حبيبات بلاستيك يعاد تصنيعها كزجاجات لتعبئة المياه، و20 في المئة بلوكات صلبة يمكن استعمالها لرصف الارصفة، ويتأتى من نشاط المعمل انتاج كهربائي على مستوى 10 ميغاوات تسهم في اضاءة الشوارع الرئيسية في صيدا. لماذا لم تتحرك الحكومة في هذا الاتجاه؟ ان الانكفاء عن خيار الوسائل الانجع والاقل كلفة أمر يدعو الى التعجب.

ثالثة قضايا اطلاق عملية النمو المفيد تتمثل في معالجة مياه الانهر، والمياه التي تجري في قنوات لتبلغ المستهلكين أكانوا مزارعين، صناعيين أم من سكان المنازل. والعجز في هذا المضمار حتى تاريخه معيب، واضرار تلوث المياه تصيب الصحة، وتبعث على التساؤل لدى اللبنانيين والاجانب الذين قد يحجمون عن زيارة لبنان مستقبلاً بسبب تلوث البيئة وخصوصاً المياه التي تتساقط بنسب مرتفعة في لبنان.

القضية الرابعة هي الابتعاد عن الافراط في تحميل المصارف معدلات ضريبية تسهم في تقزيم عمل هذه المؤسسات.

معلوم ان المصارف تستهدف لانتقادات عشوائية ومضرة وهي من المؤسسات الوحيدة التي تنشر ميزانياتها بانتظام وامان، وعائدات ضريبة الدخل من المصارف – قبل الاجراءات الاخيرة كانت توازي 25 في المئة من واردات الضرائب على ارباح 2000 شركة ومؤسسة في لبنان. ومراجعة النتائج المالية للمصارف تظهر ان معدل الربحية لمعظم المصارف العاملة يراوح بين 8 و10 في المئة سنويًا، وتوزيع الارباح لا يمكن ان يتجاوز نسبة 25 في المئة، وتالياً فإن المساهمين في أفضل حال يحصلون على معدل مردود لا يتجاوز الـ2,5 في المئة من استثمارهم، وأن الاستثمار في المصارف لم يعد مجزيًا. وبعد التعديلات الضريبية الاخيرة، لن تتمكن المصارف من استقطاب ودائع اضافية بمعدلات تسمح بتمويل حاجات الدولة، فهل هذه هي النتيجة التي تقصدها الحكومة؟ نأمل ان يكون الامر غير ذلك وان تبدأ الحكومة بخطوات انمائية حقيقية تؤهل لبنان لان يصبح محط اهتمام من جديد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*