مهرجان القدس في الأمم المتحدة أبقى إسرائيل مرة أخرى دولة دون عاصمة معترف بها

العداء الذي تشعر به روسيا والاتحاد الأوروبي تجاه الولايات المتحدة ظهر في التصويت

القدس العربي
هآرتس – صحف عبرية
Dec 23, 2017

مهرجان القدس الذي جرى أمس في الجمعية العمومية للأمم المتحدة أبقى إسرائيل مرة أخرى من دون عاصمة معترف بها. تهديدات ترامب وسفيرته في الأمم المتحدة، نيكي هايلي، ليس فقط لم تكن لها فائدة، بل ألقت الإدارة الأمريكية في حفرة ضيقة يوجد فيها فقط مكان لمقاتلين: إسرائيل والولايات المتحدة. كان ذلك تصويت عالمي على عدم الثقة بالرئيس الأمريكي، إسرائيل ستعاني من شظاياه في المرة المقبلة عندما تريد تجنيد المجتمع الدّولي لأي جهد مشترك ضد إيران أو أي عدو آخر. إذا كان هناك في السابق من قالوا إن إسرائيل ليست ذخرا بل عبئا استراتيجيا على الولايات المتحدة، فإن التصويت أمس وضع الدولتين في المستوى ذاته. لقد أصبحت كل واحدة منهما عبئا على الأخرى.
ولكن في الأقل هناك شيء واحد مهم نجح في أن ينسي قليلا النضال الأهم في الأمم المتحدة. الموعد المحدد، 12 كانون الأول، الذي كان يجب على الكونغرس الأمريكي أن يقدم فيه مشروع قرار لفرض عقوبات جديدة على إيران، الذي مر كأنه لم يكن. الآن بقي الانتظار حتى 15 كانون الثاني، الموعد المقبل الذي يجب فيه على الرئيس أن يقرر إذا ما كان سيجدد العقوبات على إيران (التي تم رفعها في إطار الاتفاق النووي) وبذلك سيخرق الاتفاق أو أن يجدد الاعفاء المطلوب من أجل مواصلة تطبيقه.
يبدو أنه ليس فقط الجمعية العمومية سخرت من ترامب، بل أيضا الكونغرس الأمريكي يُرى متسرعا لأن يمسك حبة البطاطا الساخنة التي ألقاها عليه الرئيس في شهر تشرين الأول عندما رفض المصادقة على أن إيران تقوم بتنفيذ الاتفاق النووي. لو أن الكونغرس أراد دعم إسرائيل في الموضوع المهم جدا لأمنها فقد كان لديه وقت كاف لسن قانون مناسب في هذه الأشهر. ولكن يبدو أنه ليس فقط سحر ترامب، بل أيضا سحر نتنياهو، تبدد في تلة الكابتول. بدل فرض العقوبات على إيران، حصلت القدس على صفعة أخرى.
العداء الذي تطور بين روسيا والصين ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بخصوص العقوبات تدفق إلى التصويت على مكانة القدس وأحدث زخما سلبيا. كل اقتراح أمريكي جديد فيه بشأن إيران من شأنه أن يواجه بمعارضة دُولية. هذا ليس لأنه غير مناسب وغير مجد، بل فقط لأن ترامب هو الذي اقترحه. هنا يكمن أيضا خطر على إسرائيل.
من ناحية إيران (والدول العربية) لم يكن بالإمكان أن يكون تصويت يجلب السرور أكثر برغم أنه تصويت إعلاني غير ملزم. سياسة إيران الخارجية اعتمدت خلال عقود على القطبية في المواقف بين أوروبا وروسيا والولايات المتحدة، إلى حين وحد مجلس الأمن بينهم عندما اتخذ قرارا بشأن سلسلة عقوبات شديدة فرضت على إيران في الأعوام 2006 ـ 2012. على مدى تلك السنين جرت مفاوضات متواصلة وعقيمة بين إيران والوكالة الدُّولية للطاقة النووية.
في تلك الفترة تبنت إيران سياسة «اقتصاد المقاومة» لتجاوز الأزمة الاقتصادية الصعبة التي سببتها العقوبات، التي مثلت اتفاقا دوليا واسعا. فقط بعد انتخاب حسن روحاني رئيسا لإيران، أعطى الزعيم الأعلى، علي خامنئي، الضوء الأخضر لإجراء المفاوضات مع الدول الخمس دائمة العضوية زائد ألمانيا، من أجل التوصل إلى اتفاق ينقذ إيران من الأزمة. لقد أجريت مفاوضات سرية قبل ذلك بوساطة سلطان عُمان، ولكن لأن خامنئي أراد أن يحرم الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد من ثمار الاتفاق السياسي فقد انتظر إلى حين الانتخابات.

جبهة داخلية، اقتصادية وعسكرية

برغم تأطير الاتفاق كانتصار للنظام وإنجاز تأريخي للثورة الإسلامية، وبرغم تأييد خامنئي الكامل للاتفاق والرئيس، فإن انتقاد إيران للاتفاق لم يتوقف حتى الآن. «احتيال غربي»، «عدم الثقة بالولايات المتحدة المخادعة»، «ضعف القيادة الإيرانية»، «تذكرة دخول إلى الثقافة الغربية المعادية»، هذا فقط جزء من الأوصاف التي استقبلت الاتفاق في أوساط المحافظين والراديكاليين. أيضا الإصلاحيون خاب أملهم من الاتفاق الذي حتى الآن لم يحدث، حسب رأيهم، أي تغيير حقيقي في اقتصاد الدولة أو في وضع حقوق الإنسان.
ولكن في المستوى الأشمل، فإن معطيات البنك الدُولي تشير إلى تحسن كبير في الاقتصاد الإيراني. وهذه التحسينات تشمل هبوط التضخم إلى أقل من 9 من مئة (مقابل 35 من مئة في 2013)، نمو بنسبة 9 من مئة (حسب معطيات النصف الأول من 2017)، ازدياد النتاج القومي، إجراء إصلاحات اقتصادية وفرت مليارات الدولارات كانت تدفع للدعم، وتجارة دولية رفعت دخل الدولة وساعدت على استقرار ميزانها التجاري بفائض يزيد على 30 مليار دولار. هذا الازدهار اعتمد على تعاون اقتصادي مع دول كثيرة مثل كوريا الجنوبية التي وقعت في شهر آب مذكرة تفاهم للاستثمار بمبلغ 8 مليارات يورو، وشركة القطارات الإيطالية الحكومية، وهي شركة استشارية لوزارة المواصلات الإيرانية، ويتوقع أن تستثمر 1.2 مليار يورو، والصين التي وقعت مذكرات تفاهم لإنشاء بنية تحتية بمبلغ أكثر من 25 مليار دولار، أيضا التجارة مع الاتحاد الأوروبي تضاعفت في السنة الأخيرة ووصلت إلى أكثر من 10 مليارات دولار.
كل ذلك ينشئ سورا دفاعيا أمام فرض عقوبات جديدة على إيران، في الأقل من جانب دول عدا عن الولايات المتحدة. وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، كانت الأولى التي أوضحت لترامب بأنه «لا يمكن لأية دولة لوحدها إلغاء الاتفاق النووي»، أي أنه لو أرادت الولايات المتحدة الانسحاب أو إفشال الاتفاق من خلال فرض العقوبات، فإن أوروبا لن تنضم إليها. لا توجد حاجة لإضافة أن روسيا والصين لا تنويان الخضوع لسياسة ترامب.
الى جانب النمو الاقتصادي الدراماتيكي تنضم إنجازات إيران في السياسة الخارجية. إن انتعاش النظام في سورية ومشاركة إيران في كل العمليات السياسية التي تواكب اقتراحات الحل للحرب، وتأثيرها الاقتصادي والسياسي في العراق، وفشل السعودية في حسم الحرب في اليمن، والتحطم السياسي في لبنان، كل ذلك حول إيران إلى دولة عظمى إقليمية، أهميتها تكمن في قدرتها على تحديد خطوات استراتيجية أيضا في الدول التي لا تشارك عسكريا في القتال. هي تنسب لنفسها طرد داعش من العراق بفضل 44 مليشيا مؤيدة لإيران تعمل في العراق. هذا في الوقت الذي نقلت فيه الولايات المتحدة إلى العراق مساعدة بلغت 5.3 مليار دولار. لهذه المليشيات توجد صحف وقنوات تلفزة خاصة بها، وجزء منها تم ضمه للجيش العراقي، والأعضاء فيها يحصلون على الرواتب من الدولة. مقاتلو المليشيات الأفغانية في سورية يحصلون على راتب يبلغ 700 دولار شهريا. وهناك جنسية إيرانية مضمونة لهم.
توجد لإيران علاقة قوية مع تركيا وقطر وحتى مع دولة اتحاد الإمارات الشريكة للسعودية في الجهود لكبح نفوذها في المنطقة. مؤخرا استضاف رئيس أركان جيش الباكستان، الذي أعلن أن نية بلاده توسيع التعاون مع إيران. وهي تسعى لإنشاء محور اقتصادي إيراني ـ باكستاني ـ صيني، يمكن أن تنضم إليه أيضا الهند، التي رئيس حكومتها هو صديق مقرب لنتنياهو. هذه العلاقات مع دول وسط آسيا تشكل الجبهة الداخلية الاقتصادية والعسكرية لإيران. في حالة نجاح الرئيس ترامب في فرض عقوبات عليها، وفي الحالة غير الواقعية الآن، التي فيها دول الاتحاد الأوروبي تقتنع بالانضمام، وبذلك إلغاء الاتفاق النووي.

توقعات متشائمة

في مقابل هذه النجاحات تجد الحكومة صعوبة في إقناع الجمهور بأنه ينتظره مستقبلا اقتصاديا أفضل في أعقاب الاتفاق. نسبة البطالة، 12 من مئة، التي ترفض التقلص، البطء الذي تقام به مصانع جديدة، والتي تحتاج إلى أيدي عاملة كبيرة، غلاء المعيشة وتقليص الدعم، تنفخ على الجمر المتقد الذي يهدد نظام روحاني. رفع أسعار رسوم الخروج من 20 إلى 60 دولارا أصبح يثير الخلاف والغضب العام، على خلفية حقيقة أن أكثر من 9 ملايين إيراني يسافرون إلى الخارج كل سنة. في بحث نشر مؤخرا من قبل معهد «كارنجي» الأمريكي تمت الإشارة إلى فشل إدارة أجهزة الرفاه والتأمين الوطني واستغلال قوة العمل المؤهلة في إيران.
أكثر من 150 ألف مواطن إيراني يهاجرون كل سنة، معظمهم مثقفون أكاديميون. سياسة تقليص الولادات التي أعلنها في نهاية الثمانينيات نجحت في خفض متوسط الولادات في العائلة من خمسة إلى ولدين. تغيير السياسات قبل نحو سبع سنوات، الذي تضمن وقف التوزيع المجاني لوسائل منع الحمل، إغلاق مراكز الإرشاد للنساء وخفض سن الزواج للنساء، لم يغير حتى الآن نسبة التكاثر الطبيعي التي انخفضت من 4 من مئة إلى 1 من مئة. نتيجة لذلك يتوقع أن يمر السكان في إيران بثورة عمرية بعد نحو عقدين. وواحد من كل خمسة مواطنين سيكون في سن التقاعد. وزارة المالية الإيرانية لم تبدأ بعد الاستعداد للتغيير المتوقع. والحكومة هي التي تغطي في هذه الأثناء أكثر من ثلثي دفعات التقاعد. الثلث المتبقي يدفع من قبل شركات التأمين الاجتماعي.
هذه التوقعات المتشائمة تجبر إيران على زيادة دخلها بصورة كبيرة، وإجبار العمال على تخصيص جزء أكبر للتأمين الاجتماعي. هذه العمليات الديمغرافية يمكن أن تشكل ضمانة لتمسك إيران بالاتفاق، وهكذا إذا انتهى سريان الجزء العملي للاتفاق النووي بعد أقل من عقد، والرقابة على المشروع النووي ستستمر حتى 2030 في الأقل، فمن المشكوك فيه أن إيران سترغب في التخلي عن الاتفاق الذي يمكنها الآن من تخطيط اقتصادي بعيد المدى. العقوبات يمكنها دائما أن تشكل تهديدا، لكن هناك شك إذا كانت هذه ستكون مطلوبة إزاء التطورات الداخلية في إيران.

تسفي برئيل
هآرتس 22/12/2017

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*