مهرجان الجونة الأول: واحة سينمائية بين الصحراء والبحر

ه
ليلة الإفتتاح

وفيك حبشيان
النهار
27092017

يذكر تييري فريمو في كتابه “اختيار رسمي”، كيف ان المياه اضطلعت بدور مهم في بناء كيان المهرجانات الأعتق في العالم، من كانّ إلى البندقية فلوكارنو. في الجونة، البلدة التي أسستها أسرة ساويرس قبل أكثر من عقدين (تقع على بُعد 22 كلم شمال الغردقة)، مياهٌ ورمالٌ تتداخل بتناغم وانسجام. البقعة الجغرافية برمتها أشبه بواحة وسط الصحراء. ما الذي أوصل السينما إلى هذه الأرض القاحلة؟ هذا ما يحاول المرء فهمه فور وصوله إلى الجونة للمشاركة في الدورة الأولى من مهرجانها الذي دشّن نسخته التجريبية الأولى ليلة الجمعة الفائت.

عادل إمام مكرّماً.

هكذا صحيفة مصرية عرّفت المهرجان الوليد: عين على السينما وأخرى على السياحة. هذه النظرية في ان الفنّ والثقافة يساهمان في تنشيط السياحة وتلميع صورة الجمهورية، لم يتم التأكد يوماً من صحّتها، وإن كانت “عدة النصب” للكثير من التظاهرات الثقافية العربية التي رفعت هذا الشعار لتبرير تبذير المال العام. في الجونة (تمويل خاص)، قد تأتي هذه النظرية بخلاصة مرضية، كونها أصلاً بلدة سياحية تعتاش من السيّاح الذين يسمّرون جلودهم تحت أشعة الشمس الحارقة، ويملأون الـ2200 غرفة التي لا تنتظر سواهم. فمنذ الإعلان الرسمي عن “الجونة” واستضافة حفنة من الصحافيين على يخت الملياردير نجيب ساويرس (مؤسس المهرجان مع الممثلة بشرى) في كانّ الماضي، تكرر اسم الجونة مئات المرات في صحف ومواقع غربية، والحبل لا يزال على الجرار. هذا الانتشار السريع نسبياً ليس فقط بسبب الموازنة الكبيرة التي وظّفها ساويرس في المهرجان، انما أيضاً بسبب العلاقات التي نسجها مدير الجونة العراقي انتشال التميمي في السنوات الأخيرة، منذ تاريخ تسلّمه ادارة البرمجة العربية في مهرجان أبو ظبي وقبله “روتردام للفيلم العربي”.

في الحقيبة التي وزّعها المهرجان على الضيوف (نحو 700 مدعو، بينهم 220 صحافياً) ثمة منشفة وقبّعة. أدركت الإدارة مبكراً انه في منتجع كالغونة، حيث لا يُمكن المرء مشاهدة أكثر من 3 أفلام يومياً حداً أقصى، ثمة وقت يخصصه بعض الضيوف للسباحة في البحر الأحمر والتنزه والجلوس في مقاهي الواجهة البحرية، ثم يحملون كلّ تلك اللحظات إلى غيرهم. وإذا كانت السينما دخيلة على الجونة، ففي السنوات الأخيرة، اشتهرت البلدة بأنشطة موازية (بعضها وضع الجونة على الخريطة)، أهمها أنواع عدة من الرياضات المائية: غطس وتزلج على المياه واسكواتش. ووهذه الأخيرة هي الرياضة التي يشغل أحد لاعبيها (عمرو منسي) منصب المدير التنفيذي في المهرجان.

تصريح الممثل الأميركي مايكل مادسن في زيارته الخاطفة للجونة، ضرب عصفورين بحجر واحد. فهو طمأن ودعا. قال: “عندما تمت دعوتي إلى هنا، الكلّ قال لي ان الذهاب إلى هناك خطر (ضحك). يحب أن أقول إنه ليس خطراً”.

عمرو سلامة، مخرج “شيخ جاكسون”.

حفل الافتتاح جرى في فضاء مفتوح، مسرح المارينا الذي يستوعب نحو ألف شخص. ديكور باذخ جاء على نسق المهرجانات العربية من الجيل الأخير، الخليجي تحديداً. آنسات استقبال يُجبنَ بالإنكليزية وإن خاطبتهن بالعربية. ضيوف يمثلون المجتمع المخملي في مصر. أبّهة وأناقة. فيلم الافتتاح، “شيخ جاكسون” لعمرو سلامة، سبقه صيته. فهو العمل الذي رشّحته نقابة المهن السينمائية لتمثيل مصر في الـ”أوسكار”، قسم أفضل فيلم أجنبي. الترشيح أغضب مجدي أحمد علي، مخرج “مولانا”، الذي كان يتوقع أن يتم ترشيح فيلمه.

إثنان تمّ تكريمهما ليلة الافتتاح: الكوميدي المصري عادل إمام الملقب بـ”الزعيم”، والناقد والصحافي اللبناني إبرهيم العريس. “خبّص” إمام كالعادة، عند تسلّمه جائزته، مستعيداً لازماته الشوفينية الشهيرة (“نحن البلد الوحيد في المنطقة الذي عندنا فنّ تراث بديع جميل”، الخ). مداخلته كانت طويلة. واستغل المنبر لتوبيخ أحمد الفيشاوي، فقال ان “أحمد ده كدّاب قوي”، بعدما كان الممثل الشاب قد قال عن إمام انه يشبه عزت أبو عوف، “الأقرع” بحسب الزعيم!

عندما اعتلى إبرهيم العريس المسرح لتسلّم “النجمة”، قال انه شعر بروح طلعت حرب وهو يلفّ شوراع الجونة. “أشم رائحة سينمائية حقيقية في هذا المهرجان منذ انطلاقه. أشعر بسعادة لأنه يتم تكريم النقد السينمائي من خلالي، وبالتالي تكرَّم مجموعة من الناس خدموا السينما وهم في الظل دائماً. هؤلاء مارسوا هذه المهنة التي لا يريدها أحد وتكاد تنقرض الآن”.

نجيب ساويرس، مؤسس المهرجان.

شخصية سينمائية ثالثة ستُكرَّم ليلة الختام: الممثل الأميركي فورست ويتكر الذي لم يضع أي شروط تعجيزية ككثر من النجوم مقابل مشاركته في مهرجان عربي وليد. ذلك ان اسرة ساويرس سبق ان تبرعت لإحدى مؤسساته الخيرية. ويتكر سيستقل طيارة سياحية من الولايات المتحدة، ثم سيأتي بطيارة خاصة من فرانكفورت. عليه، علمنا ان التكريمات ستستمر على هذا المنوال في الدورات المقبلة: مصري، عربي، وأجنبي.

أميركي آخر يزور الجونة اليوم: أوليفر ستون، المخرج الذي طالما شاكس النظام الأميركي. عملان يُعرضان له: “سنودن” و”حوارات بوتين” (4 أجزاء حققها للقسم الوثائقي في محطة “شوتايم”)، وقد اشترط ستون عرض العملين معاً لحضور المهرجان. طوال سنتين، سجّل مخرج “بلاتون” خمسين ساعة حوارات مشوقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كاسراً الجليد الذي يلف شخصيته.

إنتشال التميمي، مدير المهرجان.

الحفل شابته شوائب تنظيمية، على الرغم من الجهد الكبير الذي بُذل لخلق هذا الحدث في بيئة لا تتوافر فيها الكوادر البشرية والبنى التحتية التي تتيح احتضان مثل هذا المهرجان الطموح الذي لا يزال أمامه طريق طويلة لفرض حضوره بين عدد كبير من المهرجانات السينمائية في العالم. خصوصاً ان “الجونة” لا يدعّي تقديم شيء مختلف عن السائد، ولا يرفع عناوين فضفاضة (سوى شعار “سينما من أجل الإنسانية” الساذج بعض الشيء)، أو يتماهى مع تيمات. “الجونة” حتى الآن سلة عروض. اللافت قول التميمي ان الأهم ليس اختلاف المهرجان عن غيره، بل ان يشبه اصحابه والمكان الذي ينبثق منه.

لولا العاصفة الترابية التي هبّت على البلدة الساحلية ليلة الافتتاح، لجرت الأمور بسلاسة أكبر. حصل ما لم يكن في الحسبان، ربما: الشاشة الضخمة راحت تهتز. ثم، عندما انطلق العرض، ظهر انعكاس داخل الصورة، ما شوّش العرض وأثار امتعاض عمرو سلامة الذي سارع إلى ايقاف الفيلم، ثم تشغليه مجدداً بعد حلّ المشكلة. لكن الهواء ظلّ يلعب خلف الشاشة وارتفع الضجيج في باحة مسرح المارينا، وخصوصاً مع خروج الكثير من الضيوف فور انتهاء الافتتاح.

بعدما انسحبت الرياح في اليومين التاليين للافتتاح، بدت العروض الخارجية في مسرح المارينا مقبولة إلى حدّ كبير، صوتاً وصورة، وهذا ما أثار حماسة الناقد السينمائي أحمد شوقي الذي قال: “عروض الهواء الطلق أجمل طقس وشاشة وصوت وصورة رأيت في مهرجان مصري. يمكن أحدنا ان يشاهد ستة أفلام واحداً تلو الآخر بلا ملل”.

ذروة الافتتاح كانت عندما نعت ممثل فيلم “شيخ جاكسون”، أحمد الفيشاوي، شاشة العرض بـ”البتاع الخرا”. زلة عاد واعتذر عنها في اليوم التالي، الا انه لم يعلق في بال الكثير من المواقع الالكترونية الباحثة عن أخبار سطحية سوى هذه اللحظة، فراحت تقيم حدثاً ثقافياً وليداً انطلاقاً من حادثة عابرة أُعطيت من الاهتمام ما لا تستحقه.

زياد دويري خلال النقاش مع الجمهور.

كان واضحاً ان الدنيا ستقوم ولن تقعد منذ اللحظة التي تفوه فيها الفيشاوي بتلك الكلمة. فبعض الكلمات متل طلقة نارية، وخصوصاً اذا خرجت على مرأى ومسمع صحافة تبحث عن أمور كهذه لتضخيمها وتسويقها. في هذا الصدد، كتب الناقد السينمائي نديم جرجوره: “ما قاله أحمد الفيشاوي، رغم سوئه، أصدق بكثير من ترّهات عادل إمام و”قفشاته” المملة وزعامته الباهتة، وأصدق بكثير من بلاهة مادحيه في شريط تكريمي قبيح ومدّع”.

لم يمر عرض “قضية رقم ٢٣” لزياد دويري المشارك في المسابقة الرسمية (فيها 14 فيلماً) بلا مناوشات وبعض الجدل. كالعادة، كلّ شخص قارب الفيلم انطلاقاً من اقتناعاته السياسية وموقفه من القضية المطروحة والأفكار المسبقة التي بدا ان بعضهم غير مستعد للتخلي عنها. فكان نقاشٌ حامٍ بعد العرض.

محمود حميدة وأسامة فوزي خلال ندوة.

المهرجان ذو طابع دولي، ولكن الغلبة كانت في طبيعة الحال للضيوف المصريين والعرب. ولعل من الضروري رسم إتجاه واضح للمهرجان، على نحو لا يضع انفتاحه على العالم في دائرة الخطر. فالهيمنة المصرية خطر يهدد حدثاً من هذا النوع. ثم ان اكتساب أي تظاهرة سينمائية طابعاً دولياً ليس قراراً، ولا يتحقق فقط من خلال اختيار أفلام من القارات الخمس، وفي هذا المجال يجد المهرجان نفسه في المستقبل أمام تحديات كبيرة لاستقطاب أسماء كبيرة.

في مجال آخر، كان يمكن، على الأقل في دورة أولى ونظراً للامكانات المتوافرة، تشكيل لجان تحكيم من أسماء أرفع شأناً، رغم ادراكنا صعوبة هذا الأمر، نظراً لارتباطات الفنانين ومسائل تقنية اخرى. فمجموع أعضاء لجان التحكيم في المسابقات الثلاث يبلغ عددهم 15، نصفهم عرب ونصفهم أجانب.

عموماً، هذا حدث ثقافي يعمل على خلق مساحة مشتركة بين السينما والسياحة، أهدافه واضحة ونيّاته معلنة، وهو قادر على تجاوز العقبات بقرار سياسي. بين لحظتين، الافتتاح والختام الذي سيشهد عرض فيلم “تدفق بشري” للصيني آي وايواي – يضع الاصبع على جرح التشرد واللجوء – استطاع بعض السينيفيليين (منهم مَن جاء من القاهرة خصيصاً) معاينة مجموعة من الأفلام التي نالت التقدير في المهرجانات الدولية، منها “الساحة” للأسوجي روبن أوستلوند الفائز بـ”سعفة” كانّ هذه السنة.

الجمهور في الجونة.

يبقى التحدي الأكبر: كيفية جذب الجمهور في بلدة عدد سكانها عشرة الآف نسمة. الشروط التقنية من صوت وصورة متوافرة في الصالات التي تُعرض فيها الأفلام (نحو 2000 كرسي موزعة على خمس صالات). التزام مواعيد العرض وعدم الغاء أفلام أو استبدالها في اللحظة الأخيرة من الأشياء التي لاحظناها أيضاً، وهذا شرط أساسي لايصال أي مشروع إلى الاحترافية. حقيقة يدركها جيداً انتشال التميمي، اذ يقول ان تشكيل برنامج رائع يكون نجاحه ناقصاً اذا لم يوازه وجود دور عرض كافية وملائمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*