من يقتل السلام في سوريا؟


عبد الكريم أبو النصر
10 آذار 2017
النهار

“لن تقود مفاوضات جنيف 4 الى بدء تطبيق عملية الانتقال السياسي للسلطة من نظام الرئيس بشار الأسد الى نظام جديد تعددي غير طائفي، استناداً الى ما تنص عليه قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وأبرزها القرار الرقم 2254، بل أن المعادلة الأساسية التي تهيمن على المفاوضات هي أن طرفي الصراع أي النظام والمعارضة عاجزان عن إنقاذ سوريا، لأنهما عاجزان عن الاتفاق على صيغة مشتركة لانهاء الحرب وانجاز حل سياسي حقيقي شامل للأزمة قابل للتطبيق، ولأن الضغوط الدولية والاقليمية والداخلية متضاربة وغير مؤثرة، وتالياً ليست كافية لتحقيق ا ختراق يؤدي الى التسوية الشاملة لهذا الصراع. وهذا الوضع ليس انتصاراً لنظام الأسد العاجز تماماً عن الامساك بسوريا وحل مشاكلها الضخمة”. هذا تقويم مسؤول دولي بارز في باريس معني بالملف السوري استناداً الى تجربته ومعلوماته وحصيلة اتصالاته، وقال: “إن هذا الوضع الميؤوس منه بقطع النظر عن الجهود الكبيرة التي بذلها ويبذلها المبعوث الدولي الخاص الى سوريا ستافان دو ميستورا وعن تلك التي بذلها قبله المبعوثان الدوليان السابقان كوفي أنان والأخضر الابرهيمي، مردّه الى العوامل الرئيسية الآتية:
أولاً، بات النزاع السوري بتعقيداته المتنوعة أكبر وأكثر صعوبة من قدرات الأفرقاء السوريين أنفسهم على حله. فنظام الأسد المتفوّق عسكرياً بفضل الدعم الكبير الذي يقدمه له الروس والايرانيون وحلفاء طهران وليس بفضل قدراته الذاتية، ضعيف سياسياً في الداخل والخارج، وعاجز عن أن يفرض بالتعاون مع حلفائه على جميع المعنيين الحل السياسي الذي يحقق له أهدافه وينهي الحرب استناداً الى شروطه.
ثانياً، الانجازات العسكرية للنظام لن تبدّل جوهر الصراع وطبيعته ولن تمنح الأسد القدرة على الإمساك بالبلد وإدارته وفقاً لشروطه وخططه. بل أن الحل الوحيد سياسي والحل السياسي الحقيقي الشامل المتفق عليه، اقليمياً ودولياً على نطاق واسع والذي كرّسته قرارات عدة أصدرها مجلس الأمن، مما يمنحه شرعية دولية، يتطلب الانتقال السياسي للسلطة الى نظام جديد تعدّدي غير طائفي يحقّق الاهداف والمصالح المشروعة لكل مكوّنات الشعب. والأسد يسعى من غير جدوى الى فرض الحل الوحيد الذي يناسبه ويضمن بقاءه في السلطة وبقاء نظامه بتركيبته وقيادته وتوجهاته الأساسية مع بعض التعديلات الشكلية، وكأن شيئاً لم يحصل في البلد في السنوات الست الاخيرة. والروس والايرانيون عاجزون عن فرض الحلّ الذي يريدونه والمقبول اقليمياً ودولياً وداخلياً، بل أن مصالحهم وأهدافه متناقضة ومتضاربة.
ثالثاً، المعارضة السورية المعتدلة المعترف بها إقليمياً ودولياً على نطاق واسع ليست قادرة على تغيير هذا الواقع، لكنها تملك القدرات الداخلية العسكرية والشعبية والدعم الاقليمي والدولي وإرادة الصمود من أجل التمسك برفض بقاء الأسد في الحكم، وبضرورة تغيير نظامه جذرياً وتطبيق الحل الدولي الشرعي للصراع وتمارس دوراً أكبر من حجمها، إذ أن مطالبها تهدف الى تحقيق التطلعات والمصالح المشروعة للغالبية الكبيرة من السوريين الذين يطمحون الى قيام حكم جديد ينقذهم من الحكم القائم الذي ألحق الكوارث بسوريا وأنهى وجود البلد الذي عرفه العالم قبل اندلاع الثورة عام 2011.
وشدّد المسؤول الدولي على “أن العقدة الحقيقية في المفاوضات ليست تمسّك المعارضة المعتدلة بضرورة تطبيق القرارات الدولية الشرعية، التي تنص على ضرورة انتقال السلطة الى نظام جديد تعدّدي، بل أن العقدة الحقيقية هي تمسك الأسد بالسلطة ورفضه الاعتراف بوجود شعب محتج يمتلك مطالب وحقوقاً مشروعة ويمثل الغالبية الكبيرة من السوريين، وعجزه مع حلفائه عن إنجاز حل سياسي حقيقي ينهي الحرب ويعالج المشاكل الهائلة للبلاد ويعيد إعماره، الأمر الذي يتطلب انفاق مئات المليارات من الدولارات وضمان دعم دولي – اقليمي استثنائي ضخم لن يحصل عليه”.
وخلص المسؤول الدولي الى القول: “المفاوضات ستظل تدور في حلقة مفرغة لن تحقق النتائج المطلوبة لأن القرار ليس في أيدي الأسد والمعارضة، بل أنه في أيدي زعماء الدول المؤثرة الذين يتصارعون ويتقاسمون النفوذ والمصالح في دولة فقدت وجودها الحقيقي، وهم عاجزون عن الاتفاق على تطبيق الحل الحقيقي للصراع وعاجزون عن تسجيل انتصار حاسم لأي منهم. والمهزومون الحقيقيون في هذا الصراع هم السوريون أنفسهم”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*