من مخفر رأس بيروت الى مخفر حبيش ثم إلى فصيلة رأس بيروت مجدداً

قبل إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، كانت ولاية بيروت ترتبط بمقر السلطنة العثمانية في اسطنبول ويستقر مدير الشرطة اللبنانية في مبنى وسط بيروت، في ما عرف لاحقاً بساحة الشهداء. وزعت مخافر الولاية، ثم لاحقاً عاصمة دولة لبنان الكبير، على مساحة المدينة، يدير كل منها مفوض شرطة يعاونه معاون مفوض وشرطيون من الجنسية التركية ثم اللبنانية في ما بعد.. استقر مخفر رأس بيروت في المنطقة المعروفة حالياً: كليمنصو، مكان مبنى بنك بيروت والبلاد العربية، تولاه المفوض يوسف حبيش، يعاونه المعاون خليل صعب و5 شرطيين وشملت مسؤولياته الأراضي المعروفة برأس بيروت حالياً حتى الرملة البيضاء وشارع فردان ومنطقة الحمراء.

عام 1919، تعرض أحد الجنود البريطانيين في بيروت للاعتداء من أفراد من عائلة دعبول البيروتية وأصيب الجندي بطعنات خطرة وأنقذ من الموت المحتم. استدعى مدير الشرطة وقتذاك الأستاذ الياس فياض كلاً من المفوض يوسف حبيش والمعاون خليل صعب وطلب اليهما توقيف الجناة فوراً تنفيذاً لأوامر المفوض السامي الفرنسي الصارمة وسوقهم الى القضاء وإعادة الهيبة الى الشرطة.

جهز المفوض ومعاونه ثلاثة عناصر أشداء وانطلقوا يلاحقون الأشرار الذين اعتدوا على الجندي الإنكليزي، وهم معروفون من المعاون خليل نظراً إلى خدمته القديمة في المنطقة. تمكن عناصر المخفر من توقيفهم بصعوبة بعد هربهم في بساتين التوت والليمون في المحلة واقتادوهم مكبلين باتجاه مقر مديرية البوليس ساحة البرج.

فيما هم عائدون فرحين بإنجاز أمني نفذوه بتوقيف الجناة الثلاثة، وبوصولهم قرب محلة الصنائع اليوم، شاهد المفوض حبيش مجموعة شبان وتراءى له استجلاء هوياتهم ظناً منه أن بينهم مطلوبين. لم يستجب المفوض لنصيحة معاونه بضرورة إيصال الموقوفين من آل دعبول الذين اعتدوا على الجندي الإنكليزي الى الدائرة، وفقاً لأوامر مدير الشرطة، نظراً إلى قلة عدد الشرطيين وعدم الاستعداد لمواجهة جديدة غير متوقعة ومحسومة النتائج، ثم العودة اليهم، لكن المفوض حبيش اندفع للتصدي لهم مستخدماً مسدسه الأميري ومتكلاً على شجاعته، فيما بقي المعاون والشرطيون الثلاثة بحراسة الموقوفين من آل دعبول. على الفور أطلق أحد الشبان النار باتجاه المفوض يوسف من الخلف فأصيب وسقط أرضاً كما أصيب أحد الموقوفين من آل دعبول مع شرطي أثناء مساندة الدورية للمفوض يوسف بمهمته. وانبرى المعاون خليل صعب، وهو المتمرس بالتصدي للأشقياء ومنازلتهم ويمتلك قدرات جسدية مميزة، حيث تعارك معهم وتبادل وإياهم إطلاق النار فقتل أحدهم وفر الباقون تحت جناح الظلام بين الأشجار. وقد أنهكت العناصر الأمنية جراء المعاركة وتبادل طعنات السكاكين وإطلاق النار من المسدسات التي ينقلونها على وسطهم، وانشغلوا بالمحافظة على الموقوفين بحوزتهم وسرعة نقل المفوض الجريح الى مستشفى الكلية (الجامعة الأمركية حالياً)، لكنه استشهد في اليوم التالي متأثراً بجراحه الثخينة، وعولج الجرحى من آل دعبول والشرطي والمعاون الذي أصيب أيضاً بطعنات سكين أثناء تعاركه مع أحد الأشقياء، وفقاً لإفادة المفوض خليل صعب الموجودة في أضبارته والمرفوعة الى مستشار الشرطة الفرنسي بتاريخ 19 أيلول 1919.

نتيجة شجاعة وبسالة المعاون خليل صعب منح وساماً رفيعاً ورقي الى رتبة مفوض في الشرطة وعين لاحقاً رئيساً لمخفر رأس بيروت الذي أصبح مخفر حبيش تخليداً لذكرى المفوض الشهيد يوسف حبيش.

بعد أسابيع قليلة، تولى مديرية الشرطة السيد فوزي رمضان، وهو تحرٍّ سابق بزمن السلطنة العثمانية، فاستدعى المفوض خليل صعب، رئيس المخفر وطلب اليه سرعة توقيف الأشقياء الذين قتلوا المفوض حبيش ولو أدى ذلك لقتلهم ثأراً لدماء رفيقه الشهيد، وإعادة الهيبة للشرطة، والمحتمل وجودهم في منطقة نهر أبو شاهين (ساقية الجنزير حالياً) وفقاً لاستخبارات وردت الى مدير البوليس.

كانت محلة ساقية الجنزير مطلع العام 1920 عبارة عن بساتين وغرف زراعية متباعدة فانبرى رئيس المخفر المقدام، خليل صعب، وثلاتة من معاونيها الأشداء بالتصدي لهؤلاء القتلة الذين تبادلوا النار مع عناصر المخفر وتعاركوا معاً مستخدمين الساكين أحياناً بعدما نفدت الذخيرة. وقد ساهم المفوض داود أبو شقراء رئيس مخفر البسطة بحينها والذي صودف وجوده بالمحلة، بدعم المفوض خليل، وبنتيجة القتال الضاري لأكثر من ساعتين، قتل اثنان من الأشقياء وفر الثالت ليتم توقيفه لاحقاً ويموت في السجن أثناء تنفيذه الحكم الجزائي.

أنعمت الحكومة على المفوض خليل ورجاله الأشداء بمكافآت وترقيات تقديراً لبسالتهم بفرض الأمن وبسط هيبة الدولة بحينها.

منذ عامين تقريباً، ومن ضمن إدخال برنامج الشرطة المجتمعية الى قوى الأمن الداخلي، أعيدت تسمية فصيلة رأس بيروت الى القطعة عينها، بعد انقطاع لأكثر من 85 سنة فيما بقيت تسمية مجمع حبيش قائمة حيث يضم المبنى قطعات: قسم المباحث العامة، مكتب مكافحة المخدرات المركزي، مكتب مكافحة القمار، ومكتب حماية الآداب ومكافحة الاتجار بالبشر. وها عناصر فصيلة شرطة رأس بيروت كما كانوا منذ عشرات السنين، ينفذون خدمتهم عبر دوريات راجلة وسيارة وعلى الدراجات، ذكوراً وإناثاً، وعلى مدار الساعة، لا سيما على كورنيش عين المريسة الذي يعج بالمتنزهين وممارسي رياضة الركض والمشي بكل الأوقات، ينشرون الأمن والطمأنينة، بحرفية متقدمة، وأعيد الى الشرطة مفهوم الخدمة المجتمعية باستخدام الوسائل الحديثة ومراقبة فاعلة من إدارة قوى الأمن الداخلي العريقة بعملها الأمني، والموثوق بقدراتها على التصدي للأشقياء ومحترفي الأساليب المتقدمة بارتكاب الجرائم بحق المواطنين فتلاحقهم وتمارس دورها في الأمن الوقائي لمنع ارتكاب الجرائم، والدور القمعي بتوقيف الجناة وضبط الأدلة والقيام بوظيفة الضابطة العدلية بإشراف النيابات العامة المختصة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*