من قُم إلى البصرة… الصراع ضد الظلم ينبذ الطائفية

 


جلبير الأشقر
Sep 12, 2018
القدس العربي

منذ هبّة الجماهير الإيرانية ضد حكم «ولاية الفقيه» التي بدأت قبل عشرة أشهر، تتكاثر بشائر تحوّل في المناخ السياسي الإقليمي باتجاه يتعارض مع الأجواء الطائفية البغيضة التي سادت في السنوات الأخيرة. وقد شهدنا كيف تضافرت جهود قطبي الطائفية الرئيسيين في المنطقة، ألا وهما الحكمان السعودي والإيراني، في بثّ تلك الأيديولوجية اللعينة سعياً منهما وراء خنق الطاقة التحرّرية العظيمة التي انفجرت أثناء «الربيع العربي» قبل ما يناهز ثماني سنوات.
فبعد وأد انتفاضة شعب البحرين بلجوء مكثّف إلى الكراهية الطائفية مدعوماً بتدخّل عسكري مضاد للثورة قادته المملكة السعودية، تركّزت مساعي القطبين على سوريا حيث بذلت طهران جهدها لتعبئة جماعات من المقاتلين على أساس طائفي للذود عن حكم آل الأسد بينما حفّز الذين نصّبوا أنفسهم أولياءً على المعارضة السورية نموّ جماعات مسلّحة قائمة على أساس طائفي مضاد، بما أدّى إلى طمر الأماني الديمقراطية التقدّمية التي انتفض الشعب السوري من أجلها تحت أكوام من الزبالة الطائفية. وقد تمّ استخدام السمّ الطائفي عينه في درء التحاق العراق ولبنان بانتفاضات «الربيع العربي»، وهي حيلة قديمة تلجأ إليها الطبقات السائدة كلّما هدّدتها ثورة من أسفل المجتمع، فتسعى وراء استبدال الانقسام الاجتماعي بين القاهرين والمقهورين بآخر بين المقهورين أنفسهم.
والحال أن الترياق الوحيد الذي يستطيع إبطال مفعول السمّ الطائفي هو (إعادة) انشطار كل طائفة وجماعة بين قاهريها وغالبيتها المقهورة بحيث تتجدّد شروط الالتحام بين المقهورين على اختلاف طوائفهم ومللهم وأجناسهم وقومياتهم في نضال مشترك ضد كافة أصناف القهر، هو شرط التحرّر الحقيقي والتقدّم التاريخي. لذلك تحتلّ الأحداث التي تتالت في الأشهر الأخيرة في إيران وجنوب العراق من انتفاضات شعبية لجماهير شيعية المذهب ضد المستبدّين بها، ومركز سلطتهم طهران سواء أكانوا إيرانيين أم عراقيين، تحتلّ تلك الأحداث أهمّية بالغة في إعادة أوضاع منطقتنا إلى حالة الانقسام الاجتماعي التحرّري الذي ساد خلال «الربيع العربي» قبل انتكاسته.
وقد جاءت انتفاضة جماهير البصرة لتعزّز بقوّة الاتجاه إلى إعادة استبدال الانقسام بين المظلومين أنفسهم، وهو سبيل اضطهادهم أجمعين، بالانقسام التحرّري بينهم والظالمين، الذي هو سبيل تحرّرهم من الظلم. فكما ورد في التقرير عن انتفاضة البصرة الذي نشرته «القدس العربي» يوم السبت الماضي، «بعث استهداف المتظاهرين الغاضبين للقنصلية الإيرانية وحرقها رافعين شعارات «إيران برّة برّة والبصرة تبقى حرّة» برسالة رفض واضحة لتدخّل إيران الواسع في البصرة ودعمها للميليشيات والأحزاب الفاسدة المهيمنة عليها وعلى مقدّراتها».
وبالطبع، يدرك الجميع أن «تدخّل إيران الواسع» لا يقتصر على البصرة بل يشمل العراق برمّته، فضلاً عن سوريا ولبنان وغيرها من الساحات العربية التي طالتها سياسة طهران التوسّعية، تلك السياسة التي يشكّل «حرس الثورة الإسلامية» أداتها بامتياز. لذا فمن الأهمية بمكان أن يكون رفض السياسة التي يمارسها نظام «ولاية الفقيه» في الساحات العربية غير مقتصرٍ على من يُحسبون على السنّة طائفياً بل وغير مقتصرٍ على العرب قومياً، إذ يشمل الجماهير الإيرانية التي انتفضت مراراً خلال السنوات والأشهر الأخيرة تطالب هي أيضاً بوقف تلك السياسة التي يتحمّل الاقتصاد الإيراني كلفتها الباهظة ويرى فيها شعب إيران سبباً رئيسياً مباشراً وغير مباشر (من خلال تبعات تلك السياسة دولياً) في تردّي أوضاعه المعيشية.
فالجماهير الإيرانية هي أيضاً مؤيّدة لشعار «إيران برّة برّة» بمعنى الرغبة في إنهاء السياسة التوسّعية التي ينتهجها النظام الحاكم. والحال أن المعارضة لنهج طهران لا تقتصر على العامة من أفراد الشعب الإيراني، بل تشمل أيضاً أقطاباً إيرانيي الهويّة من المرجعية الشيعية العليا. وقد رأينا في آذار الماضي كيف انتشرت الاحتجاجات من قُم وغيرها من المدن في إيران إلى النجف وكربلاء والبصرة والكويت إثر اعتقال إبن السيّد صادق الحسيني الشيرازي، حسين، من قِبَل السلطات الإيرانية لتشبيهه نظام «ولاية الفقيه» بالنظام الفرعوني.
ولهذه المعارضات من داخل القومية والطائفة الواحدتين أهمّية بالغة في إفشال مساعي الحكم السعودي الرامية إلى تجييش السنّة في حرب طائفية شاملة ضد الشيعة ومن يُحسبون عليهم بتوسيع التعريف، تلك السياسة المقيتة والمجرمة التي شكّل تنظيم «القاعدة» ومن بعده تنظيم «داعش» نتيجتيها الطبيعيتين. والتنظيمان ومن لفّ لفّهما علامات بارزة على انحطاط الأوضاع العربية، ذلك الانحطاط الذي هبّت انتفاضة «الربيع العربي» الكبرى كي تقضي عليه وفشلت، فجاءت الانتكاسة بمزيد من الانحطاط كما يحصل عادة في الانتكاسات. لكنّ «الربيع» كان محطّة سوف تليها محطّات أخرى لا مُحال، حتى تكنيس الأوضاع الإقليمية من عفونتها المتراكمة منذ عقود.
ويشارك شعب إيران في هذه المعركة طويلة الأمد، بل كان له الفضل في البدء بها من خلال انتفاضته عام 2009، إذ أن مصلحة المظلومين واحدة عرباً أكانوا أم إيرانيين أو كُرداً أو غيرها من القوميات، ومهما كان المذهب الديني الذي ينتمون إليه أو يُحسبون عليه. فهي معركة الكادحين ضد المنتفعين لا طائفة لها ولا قومية، وسوف تنتصر في نهاية المطاف لأنها تجري بمجرى التاريخ العريض، مهما واجهت ظرفياً من رياح معاكسة.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*