من فلسطين الى تونس… المرأة حارسة الذاكرة الشعبية

 


هيفاء زنكنة
Sep 25, 2018
القدس العربي

كان معرض «قول يا طير»، حول الذاكرة والرواية الفلسطينية، الذي أقامته مؤسسة الرواة للدراسات والأبحاث، بأشراف د. فيحاء عبد الهادي، في العام الماضي، برام الله، متميزا بكل المقاييس. اكان نتاجا لعمل المؤسسة الهادفة الى توثيق الرواية الفلسطينية، وتقديمها بكافة أنواع الفنون والوسائط المرئية والسمعية والمكتوبة والتفاعلية، كوجه من أوجه مقاومة المحتل، لاضاءة الحقيقة.
روى المعرض حكايات المهجرين الفلسطينيين عام 1948 وشهادات من عاشوا الترحيل القسري، بشكل فني، أريد منه، بالإضافة الى التوثيق، ان يكون ابداعيا في التواصل مع المشاهد، كما أطلقت المؤسسة كتابين هما: «ذاكرة حيّة»، و«مرآة الذاكرة»، باللغتين العربية والإنكليزية، أعدَّتهما وحرَّرتهما د. فيحاء.
حاليا، تقوم المرأة التونسية بتبني طريق مماثل للتعبير والتوثيق والتواصل، على الرغم من اختلاف الوضع الشاسع، بين فلسطين وتونس. الا انها تعمل، كما أختها الفلسطينية، على استعادة حقها في كتابة تاريخ، طمس لأنه لا يساير الصورة الجاهزة المتداولة رسميا اما بفعل الاستعمار الاستيطاني، في حالة فلسطين، او الدكتاتورية في حال تونس.
من بين هذه المحاولات، قيام سبع نساء تونسيات، بدعم من جامعة برمنغهام البريطانية والمركز الدولي للعدالة الانتقالية، بتنظيم معرض أفتتح، منذ أيام، بعنوان «القفة»، وهي السلة المستخدمة لنقل الطعام الى السجين.
لماذا المعرض؟ تشير المنظمات الى أهمية استخدام الفن كوسيلة، غير تقليدية، اولا « لإبراز انتهاكات حقوق الإنسان التي طالت النساء في تونس زمن الديكتاتورية، وما تعرضن له من قمع ومعاناة ارتبطت بالقفة»، وثانيا، «لحفظ الذاكرة من خلال جمع التفاصيل التاريخية الدقيقة، وتسليط الضوء، بطريقة فنية، على الآثار التي خلفتها هذه الانتهاكات، خاصة على النساء حاملات «القفة» اثناء زياراتهن للسجون». فضلا عن «الاستفادة من مراجعة الماضي لبناء مستقبل يسوده العدل والعيش المشترك».
يتبين من شهادات النساء المشاركات ان للقفة دلالات رمزية متعددة ترتبط بالذاكرة الجماعية للنساء اللواتي أما تعرضن أنفسهن للاعتقال أو اصابهن رشاش القمع بسبب اعتقال احد افراد عوائلهن، لأسباب سياسية، في حقبة زمنية معينة. تقول المهندسة الفلاحية خديجة صالح: «قبل ان تكون القفة اداة لحمل حاجيات السجناء، هي جسر يربطهم بالعالم الخارجي. فهي الشاهد الناطق على المعاناة داخل وخارج السجن». اما السجينة السياسية الأستاذة نجاة القابسي فتقول: « كانت القفة، بالنسبة الي شخصيا، ساعي بريد، يحمل إلي محبة واهتمام عائلتي، ورمز كرامتي داخل السجن، ولم أدرك، حينئذ، كم كانت عبئا على عائلتي». أما الناشطة الحقوقية هالة بوجناح فتبين ان للقفة استخداما لغويا مغايرا اذ «تستخدم عبارة «هزّان القفة» او «حمل القفّة»، مثلا، كرمز للتونسيين الموالين للنظام القديم والذين اتخذّوا مهنة الوشاية والابلاغ عن جيرانهم أو أصدقائهم أو أفراد أسرهم الى أجهزة الدكتاتورية الأمنية، لقاء الحصول على امتيازات وفوائد مادية او غير مادية». وبينما تعرف هناء عبدولي، مسؤولة جمعية نسائية، معنى القفة بأنها: «حنين للحرية، حنين لمغادرة الأسوار، هي حلم الخلاص من الأوجاع والقهر والإذلال»، تنتقل الى أهمية توثيق دلالة القفة «لأنها ارتبطت بحياة جيل» مما يجعل نقلها الى الاجيال التالية، ضرورية لتؤرخ لحقبة من الاستبداد وما رافقه من انتهاكات جسيمة لحرمة الإنسان الجسدية والنفسية، ولكي لا ننسى عذابات المقهورين، لتبقى الإنسانية متحدة، لمواجهة أي انحراف أو تهديد لحرية الإنسان، أي إنسان». وتشاركها طالبة علم النفس هنيدة جراد المشاعر نفسها: «لا يمكننا فهم اليوم دون اخذ العبرة من الماضي، هكذا يصبح الحوار بين الاجيال ركيزة تمكن من تضميد الجروح وبناء مستقبل مشترك».
«من خلال تصورات فنّية وابداعية يمتزج فيها الأمل بالألم» ارادت المشاركات تقديم شهاداتهن، حسب ناشطة المجتمع المدني هبة بن الحاج خليفة. ويخطئ زوار المعرض إذا ما حدث وتوقعوا رؤية لوحات او صور، عن معاناة النساء، معلقة على الجدران. فالمعرض غير عادي من ناحية التنظيم او حتى التسمية. انه، كما صممه وأشرف على تنفيذه «مخبر المتحف»، أقرب ما يكون الى متحف حي، يجسد مفهوم ودلالة القفة حسب شهادات النساء. حيث يتجول الزائر بين ما يشبه الزنزانات ليشاهد فيلما ويصغي لأصوات السجناء واغاني الصمود ويشاهد كيفية اعداد وجبات الطعام لتوضع بالقفة ثم يدور حول الباحة التي يتمشى بها السجناء. خلال تواجده في المكان المغلق بأضوائه الخافتة، يتقمص الزائر شخصية السجين. أنه السجين والزائرة معا، وهو حاملة القفة ومستلمها. عبر هذه الثنائية تلغى الفروق ليكون الهم واحدا، مشتركا. انه العالم الخارجي وغياهب السجن في آن واحد. أن استخدام الصوت والصورة والقضبان والاسلاك الشائكة، لخلق حالة من التماهي الإنساني، الرمزي، بين زائر المعرض والسجين الافتراضي، هو محاولة تعبيرية ناجحة عن تجربة المساهمات. تقول خديجة صالح: «بالنسبة إلي يعتبر المعرض نقطة تحرر من قيود داخلية وتعبيرا عن الحرية التي اكتسبناها بعد الثورة. فما يقع داخل السجن وحتى خارجه كنا نهمس به همسا، لم نعد كذلك. تحررنا من خوفنا ومن القيود النفسية التي حكمتنا، لننقل تجربتنا الى الجميع». هو، اذن، تجربة أولية، تصلح، ان تكون، مستقبلا، نواة لمتحف تونسي وطني، ليس عن الإحساس بالمظلومية بل عن الشجاعة والجرأة، عن الذاكرة المؤثثة بالتاريخ، ومقاومة الأنظمة القمعية، من اجل حرية الرأي والمعتقد، وان يكون، شاملا لكل الحقب السياسية ولمعتقلي الرأي أيا كان انتمائهم. هذه المشاريع، قد تبدو بسيطة وهي ليست قادرة على احداث تغيير فوري، الا ان المثابرة على القيام بها، ومواصلة العمل، سيؤدي، على المدى البعيد، الى احداث تغيير عضوي أعمق مما هو ظاهر، حاليا. انه واحد من آليات كسر الصمت والوقوف شامخي الرأس باعتداد وكرامة، إذ «لا يستطيع أحدٌ ركوب ظهرك إلا إذا كنتَ منحنياً» كما يذكرنا القس والناشط الحقوقي الراحل مارتن لوثر كينغ.

٭ كاتبة من العراق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*