من عقلية التبعية والاستتباع الى الاختيار المسؤول والرأي الحر: ذلك هو الرهان

زهيدة درويش جبور – أستاذة جامعية
المصدر: “النهار” 6 شباط 2018 | 12:42


أن ما كشفت عنه الانتخابات البلدية في بيروت، كما الحراك المدني في مواجهة أزمة النفايات، يدعو الى التفاؤل(النهار).

التزمت هذه الصحيفة خلال تاريخها الطويل، الرأي الحر، والكلمة المسؤولة فأضحت افتتاحياتها وأعمدتها بما تعبّر عنه من جرأة في الموقف ووعي عميق للواقع ورؤيا تجاوزية، موضع ترقب وانتظار لدى اللبنانيين جميعاً، بل صارت تشكل ميزانا دقيقاً وحساساً لتطلعات الرأي العام. فأضحت “النهار” صحيفة لكل الوطن تجمع بين الرأي والرأي الآخر، وتتنوع فيها المواقف والتحليلات لتقدم قراءة موضوعية لتعقيدات الحياة السياسية اللبنانية وما تختزنه من تشجنات وصراعات. وفي معركة الحريات والسيادة والكرامة كانت “النهار” على الدوام في الخطوط الأمامية، لا تهادن ولا تساوم، لكن الثمن كان غالياً وقد دفعه سجناً كبيرها غسان تويني قبل أن يصبح الدم هو الضريبة الأغلى: دم سمير، ودم جبران، الذي سعى لبناء وطن على مستوى تطلعات شعبه فاستُشهد، تماماً كذلك البطل الذي وصفته ناديا تويني في إحدى قصائدها الرائية حيث قالت: “في مكانٍ ما رجل مات لأنه تزحلق على الضوء”.

مما لا شك فيه أن هذا الإصدار الخاص الذي يأتي تأكيداً لدور لطالما لعبته “النهار” كمساحة للحوار، يتخذ أهمية خاصة ونحن على عتبة استحقاق دستوري ينتظره اللبنانيون على أمل إحداث التغيير المنشود وبناء الوطن الذي يستحقونه ويستحقهم. لكن يبدو أن دون ذلك عقبات كثيرة، بدءاً من النظام الانتخابي نفسه الذي تمّ تفصيله بدقة وفقاً لحسابات الطبقة الحاكمة وعلى مقاسها بما يضمن لها الحصة اللازمة من المقاعد التي تخولها الإمساك بمفاصل السلطة، ما خلا بعض الاستثناءات والخروقات التي يمكن أن يحققها المجتمع المدني والمرشحون المستقلون في حال كانت لدى هؤلاء الإمكانات اللوجستية التي تمكنهم من الترشح.

لقد فشلت الطبقة السياسية التي تعاقبت على حكم البلد منذ نهاية الحرب الأهلية في إعادة بناء دولة المؤسسات التي ترتكز على احترام الدستور بما يضمن الممارسة الديموقراطية الصحيحة القائمة على عدالة التمثيل وعلى المحاسبة والشفافية. كما فشلت في بلورة رؤى وتبني استراتيجيات اقتصادية واضحة تساهم في تحقيق التنمية الشاملة، فغرق البلد في بحر من الديون وصار رهناً بالمساعدات التي تأتي أو لا تأتي من الدول المانحة، وذلك وفقاً لأجندات تلك الدول.

لو تفحصنا المشهد الحالي لوجدنا أن أغلب القطاعات المنتجة تعاني من مشكلات جمة: فالإنتاج الزراعي الى تراجع في ظل صعوبة التصدير وضيق الأسواق نتيجة للأزمة السورية، إضافة الى العجز عن مكافحة التهريب، والصناعة تعاني من ضعف في البنى التحتية ومن ارتفاع في أسعار الخدمات كما من منافسة البضائع الأجنبية وإغراق الأسواق بالسلع المستوردة. أضف الى ذلك كله، استشراء الفساد، وإنه لمن المضحك المبكي أن نسمع الممسكين بالسلطة يتراشقون التهم مطمئنين إلى استسلام اللبنانيين للأمر الواقع وعجزهم عن محاسبتهم. مردّ ذلك الى أن اللبنانيين لا يزالون جماعات تحكمها الاصطفافات الطائفية والعصبيات المذهبية، وأنهم لم يرقوا بعد الى مستوى المواطنين الذين يمارسون مواطنيتهم بحرية ومسؤولية. فمنطق التبعية والاستتباع لا يزال يحكم العلاقة بين الشعب والسلطة الحاكمة في ظل نظام قبلي، عشائري، طائفي يقوم على مبدأ “الزعامة” المتوارثة، وعلى الاستغلال السياسي للانتماءات الطائفية بحيث تطغى هذه الانتماءات على الهوية الوطنية الجامعة.

كيف السبيل الى المواجهة؟ بإعادة الاعتبار إلى السياسة نفسها التي ترتبط في جوهرها بتحقيق الصالح العام. والاستحقاق النيابي قد يوفر فرصة للبدء في تصحيح المسار. ذلك أن ما كشفت عنه الانتخابات البلدية في بيروت، كما الحراك المدني في مواجهة أزمة النفايات، يدعو الى التفاؤل. لكن الدرب طويل وشاق وهو يبدأ بالعمل على تغيير الذهنيات من خلال الانخراط في عملية مستمرة لتعميق الوعي الوطني، وبناء الذاكرة التاريخية الواحدة، ونشر ثقافة المواطنة. يقول إرنست رينان: “الأمة هي تعبير متجدد عن إرادة العيش المشترك، والمواطنة ليست ناجزة إنما تُبنى كل يوم”. يبقى الرهان على الثقافة والتربية إسهاماً في تعزيز الوعي النقدي كشرط أساسي لتكوين الرأي الحر والفكر المستقل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*