من طاهرالسوداني إلى مُلْتَقى النيلَيْن: لكم سودانكم ولي سوداني

رشا الأمير
Mar 09, 2018
القدس العربي

 

■ لا فضل لبلد عربي على آخر في ما يمكن أن يورثه لزائره ـ زائرته، قبل الزيارة وبعدها، من حرج، ولاسيما متى ما جاءت هذه الزيارة تلبيةً لدعوة رسمية أو شبه رسمية. صحيح أنه لا بلد في هذا العالم معصوم، ضمن حدوده أو خارجها، من ارتكاب المعاصي، أو منزه، في هذا أو في ذاك من سياساته، عن الزلل، وصحيح أن زيارة أي بلد من بلدان المعمور يمكن، نظريا، أن تُحمل على محمل المأخذ، ولكن البلدان لا تتشابه ولا تتساوى. فكُلما بدا بَلَدٌ ما قَصِيا، نظر الناظِرُ إليه بعين السماح، والكلالة عن إحصاء العيوب، وكُتبت لزائره الأعذار والأسباب التخفيفية، والعكس صحيح. وأقول «كُلما بدا» وليس «كُلما كان» لأن القرية الصغيرة التي بتنا نعيش فيها لا تزري بالمسافات وتحتقرها وحسبُ، ولكن أيضًا، لأن المسافاتِ تقاسُ بالمشاعِرِ والأحساسيس لا بالكيلومترات فقط… وكم من بلد ناء يقربه كتاب، أو تقربه أكلة أو موسيقى، وكم مِنْ بلدٍ قريب لا يشفع له دنوه الجغرافي في شيء، بل يُوحي لجيرانه بأن دونه، على ما قال المتنبي، «بِيدًا دونَها بِيدُ».
بلا تردد أعترف بأنني أحتاج إلى كل هذه المقدمات لأبرر ما لبيته لأسابيع خلت من دعوة لزيارة السودان. فمن سوء حظ السودان أن وقوعه في شمال شرق إفريقيا، على نحو سبعِ ساعاتٍ نظريةٍ مِن بيروت ــ يوم سَفَرٍ عَمَلِيا ــ لا يجعل منه، على الإطلاقِ، ذلك البلد القَصِي الذي يغلِب سِحْرُ غَرابَتِهِ على واقِعِيةِ حضوره. دعوا عنكم جاريَ وصديقيَ أحيانًا، ناطورَ البناية، طاهِرًا، الذي يمم شطر لبنان، لعقد خلا، شأنه شأن الآلاف من السودانيين، فوصَل أولا إلى دمشق التي كانت أيامذاك تفتح ذراعَيْها، باسم العروبة، لبني العرب بصرف النظر عن جنسياتهم، ثُم، منها، شَق طريقَهُ، خِلْسَةً، إلى بيروت التي اصطفى أحَدَ أحيائها وبات منه في محل العلم والمعلم ــ دعوا عنكم طاهِرًا هذا الذي ينتابه الحنين، منذ أشهر، لعيادة والدته قبل فوات الأوان، والذي جعل ديدنه أن يُطالعني دوريا بما نجح فيه وأخفق من سعي إلى تسوية تتيح له أن يغادر لبنان بدون احتجاز طويل على يد السلطات اللبنانية، وأن يُطالعني، بالجملة، بآخِرِ أخبار السودان، كيف أنْسى أنهُ في مُلْتَهَبٍ من مُلْتَهَباتِ حربِ لبنانَ الأهليةِ (1973)، بدأت في جنوب السودان حربٌ حسب اللبنانيون، بداية الأمر، ألا شأنَ لهم بها، ثم طفقت تدنو شَيْئًا فَشَيْئًا مع تسرب أخبار، لم يلبث البعض منها أن تثبت، بأن إحدى الميليشيات اللبنانية كانت تشارك بتدريب أحد أطرافها، وتسمسر له ابتياع الأسلحة من الأسواق السوداء، وكيف أنسى أن لبنان والسودان اكتشفا «العدالة الدولية»، وحدودها، في الآونة نفسها تقريبًا، (هنا للنظر في اغتيال الحريري وهناك للنظر في ما ارتكب في دارفور من فظاعات)، وعلى ما تقدم قس من عناوين أقرب بنا عَهدًا، (قمع الاحتجاجات المطلبية، التضييق على الإعلام…)، يمكن أن تجعل من تلبية الدعوة لزيارته مرادفًا للمبايعة السياسية. ثم، إذ كان الوقت قد بدأ يضيق، ومنظمو «منتدى المقرن الثقافي الدولي الأول» يضيقون بترددي، تفتقت عن العذر الاستباقي الذي كانت نفسي تطالبني به: «وهل الإقامةُ في بيروت اقتراعٌ بـ«نعم» للسياسات التي يُحكم بها لبنان؟ أو هل هي أقَل كُلْفَةً معنويا من السفَرِ إلى الخرطوم؟ الأصلُ النيةُ، والنيةُ زيارة السودان!».
بدلال وترحيب استثنائيين استقبل القائمون على «منتدى المقرن الثقافي الدولي الأول» ضيوفهم، الذين جمع بينهم أن المعظم منهم يزور السودان للمرة الأولى. والمنتدى، للعلم بالشيء، جهد مشترك بين جهات سودانية ثلاث تحاول، في إطار «سياسة انفتاح» ما، والـ«ما» هنا تَحمِل من الأوجه مقدار كلمة «انفتاح»، أن تصور السودان على غير الصورة التي شاعت عنه خلال العقود الماضية: الحرب الأهلية، ملاذ القاعدة، موطئ قدم إيران على البحر الأحمر. أما الثلاث الجهاتُ هذه فوزارة الثقافة السودانية، و«الأمانة العامة لجهاز تنظيم شؤون السودانيين في الخارج» التي يرأسها السفير كرار التهامي، الذي واكب المؤتمر ساعة بساعة باهتمامٍ بالغ و«المركز العربي الإعلامي» في لندن الذي تديره الإعلامية جدية عثمان التي يعود إليها الفضلُ، بشهادة الجميع، في بلورة فكرة هذا اللقاء وفي هندستها. وإذ يبقى الانفتاحُ السوداني لغزًا في العديد من جوانبِهِ، فمن أماراته التي لا لبس فيها أن «المنتدى» لا يرى غضاضة في إشهار ما يحظى به من رعاية إحدى كبرى شركات الاتصالات ـ سوداني ـ العاملة في السودان والطامحة، من خلال استثماراتها وشراكاتها، إلى تحويل السودان إلى ما يشبه مقسم الاتصالات الإفريقي.
وهذه الرعاية ليست بالتفصيل العابر. فـ«جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي» التي احتفلت هذا العام بعيدها الثامن، والتي كان انعقاد دورتها الثامنة هذه، على مطلع 2018 أيْضًا، مناسبة ليستقبل السودان فوجًا آخر من الضيوف، مرعية من شركة اتصالات عملاقة أخرى، «زين». ومتى ما علمنا أن الشركتين لا تتنافسان في «عمل الخير» الثقافي وحسب، بل إن مشاركتهما في الحياة العامة، من الرياضة إلى التدريب على ما يُسَمى ترجمة «المهارات الحياتية»، ومتى ما علمنا أن الشركتين إنما هما اثنتان من سرب شركات كبرى دخلت إلى السودان، أو تستعد للدخول، تَوَضحَ أن ما عاشه السودان خلال السنوات القليلة الماضية من اضطراباتٍ اجتماعية، وما يعيشه اليوم، لا يبتعد أن يكون، في عِدادِ ما هو، عوارِضَ «طبيعيةً» لنهج من «اللبْرَلَةِ» يُريدُ لمفاعيل الانفتاح أنْ تقف عند حدود «السوق» وألا تتجاوزها إلى «الميدان» والساحة العامة.
على بينة من قواعد اللعبة هذه، أدعي، في منأى من أي شعور مفتعل بالذنب، أنني تمتعت برحلتي السودانية على قصر مدتها: مساء اليوم الأول، ومن بعد أن اكتمل نصاب الضيوف، دعينا، وهو أقل الأدب، لإلقاء التحيةِ على النيل. رويدًا رويدًا تهادت بنا السفينة على صفحته الملساء. وإذ بلغنا المقرن، ملتقى النيلَيْن الأزرق والأبيض، استولى علينا صمت لا يفسره إلا ما يستشعره الواحد من رهبة أمام مشهد سمع عنه ولم يتوقع لنفسه أن تُكتب له مشاهدته. ونجوز المقرن فيهدأ الروع ونعود عودنا إلى من نحن: جماعة من السياح خرجوا يستجمون ويتلذذون بالماء وبمشهد المغيب، ويؤكد لنا ذلك ما نلتقي به من سفن وبواخر خرج على متنها من السودانيين والسودانيات للغرض نفسه.
بالطبع، لا يخلو الأمر من رفيق سفر يعن له أن يسأل عما آلت إليه الأمور مع مصر وإثيوبيا على توزع هذه الثروة المائية، ولكن الجواب يأتي مؤدبًا خفرًا مفاده أن لهذا الحديث أربابه، ثم ينقذ الموقف رفيق سفر آخر فيتمنى بألا يلحق بضفاف النيل هنا ما لحق بضفاف النيل القاهرية على أيدي المستثمرين العقاريين، وعلى هذا التمني تنتهي رحلتنا المائية لتبدأ رحلة أخرى قادتنا إلى «مركز راشد دياب للفنون» الواقع شرق الخرطوم ما أتاح لنا، رغم العتمة، أن نستكشف بعض أحياء العاصمة السكنية.
عام 2006 عاد الفنان التشكيلي راشد دياب إلى بلده السودان، واستثمر في حارةٍ تقليدية بأن حولها إلى مركز ثقافي وفني تقام فيه الندوات والمعارض. لا يخرج مشروع دياب عن مفهوم ما يُتعارف على تسميته، ترجمة، «التدخل الثقافي والفني» تترادف الشواهد عليها في معظم عواصم العالم ومدنه، بيد أن خصوصية هذا المركز، علاوة على الإتقان في ترميم العمارة التقليدية، وعلى ما تستضيفه حديقته من أعمال فنية، هي، ببساطة، أنه نجح في أن يثبت نفسه كعنوان لا سبيل إلى المرور دونه من عناوين الخرطوم.
في انتظار الموسيقيين المنشغلين بدَوْزَنَةِ آلاتِهم أن يبدأوا العزف، يلقي الشاعر البحريني قاسم حداد مجموعة من قصائده يليه الشاعر والقاص الفلسطيني/ اللبناني/الإيسلندي مازن معروف، فيملأ الحلبة بقصة من قصصه الشيقة، يليه الجزائري الأوراسي، (نسبة إلى جبال الأوراس)، طارق ثابت والسوداني الغزل تاج السر عباس، فيدب الحماس باللبنانية/البريطانية مريم مشتاوي وتُقدم لا مترددة ولا هيابة وتمضي في ما افتتحه من سبقها إلى أن يُنقر على أولِ دُف فتستعلي الموسيقى على كل ما سواها وعلينا جميعًا.
والموسيقى، في السودان، أمر على حدة؛ بل لعلها الأمر كله، والسودان كله، ذكورًا وإناثًا ومن أقصاه إلى أقصاه، بل لعلها منقذة السودان من كل الضلالات التي وقع فيها، والتي يمكن له أن يقع فيها! والموسيقى التي أعني ليست تلك الأنغام والإيقاعات التي ينغمها الموسيقيون على آلاتهم ويوقعونها وحسب، بل الموسيقى، في السودان، هي ذلك التعبير الفردي والجماعي عن النفس الذي لا يأنف منه سوداني أو سودانية مهما علا كعبه ـ كعبها أو رفُعَت مسؤولياته ـ مسؤولياتها ــ السياسية ضمنًا… هذا لربما ما فات أسامة بن لادن… أللـه أعلم!
ثم كان لا بد للمنتدى، كي يستحق اسمه، ألا يقتصر على النيل والموسيقى وهذا ما كان. إذ اجتمعنا للتداول في «الهجرة والهوية»، على هذين القطبين انعقدت على مدار الأيام الثلاثة سلسلة من الندوات كأني بأبرزها تلك التي نوقشت خلالها مسألة الهوية في السودان. فبين يدي متحدث يسترسل في شرح هويات السودان الإفريقية/العربية/الإسلامية/المسيحية/القبلية يشعر المرء الآتي من بلاد عنوان الاختلاف فيها تزاحم الهويات الطائفية أنه مُبْتدئ في مدرسة التعدد، أو دون ذلك!
وأقَل تواضُعِ المُبتدئ أن يعود إلى مقاعِد الدراسة… ولا مدرسة تواضُعٍ يرتادُها المبتدئ في السودان، وفي التعدد مَعًا، كمقابر البكري، حيث يرقد الطيب صالح. معية الصحافي السوداني محمد بركة قصدنا مقابر البكري في أم درمان وإذ سألنا عن موضِعِ ضريح الطيب صالح تعجب صاحب المقبرة من كثرة زواره في هذه الأيام… لم نعلق، بل اكتفينا بالسلام على القبر وساكنه ــ ساكنه الذي أفتى يومًا بأن «الشعْر هو النهر»!

٭ روائية من لبنان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*