من شعر الحطيئة إلى «النأي بالنفس» عن متاهات الداخل اللبناني

 


وسام سعادة
Dec 18, 2017
القدس العربي

يحاول مخرج «النأي بالنفس» أن يشق له طريقاً في لبنان. يعترضه التشكيك هنا والإرتياب منه هناك. ثمّة من يتلّقّف أثره على أرض الواقع، وثمّة من ينتظره على المفرق. وما أن يظهر لك أن تغطية خارجية هذا «النأي» على أمل أن يشتدّ عوده، حتى تطلّ برأسها مجدّداً أشكال التملّص من هذا الإلتزام، أو التحايل عليه، أو الإثقال عليه بقيس خزعلي أو ما يعادله.
بكلمات مقتضبة التزمت الحكومة اللبنانية «بكل مكوناتها السياسية النأي بنفسها عن أي نزاعات أو صراعات أو حروب أو عن الشؤون الداخلية للدول العربية»، وعلى هذا الأساس أتبع الرئيس سعد الحريري تريّثه في الإستقالة التي بثت من الرياض، بالعودة عنها، ليؤكد بعد ذلك أكثر من مرّة أن عدم التقيّد بهذا المبدأ من شأنه أن يعيد الأمور إلى المربّع الأوّل مجدّداً، وليعقّب وزير الخارجية السعودي عادل الجبير قبل أيّام قليلة بما يشي، من جهة، بموقف مراقب «متريّث بحذر»، قبل الحكم على اختبار «النأي بالنفس»، وبما اعتبره تحالف «حزب الله ـ الرئيس عون» من جهة أخرى، بمثابة «خرق سعوديّ» لهذا «النأي»، من خلال اتهام الجبير لعون والحزب بأنهما منعا، ولا يزالان يمنعان، الحريري من الحكم. أما في المقلب الآخر، فقد وجد من يعتبر الردود على الجبير بمثابة «خرق» للإلتزام بالنأي، ما يوحي بالحاجة إلى تشكيل «لجنة» لمراقبة وحصر الخروقات والمطبقات التي سيتعرّض له مبدأ «النأي بالنفس».
فالنأي موضع للتجاذبات، أكثر منه ابتعاداً عن التجاذبات. آليّته ليست منه وفيه، وكلّ يعالجه بآلته.
وثّق هذا الإصطلاح من خلال البيان الوزاري لحكومة الرئيس تمام سلام (آذار 2014)، التي ربطت النأي بالنفس بـ«تحصين بلدنا بأفضل الطرق تجاه تداعيات الأزمات المجاورة»، وهذا تحديد هلاميّ إذا ما قورن بإعلان بعبدا (2012) الذي شدّد على «تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية» فضلاً عن «ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانية والسورية وعدم السماح باقامة منطقة عازلة في لبنان واستعمال لبنان مقراً أو ممراً لتهريب السلاح والمسلّحين». أما خطاب قسم الرئيس ميشال عون (أواخر 2016) فلم يتكلم عن وجوب النأي، بل شدّد على أنّ لبنان «لا يزال بمنأى».. «بمنأى عن النيران المشتعلة حوله في المنطقة»، لكنه أعاد التذكير بالتقيّد بميثاق الجامعة العربية، وبالذات المادة الثامنة منه، حول احترام نظام الحكم القائم في الدول العربية الأخرى، وتعهد بعدم القيام بعمل يرمي إلى تغيير ذلك النظام.
ما بين «النأي» الهلاميّ في بيان حكومة سلام، وحديث «المنأى» في خطاب قسم عون، هناك انزياح له دلالة. فالنأي لم يعد مقصداً، بل هو واقع قائم، تحميه سياسة مكافحة الإرهاب، التي وإن مهرت بختم الدولة اللبنانية، إلا أّنه تلحقها «خصخصة تنفيذية»، ما دام «حزب الله» هو التنظيم الطليعي الأساسي في عملية التصدّي للجماعات الإرهابية، بموجب هذا التصنيف. وهنا تكمن الإشكالية: في وقت يظهر فيه من يطالب بإعادة اكساب مفهوم «النأي بالنفس» مضموناً سياسياً حقيقياً من خلال اعادة ربطه بالنقاش مجدداً حول الاستراتيجية الدفاعية ومآل سلاح «حزب الله»، هناك منظار آخر، يعيد «النأي بالنفس» إلى ابقاء لبنان «بمنأى عن النيران المشتعلة حوله في المنطقة» من خلال مكافحة امتداد الجماعات الإرهابية اليه. ويحصل هذا في وقت تنقسم فيه تأويلات المشهد بين من يرى أنّ «حزب الله» طليعة مكافحة الإرهاب في لبنان وسوريا (الخطاب الإيراني) وبين من يرى أنّ «حزب الله» يمارس أنشطة ذات طابع إرهابيّ، خصوصاً تجاه بعض الدول العربية (الخطاب السعودي)، وبين من يرى أنّه حزب يمارس الإثنين معاً، الإرهاب هنا ومكافحة الإرهاب هناك، مثلما أن إيران تمارس الإرهاب هنا، وتحاربه هناك. فعن أيّ نأي يكون الحديث عندها؟ لا يمكن التهرّب من الإنقسام الثلاثي هذا في الرؤية إلى «حزب الله»، بين كونه في خطاب، مكافح للإرهاب، وكونه في خطاب آخر، ممارس له، وكونه في مضمر خطابات أخرى، يزاول الأمرين معاً.
لكأن مفهوم «النأي» يعود هنا إلى منبته الأوّل، يوم نطق به الشاعر المخضرم، بين الجاهلية وصدر الإسلام، المعروف بـ»الحطيئة» حين قال:
ألا طرقتنا بعد ما هجدوا هندُ
وقد سرن غوراً واستبان لنا نجدُ
ألا حبّذا هندو أرض بها هندُ
وهندُ أتى من دونها النأيُ والبُعد.
كانت هذه من أولى مفارقات النأي، وكثيراً ما احتار مفسرو قصيدة الحطيئة هذه حول المقصود بالنأي في بيت الشعر هذا، وهل هو عين البعد أو شيء آخر، ومن الذي ينأى عن من فيها.
لكن، إذا كان «النأي» في شعر الحطيئة على شيء من التداخل بين «الهند ـ المحبوبة» وبين «الهند ـ المكان البعيد»، وإذا كان «النأي» هو حظ الشاعر العاثر، من فراق هند، فـ»فقه النأي» على الطريقة اللبنانية هو في أقل تقدير، «غير شاعريّ». لكنه يترافق مع موجات من «الميلودراما» المحلّية، ميلودراما تبدو ممتلئة بتعابير يتعامل معها الإعلام اللبنانيّ كما لو أنّها تمتلك معاني ومضامين محدّدة، «استراتيجية» و»تاريخية» في حين أنّها أقرب ما تكون إلى الزبد. الهابط لتوّه في لبنان، سيصعب عليه حتماً فهم هذا الكمّ الهائل من «الكودات» (بيّ الكلّ، التريّث، الصدمة الإيجابية، بق البحصة، بلع الموس، ومعجم لا آخر له)، جنباً إلى جنب مع هذه «الجغرافيا الأسطورية» لأماكن اقامة الزعماء المحليين (فنشرة الأخبار يمكن أن تتحدّث على مدارها عن اصرار «بعبدا» وحرص «قريطم أو بيت الوسط» وغمز «كليمنصو أو المختارة»، وهواجس «المصيلح أو عين التينة»، ونوايا «معراب» أو مقاصد «بنشعي»، حتى لتخال أنّ هذه لم تعد أماكن اقامة للزعماء إلى جانب جيران لهم من المواطنين اللبنانيين، بل كأنها كواكب سيّارة قائمة بذاتها، أو هي، في «واقعية» المقرّظين لها، «قلاع»، «قلاع» على الدوام.. يشذ عنها «حزب الله» فقط، بعد حرب تموز خصوصاً، حيث لم يعد بالمستطاع نسب إقامة أمينه العام إلى «قلعة» محدّدة على هذا المنوال!
في هذا الكم الهائل من الاستعارات «الكوديّة»، التي كثيراً ما يضيع أثرها إذا ما نحيت «الكود» عنها، أو حاولت أن تترجمها إلى لغة أخرى، ووسط هذه «الوثنية الجغرافية» وغير الجغرافية في اختزال أحوال السياسة على هذا النحو، ربّما كان المطرح الأساسي لتفعيل «النأي بالنفس» في بلد كلبنان، هو النأي، عن متاهات «الداخل اللبناني» نفسه، حتى بالنسبة للبنانيين، بل بالأخص بالنسبة لهم. ينفع اذاً حدّ أدنى من الناي بالنفس عن متاهات الداخل اللبنانيّ، ومفرداته «الكوديّة»، واستعاراته «المكانية» الأسطورية، بل أيضاً عن المتداول الذي ما عاد ينفع كثيراً من لغة شعبوية تنديدية ضدّ «الطبقة السياسية»، خاصة وأنّها لغة انعكاسية للغة الطبقة السياسية هذه، وتعابيرها «الكودية». وربّما هنا، ظهر جانب من المفارقة اللبنانية: الحزب الذي يبدو أنه بصحة جيدة قياساً بالأجسام اللبنانية الأخرى، «حزب الله»، استطاع الحفاظ إلى حد كبير على «صحته» هذه، بفضل مزاولته، على طريقته، لنوع من «النأي بالنفس» عن متاهات الداخل اللبناني في سنوات انهماكه بالحريق السوريّ ومشاغله العربية الأخرى!

٭ كاتب لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*