من الهزيمة إلى الإبادة: مسارات عربية

في الذكرى الخمسين لهزيمة حزيران (يونيو)، يخال المـــراقب أن هذا الحدث اتخذ صفة تأسيسية فـــي السياسة والثقافة والوعي العربي عموماً. نـــوع من تأسيس يستند إلى «قياس الغائب على الشاهد» على ما يقال. الهزيمة الغائبة على مستويات المعرفة والوثائق والوقائع المثبتة، يقاس بها الحاضر العربي ومآسيه الكثيرة.

وما حال دون وضع الهزيمة على طاولة التشريح، هو نجاح الأنظمة الصانعة لها في الانحناء أمام العاصفة والاحتفاظ بالسلطة وامتيازاتها، ومن هذه الحق في صوغ الرواية (أو السرد التاريخي) الرسمية والمعممة للأحداث.

بيد أن استقرار السطح وهدوءه لم يمنعا سلسلة تفاعلات نشأت قبل الهزيمة من أن تتسارع وتتسع في عمق المجتمعات والدول العربية. نحّت الهزيمة (وملحقها «التصحيحي» في تشرين الأول- أكتوبر 1973)، عن كاهل الأنظمة العربية الأكثر ترديداً للرطانة الأيديولوجية، همّ «القضية المركزية» وتحرير فلسطين واستعادة الحقوق السليبة. وظهر جليّاً في تولي وزير الدفاع السوري أثناء الهزيمة للحكم، واستمرار «الضباط الأحرار» المصريين في سيطرتهم على الدولة، إن الزلزال الذي تخيله المعارضون العرب لم يكن بالقوة الكافية ليطيح بآليات الإمساك بالحكم في الدول المعنية. بل إن دينامية الهزيمة و «محو آثارها» عملت على نحو عكسي في تكريس النمط العسكري السابق على الكارثة.

وضعت الآليات هذه الدول العربية أمام أفق وحيد لا مفر من السير إليه: التمسك بالسلطة ولو على جثث الملايين. وحيث كانت سياسات الهوية، المستترة بستار البعث العربي الاشتراكي، هي الطاغية، على غرار العراق الذي كان يعتبر نفسه دولة مواجهة مع إسرائيل، وسورية «قلب العروبة النابض»، كان السير أسرع إلى أفق المجزرة والإلغاء والتطهير العرقي والطائفي.

علو نبرة الخطاب القومي المعادي للصهيونية والإمبريالية، تناسب طرداً مع العنف الموجه إلى الداخل. معادلة الأقلية والأكثرية عملت في المشرق العربي على خلاف عملها في البلقان وشرق أوروبا في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. هناك ذبحت الأكثريات الأقلية. هنا أتاحت المزايدة القومية والوطنية للأقليات ذبح الأكثرية. فلم يتأخر صدام حسين في شن حروبه على معارضيه الشيعة ثم استئناف الحرب على الأكراد الذين وضع مشروعُ «الأنفال» الإبادةَ العرقية هدفاً صريحاً له. وعلى رغم عدم مشاركة العراق في حرب حزيران إلا أن عودة البعث إلى السلطة في 1968 جددت صلات بغداد بالصراع في المنطقة. مشاركة الجيش العراقي الكبيرة في تشرين الأول 1973 وإنشاء وتمويل عدد من المنظمات الفلسطينية، تشير إلى رغبة صارخة في هذا الاتجاه.

أما في سورية، فظهر الشقاق في الطائفة السنية التي فضلت بورجوازيتها المدينية مواصلة شهر العسل مع حافظ الأسد الذي كفّ شرّ التأميمات الاشتراكية عنها، في حين تفاقم الصراع بين سلطة الأسد وجماعات معارضة وجدت نفسها عرضة للمزيد من التهميش والإقصاء. وليست صدفة أن يبدأ هذا التباعد، ولم يكن قد مضى على حرب تشرين سوى سنوات قليلة، إذ انكشف أمام السوريين وجه آخر للسلطة البعثية. وجه «الأبد» الطائفي.

تناقض السطح المستقر والعمق الحافل بالتفاعلات، حطم قدرة الدولة العربية على الانتقال إلى سوية أكثر ديموقراطية وعدالة وتعددية. ثم جاءت موجة لبرلة الاقتصاد في سورية والحصار الدولي في العراق، لتُضيّق إلى حد الاختناق دائرة المستفيدين من الأنظمة، ما صعّد التوتر ووضعه على حافة الانفجار.

تعطي أعمال الأكاديمي التركي المقيم في ألمانيا، تانر أكشام (خصوصاً «من الامبراطورية إلى الجمهورية» و «جريمة تركيا الفتاة ضد الإنسانية») صورة واضحة للكيفية التي تفضي فيها هزائم الخارج إلى مذابح وإبادات في الداخل وارتباط الظاهرتين بمشروع بناء الدولة القومية. ذلك أن يقظة القوميات في البلقان الذي كانت شعوبه تتقدم نحو اقتصاد بورجوازي، ترافق مع مجازر بحق الأتراك والمسلمين في صربيا واليونان وبلغاريا وغيرها، ومع تدفق مئات آلاف اللاجئين إلى الداخل التركي. «المجازر الحميدية» بحق اليونانيين والأرمن والأشوريين، شكلت الرد الأولي على أحداث البلقان مع إعادة توطين اللاجئين.

بيد أن الخطوة الكبيرة نحو الإبادة الشاملة كمشروع سياسي «وطني» جاءت مع تولي «تركيا الفتاة» للسلطة وانخراطها في الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا. ومن المثير للاهتمام الشديد متابعة تحول «تركيا الفتاة» من حزب ذي ميول اشتراكية تقدمية بفعل التأثر بأجواء المنافي الأوروبية التي عاش فيها مؤسسو الحزب، إلى حزب قومي فاشي يعتمد الإبادة وسيلة في السياسة الداخلية. إبادة ذهب ضحيتها الأرمن في سياق خطة «للقضاء على الطبقة الكومبرادورية الموالية للغرب وإحلال البورجوازية الوطنية مكانها»، قبل أن تصل إلى الأكراد الذين فوجئوا أن موقعهم في مخطط «تركيا الفتاة» يجردهم من أبسط حقوقهم السياسية والثقافية.

ومنـــذ ذلك الحين، يستمر الصراع الكردي– التركـــي في إطار أزمة الدولة القومية القائمة علــــى التصور البدائي للدولة– الأمة. الصراع هذا انتقل إلى الدول العربية التي تشبه في بنيتـــها الاجتماعية من حيث الأكثريات والأقليات تلك البنية السائدة في تركيا. عليه، لا يصعب فهـــم التأييد الواسع الذي يلقاه حزب العمال الـــكردستاني في سورية، على سبيل المثال، حيــــث يجري إسقاط شبه آلي للحالة التركية (دولة قوميــة مركزية مقابل أقلية عرقية مُضطَهَدة) على الوضع السوري. ولم تؤد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى إلا إلى استبدال قادة «تركيا الفتاة» بمصطفى كمال أتاتورك الذي حافظ على نهجهم الداخلي في التعامل مع الأقليات.

صمود الأنظمة العربية بعد 1967، مع الأخذ في الاعتبار الفروقات بينها، مهد للطور الحالي من حروب الدولة على المجتمع. حروب تكثر فيها المجازر والتصفيات العرقية ضمن هندسة اجتماعية لضمان المرحلة المقبلة من «الاستقرار».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*