من الرياض إلى سوتشي: الجغرافيا تطحن السياسة؟

 

رأي القدس
Nov 23, 2017
القدس العربي

بغض النظر عن قرارات «الاجتماع الموسع الثاني للمعارضة السورية» الذي اختتم اجتماعاته في الرياض أمس، وكذلك عن المعنى الاعتراضي لاستقالات رئيس الهيئة العليا للمفاوضات والكثير من أعضائها، فالواضح أن الاجتماع عُقد ضمن إطار التفاهمات الدولية والإقليمية التي تتّجه بوصلتها، كما هو واضح، نحو مدينة سوتشي الروسية التي سيعقد فيها مؤتمر ضخم لـ»شعوب سوريا» بين 2 و4 الشهر المقبل، أما مفاوضات جنيف، التي ستجري قبلها بأيام، فستكون، كما قال بوتين لـ»إضفاء اللمسات الأخيرة» على التسوية السياسية في سوريا.
مؤتمر سوتشي المقبل المخصص لـ»الحوار الوطني السوري» سيكون إعلانا كاشفاً من موسكو عن إمساكها بالأوراق الإقليمية الكبرى فيما يخص الوضع السوري، وهو ما جسّده وجود الرئيسين، التركي رجب طيب إردوغان، والإيراني، حسن روحاني، وقبلهما بيوم، الرئيس السوري بشار الأسد، وهو ما تناظر، ببلاغة، مع لقاء فصائل المعارضة السورية، في الوقت نفسه، في العاصمة السعودية الرياض.
أما ما يقال عن التفاهم الأمريكي ـ الروسي الأخير الذي جرت آخر فصوله خلال لقاء الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين في فييتنام في 11 من الشهر الجاري، فهو إعلان آخر عن محدودية الأثر الأمريكي على مستقبل سوريا، والذي يقوم على عمودين رئيسيين، الأول هو موقف ترامب الأصلي الداعم لبقاء نظام الأسد، والثاني هو التراجع المنتظم لإرادة التدخّل الأمريكية في المنطقة العربية بعد وضوح فشلها الذريع في أفغانستان والعراق، وانحسار تأييدها للثورات العربية بعد التدخّل في ليبيا، وانتشار تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا، بحيث أصبحت الحرب على التنظيمات الجهادية، وخصوصاً بالطائرات من دون طيار، هي استراتيجيتها الوحيدة للمنطقة.
يضاف إلى كل ذلك، بالطبع، مسألة الجغرافيا، فباستثناء علاقة واشنطن الخاصة مع إسرائيل، واهتمامها بالنفط وأموال دول الخليج وصفقات التسلح العربية، فإن كل المنطقة العربية لا تشكّل خطراً قريباً عليها.
أما بالنسبة لسوريا نفسها، ولروسيا وإيران وتركيا، فإن الجغرافيا هي أهمّ العوامل التي تفرض أثرها الهائل على العلاقات بين الأطراف المتصارعة، وبالتالي فإنها ستكون العامل الحاسم الذي سيحدّد معالم «التسوية السياسية» المقبلة.
لقد كانت مسألة من سيكون سيد آسيا الوسطى عامل النزاع الكبير بين إيران وتركيا قبل الإسلام، وهو أمر لم يتغيّر كثيراً بعد ظهور الدول الإسلامية، فسقوط الخلافة الأموية كان على يد أبو مسلم الخراساني الفارسي، كما جاء سقوط الدولة العباسية على يد السلاجقة الأتراك، وما يجري في سوريا حاليّاً، يظهر أثر المطحنة الجغرافية على السياسة.
لكن الجديد في المعادلة القديمة هو العملاق الروسيّ، الذي أثّر وزنه العسكري الكبير وبطاقة «الفيتو» الأممية بحوزته، على طرفي الصراع، أما حضور الإسلام، بأشكاله الأيديولوجية عبر فصائل المعارضة، وبالنظم السياسية التي ورثت جزءا من رمزيته، كالسعودية ودول الخليج، كما بالصراع السنّي ـ الشيعي المحتدم، فلا يستطيع أن يموّه أثر الجغرافيا السياسية الكاسح إلا عبر كشفه ضعف السياسات وانحناءاتها الشديدة عندما تواجه هذه المعادلة وتضطر، صاغرة، للخضوع لها.
يفسّر هذا المنظور، إلى حد كبير، الانخراط الروسيّ الكبير في الشأن السوري، والنجاحات التي حققها الكرملين، كما سيكشف لاحقاً، حدود التنازلات التي اقترح بوتين على الأطراف المتصارعة، بما فيها النظام السوري، القبول بها، لكن الأهم طبعاً، هو ما سيكشفه عن مدى رغبة الكرملين نفسه بالتنازل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*