من البرازيل إلى مصر والعراق: متاحف تحترق وتراث يضيع

 

زيد خلدون جميل
Sep-19
القدس العربي

■ كان حاكم مصر الخديوي إسماعيل (1830 ـ 1895) شخصية غريبة جدا، فقد أراد تطوير مصر سريعا ضاربا بأهمية الحذر في التكاليف عرض الحائط، ولذلك بلغت ديون مصر في عهده تسعين مليون جنيها استرلينيا، وهو مبلغ هائل آنذاك، بعد أن كانت ثلاثة ملايين في بداية عهده، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن دخل الدولة المصرية السنوي آنذاك كان ثمانية ملايين باوند فقط. والحق يقال أن الخديوي إسماعيل شق قناة السويس وبنى مدارس ومشاريع أخرى عظيمة كثيرة أخرى، ولكنه أوقع مصر في براثن النفوذ الأجنبي وحد من استقلالها.
والغريب في الأمر أنه على الرغم من ديونه الهائلة، كان كريما في إرسال الهدايا والتبرعات، حيث أرسل عام 1872 تبرعا سخيا جدا وقدره 500 باوند لمهرجان الموسيقار الألماني فاغنر في مدينة بايرويت الألمانية، لاعتقاده أن المهرجان كان في مدينة بيروت اللبنانية نظرا لتشابه اسمي المدينتين، وكان هذا المبلغ يعتبر جسيما حسب مقاييس ذلك العصر. ولكنه تمادى في كرمه وشمل هذا التصرف الاستهزاء بتراث وتاريخ مصر، حيث أهدى مومياء الكاهنة «شا آمون أيم سو» المهمة عام 1876 لامبراطور البرازيل بيتر الثاني 1825 ـ 1891. ولم تكن هذه المومياء عادية لأنها كانت من أفضل القطع الأثرية لتاريخ مصر في القرن الثامن قبل الميلاد، حيث يعود تاريخ المومياء إلى عام 750 قبل الميلاد. وقد تميزت هذه المومياء بتابوتها الرائع الذي رسمت عليه صورة الكاهنة بألوان رائعة، بالإضافة إلى رموز الحضارة المصرية لتلك الحقبة. ولم يبد امبراطور البرازيل أي احترام تجاه المومياء وما مثلته من قيمة حضارية وفنية، حيث وضعها في مكتبه بشكل عمودي وبجانب الشباك وبدون أن يهتم بسلامتها. وفي أحد الأيام اشتدت الرياح في العاصمة البرازيلية ريو دي جانيرو، فانفتح الشباك على مصراعيه بعنف ضاربا تابوت المومياء بقوة، ما سبب له أضرارا. وحاول البرازيليون إصلاح التابوت ولكن بدون فائدة، حيث كان إصلاحهم سمجا ومضحكا وكأن المومياء عبارة عن قطعة زينة رخيصة.
وبعد فترة قرر البرازيليون أن يقوموا بعمل صائب، وهو وضع التابوت، والمومياء في داخله، في مبنى المتحف الوطني في العاصمة البرازيلية ريو دي جانيرو. وهو مبنى كان قد بناه المحتلون البرتغاليون وأصبح لاحقا مسكنا لعائلة الامبراطور البرازيلي، ثم تم تحويله إلى متحف عام 1892 ميلادية وأصبح أول مؤسسة علمية في البرازيل. وأصبح المتحف في ما بعد أشهر متحف في أمريكا اللاتينية على الإطلاق ومن أشهر متاحف العالم قاطبة، حيث أنه لم يكن متحفا للآثار وحسب، بل متحفا للتاريخ الطبيعي والعلمي ومركزا عالميا للأبحاث. وضم المتحف عشرين مليون قطعة أثرية، ومنها المومياء الآنفة الذكر مع مجموعة أخرى من المومياءات المصرية ومومياءات أخرى لسكان البرازيل الأصليين، وجمجمة لأقدم أثر لإنسان عثر عليه في البرازيل يبلغ عمرها أحد عشر ألفا وخمسمئة عام، وهيكل عظمي لديناصور مع مجموعة لا نظير لها لنماذج الحشرات. واحتوى المتحف على أكبر نيزك في أمريكا اللاتينية يبلغ وزنه أكثر من خمسة أطنان. وللمتحف مكتبة شهيرة عالميا ضمت خمسمئة ألف كتاب، منها أربعة وعشرون ألف كتاب تعتبر من الكتب النادرة. كل هذا وأشياء كثيرة أخرى في المتحف جعلت منه تحفة ثقافية وعلمية ومفخرة البرازيل الأولى، وأحد أشهر المعالم الثقافية في العالم. ولكن من يعتقد أن عليه الذهاب إلى البرازيل بأسرع وقت ممكن لمشاهدة المومياء الشهيرة وبقية معروضات المتحف العظيم عليه التروي، فقد اختفى كل شيء إلى غير رجعة، حيث احترق المتحف تماما بكل ما فيه في حريق هائل شب ليلة الأحد المصادف الثاني من سبتمبر/أيلول 2018 ليتحول إلى هيكل مبنى محترق فحسب. واكتشف الجميع أن الحكومة البرازيلية كانت قد أهملت المتحف وقامت بتخفض ميزانيته بشكل مثير للدهشة منذ سنوات طويلة، ما اضطر مدير المتحف إلى إغلاق أجنحة فيه بسبب انتشار الفطريات والحشرات وسوء حالة البناء. وكان فريق للتفتيش قد فحص المبنى عام 2004 وأقر بأن الأسلاك الكهربائية مكشوفة، واحتياطات الأمان في حالة سيئة، ما يعرض المتحف لخطر حريق مدمر. وعندما حاول البنك الدولي تمويل تحسين المتحف بمبلغ ثمانين مليون دولار، كان الرد البرازيلي الرفض لعدم قبول بعض شروط التمويل. والغريب في الأمر أن هذا الحريق لم يكن الأول من نوعه في البرازيل، حيث حدثت حرائق كبيرة سابقة دمرت مراكز علمية مهمة في البلد عام 2010 وعام 2015. وقد أقر المختصون بعد اندلاع الحريق بأن أجهزة الكشف عن الحريق في المتحف لا تعمل، وأن أجهزة رش المياه للحماية من الحريق لا تعمل كما ينبغي. ومما زاد الأمر سوءا أنه عند وصول رجال الإطفاء حاولوا إنقاذ الموقف عن طريق استعمال مصادر المياه للمخصصة لمكافحة الحرائق والواقعة في مبنى المتحف نفسه، ولكنهم فوجئوا بأنها لا تعمل. ولذلك أضاعوا وقتا ثمينا واضطروا في نهاية الأمر الاستعانة ببحيرة قريبة للتزود بالمياه.
الشيء الوحيد الذي لم يتعرض لأي ضرر كان المكتبة المعروفة، لأنها كانت واقعة في مبنى مجاور للمتحف، وكذلك النيزك الشهير الذي كان في المتحف المحترق، فحرارة الحريق تعد لا شيء مقارنة بالحرارة التي تتعرض لها النيازك عند دخولها جو الأرض حيث تصل درجة الحرارة إلى ألف وستمئة وخمسين درجة مئوية.
ما أن حدث الحريق المدمر في المتحف حتى بدأت المظاهرات من قبل طلاب جامعة ريو دي جانيرو الاتحادية، التي كان المتحف يتبعها، وأحاطت قوى الأمن بالمتحف كي لا يزداد الأمر سوءا. وقد اتهم المتظاهرون الحكومة والرئيس البرازيليين بالإهمال الفاضح، وسارع الرئيس البرازيلي لإنقاذ الموقف بالتعهد ببناء المتحف فورا، خاصة أن البرازيل مقبلة على انتخابات رئاسية وشيكة. وقام المرشحون الآخرون في الانتخابات باستغلال الموقف والوعد بحماية التراث البرازيلي، وكأن الجميع كان يغط في نوم عميق طوال الفترة الماضية.
وقد ذكرني حادث المتحف البرازيلي بحادثة طريفة أود أن أذكرها هنا، فقد كنت وما زلت اعتبر المتحف البريطاني أجمل ما في العاصمة البريطانية. ولذلك كنت أحرص على زيارة المتحف البريطاني كلما سنحت لي الفرصة للسفر إلى لندن. وكان القسم المحبب لي في المتحف هو القسم الآشوري بثيرانه المجنحة الرائعة وبقية التماثيل الآشورية الفريدة في العالم. وكانت إدارة المتحف قد وضعت إلى جانب كل قطعة معروضة شرحا بسيطا يوضح اسمها وأهميتها ومكان العثور عليها. ولم استغرب وجود هذا الشرح لأن الزوار لا يعرفون مثل هذه التفاصيل عادة، وقد سبق أن قرأته من قبل عدة مرات. ولكنني في زيارتي الأخيرة لاحظت شيئا كان عليّ ملاحظته عند أول زيارة لي للمتحف، فاسم العراق لم يكن موجودا في أي شرح، وهو البلد الذي ظهرت فيه الحضارة الآشورية. وقد أثار هذا استغرابي، فكيف يستطيع السائح العادي معرفة اسم الدولة التي عثر فيها على هذه القطعة الاثرية، خاصة أنني كنت أعلم جيدا أن أغلبية الناس لا يعرفون أين كانت الحضارة الآشورية. وهنا أردت القيام باختبار بسيط للتسلية وإرضاء فضولي المزعج. ولذلك ذهبت إلى الحارس الجالس في القسم متظاهرا بجهلي والسؤال من أين أتت القطع الأثرية الآشورية، وارتبك المسكين معترفا بعدم علمه، فهو في نهاية المطاف مجرد حارس في المبنى، وطلب مني سؤال مكتب استعلامات المتحف.
وشكرته بأدب ولم أتفاجأ من جوابه وتوجهت فورا إلى ذلك المكتب. ولكن المكتب لم يكن أفضل من الحارس المسكين حيث اعترفت موظفة المكتب بجهلها وفاجأتني بنصيحة غبية، وهي العودة إلى القسم الآشوري وسؤال الحارس هناك، فهو بالتأكيد لديه الخبر اليقين. ولم أستطع إخفاء ابتسامتي الساخرة وأخبرتها بما حدث، وقلت لها إنه من المخجل أن موظفي المتحف لا يعرفون البلد الذي أتت منه أهم القطع في المتحف، فيا للهول. وإذا بموظفة الاستعلامات تحاول إنقاذ الموقف باقتراح توجيه السؤال لمسؤولي قسم آثار الشرق الأدنى في المتحف.
وهذا ما فعلته وقابلت أحد المسؤولين في ذلك القسم، ووبخته بأدب جم، حيث لم يكن هدفي إثارة مشكلة. وضحك الرجل قائلا إنه من الغريب عدم ملاحظة أحد ذلك من قبل، وإنه على الرغم من الطلبات الكثيرة التي يستلمها المتحف حول بقية الأقسام فيه بهذا الخصوص فإن المتحف لم يستلم أي طلب من هذا القبيل حول القسم الآشوري، سواء من الحكومة العراقية أو من مواطنين عاديين، وعزا عدم ذكر اسم العراق إلى إهمال بسيط من قبل المتحف ووعدني بإصلاح الأمر. ولا أعلم إن كانوا قد أصلحوا الأمر أم لا، فلم أذهب إلى لندن منذ ذلك الحين.

٭ باحث ومؤرخ من العراق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*