من استقالة الحريري إلى الانتخابات: هل سلّم لبنان للمحور الواحد؟

هدى شديد
النهار
23122017

تحالف الثنائي المسيحي “القوات اللبنانبة – التيار الوطني الحر” الذي لم يتمكن اي من حلفاء الفريقين من هضمه، لم يكن ينقصه لينهار كلياً سوى شعرة معاوية الاستقالة الملتبسة للرئيس سعد الحريري من المملكة العربية السعودية وما اعقبها من تداعيات وخلط اوراق سياسية بين الحلفاء والخصوم. الالتباس الذي احاط الاستقالة والتراجع عنها لم تكن “القوات” وحدها من وقع فيه، لا بل ان فريق الرئيس الحريري نفسه انقسم بين مطلع وصامت وبين متريّث ومرتبك وبين مواكب ومسوّق وفقاً لوجهة نظر المملكة العربية السعودية. والمفارقة ان من كان ينقل وقائع الاحتجاز بحذافيرها كان الفريق القريب لـ” حزب الله”.

انتصار عون وباسيل

انتهت ازمة الاستقالة بعودة الرئيس سعد الحريري الى لبنان من البوابة الفرنسية وبغطاء خلفي من الولايات المتحدة الاميركية، وبانتصار سياسي – ديبلوماسي سجّل لرئيس الجمهورية ميشال عون الذي تمكٌن من ان ينقذ مع الحريري عهده من ضربة كادت ان تكون قاضية، وبفوز وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل بالجائزة الكبرى من هذا الانتصار الرئاسي ومن اعادة التسوية الرئاسية الى الحياة اقوى وافعل.

انفراط آخر حبات عقد 14 آذار

وفيما انفرطت آخر حبات عقد “الرابع عشر من آذار” جراء هذا الزلزال السياسي الذي ضرب لبنان من خلف الحدود، كان الثنائي الشيعي “امل وحزب الله” يحتفل مع الفريق الرئاسي بانتصار استعادة الرئيس الحريري، وانقاذ الحكومة التي كانت الهدف الرئيس للفريق الآخر بعدما مالت دفتها وكادت ان تغيّب من تبقى من حلف الرابع عشر من آذار، بدءاً من احد ابرز مكوناتها اي “القوات اللبنانية” . لم يكن الفريق الشيعي وتحديداً “حزب الله” مرتاحاً للثنائية المسيحية وماشاها حرجاً ومسايرة لحليفه البرتقالي، الى ان جاءت اللحظة الذهبية بقراءته المتأنية لضرب آخر مدماك تقوم عليه هذه الثنائية، ليس من زاوية انها مسيحية بل لفقدان الكيمياء بين “حزب الله” و”القوات اللبنانية” التي لا يرى فيها الا نقيضه في كل شيء.

تصدي بري للتعديل الحكومي

طُرح التعديل الحكومي بقوة وكان الهدف الرئيس منه ابعاد وزراء “القوات” بعنوان استعادة الانسجام والتضامن الحكوميين الا ان اكثر من تصدى لهذا الطرح كان رئيس مجلس النواب نبيه بري بحجة انه لم يعد الوقت الفاصل عن موعد الانتخابات النيابية يسمح بأي تعديل او تغيير، وعادت الحكومة الى مسارها السابق انما على زغل لا سيما بين فريقيْ “القوات” والثنائي الحريري- باسيل. ولم يقتنع احد بظاهر ما ابداه كل من الرئيس الحريري ورئيس “التيار الوطني الحر” من ان الرغبة في التعديل تقتصر على تغيير وزراء ينتمون الى كتلتيْهما.

الحريري واحتضانه من محور المقاومة

المفارقة أيضاً ان الرئيس الحريري وبعد خضّة الاستقالة وما رافقها من فقدان توازن وما أعقبها من مواقف وتموضعات جديدة، وجد نفسه في مواجهة مع حلفاء الامس ومحتضناً من المحور الآخر. يرى المراقبون ان “حزب الله” مرتاح للواقع الجديد لرئيس الحكومة وهذا ما انسحب تلقائياً على تعاطف شعبي لدى جمهوره، الا ان هذا الارتياح لم يشمل بالضرورة رئيس مجلس النواب نبيه بري لإدراكه ان التوازنات الداخلية في لبنان قائمة في المدى الأبعد على معادلات خارجية تزعزعت واختلت وقد تصل تردداتها في اي لحظة الى الداخل اللبناني، فضلاً عن انها في المدى الداخلي الاقرب تهدِّد بتغييب وتهميش مكونات قد يختلّ معها ميزان الاستقرار السياسي والوطني.

محدلة انتخابية تستبعد “القوات”

مع تحديد موعد الانتخابات النيابية في السادس من أيار المقبل، لم يعد من قوة قادرة على وقف قطارها الذي انطلق، لا سيما مع وجود قرار خارجي محكم تجسّد اخيراً ببيان مجموعة الدعم الدولية من اجل لبنان الذي شدّد على أهمية اجراء الانتخابات النيابية في الوقت المحدّد. صحيح ان المملكة العربية السعودية التي لطالما اضطلعت بدور الراعي لفريق سياسي غير راضية عن قانون الانتخاب ولا عن انفراط عقد حلفائها في لبنان، الا ان المراقبين يؤكدون انها فقدت دور الراعي. وخلط الأوراق السياسية سينسحب على لعبة التحالفات الانتخابية، ومن يملك هامش المبادرة والحركة هو الفريق الآخر الذي بدأت ماكينته تعدّ العدّة لمعركة بقواعد جديدة: الثنائي الشيعي على حلفه الثابت وسيسعى لمساعدة الرئيس سعد الحريري على تأمين فوز مريح بتحالف بين “تيار المستقبل” و”التيار الوطني الحر” في كل المناطق اللبنانية، على ان ينضمّ الى قطار هذا التحالف وبحسب المناطق “الحزب التقدمي الاشتراكي”، كما لن تُترك “المردة” وحيدة خارج القطار، ولن تُدفع الى تحالف الضرورة مع “القوات اللبنانية”. من هنا، لا يستبعد المراقبون ان يصبح “المردة” و”التيار الحر” في لوائح واحدة في الشمال، انطلاقاً من المساعي الناشطة وراء الكواليس.

اما “القوات اللبنانية” فيبدو ان ثمة قراراً بإبعادهم عن اي تحالف، ولا سيما مع “التيار الوطني الحر”.

هل سلّمت السعودية والخارج لبنان للمحور الآخر؟!

هذا المشهد الانتخابي هو الذي يترجم بواقعية التموضعات السياسية الجديدة في حالتها الراهنة، واذا ما استمرت على ما هي عليه، فالمراقبون يتوقعون ان تفرز بلوكاً نيابياً كبيراً لمصلحة “حزب الله” وحلفائه، ولن تكون خسارة الرئيس الحريري اقل من عشرة نواب من كتلته النيابية، فضلاً عن خسارته اخر من تبقى من حلفائه السابقين.

بمعزل عن حسابات الربح والخسارة بمعناها الضيق، هل ان كل الخارج وليس فقط المملكة العربية السعودية قد تخلوا عن لبنان وسلّموا فعلاً بجعله في محور احادي هو في الواقع محور المقاومة والممانعة؟ في اي حال، صحيح ان اربعة اشهر فقط تفصل عن الانتخابات، الا ان زمن المفاجآت لا بل الصدمات اما يقلب في اي لحظة كل المعادلات القائمة، واما يُكرّس مفهوم “المنتصر في الميدان هو من يرسم السياسات”.

Twitter: @HodaChedid

houda.chedid@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*