منابر مساجد بيروت خشبية ورخامية

 موقع اللواء

ما قيل في المحراب من اختلافات قيل مثله في المنبر فقد روى الطبري أن الرسول كان أثناء الخطب يتكىء على جذع نخلة مثبت في الأرض وعمل له منبر في السنة السابعة من الهجرة من خشب الأثل  وكان من ثلاث درجات يجلس الرسول على الدرجة العليا (الثالثة) ويضع قدميه على الثانية وجلس أبو بكر على الدرجة الثانية وجلس عمر على الأولى واضعاً قدميه على الأرض ثم أصبحت البيعة تحصل للحلفاء والولاة وهم جالسون على منبر.
وأقدم منبر باقٍ حتى اليوم في العالم العربي هو منبر جامع القيروان والذي لا يزال في حالة جيدة وهو يعود لما بين سنتي (856- 863 م) ويقال إنه أحضر من بغداد وثبت ذلك من الألواح التي اكتشفت قرب بغداد ومنها زخارف محفورة بالأسلوب نفسه التي حفرت على منبر جامع القيروان.
ولما اتخذ عمرو بن العاص منبراً في مسجده بالفسطاط نهاه الخليفة عمر بن الخطاب وكتب اليه «أما بعد فقد بلغني أنك إتخذت منبراً ترقى به على رقاب المسلميـــــــن أو ما يكفيك أن تكون قائماً والمسلمون تحت عقبيك فعزمت عليك إلا ما كسرته».
وروى المقريزي بأن قرة بن شريك عمر المسجد ونصب فيه سنة 94 هـ منبراً جديداً ونزع المنبر الذي كان في المسجد وذكر أن عمرو بن العاص كان جعله فيه ولعل ذلك حصل بعد وفاة عمر بن الخطاب.

الإبداع في صناعة المنابر
وتفنن النجار العربي في صناعة المنابر ولا سيما المنبر الذي صنعه بدر الجمالي لمشهد الحسين في عسقلان والذي نقل الى مسجد الخليل. ومن تحف المنابر منبر جامع إبن طولون في القاهرة المصنوع من خشب الساج والأبنوس والمزخرف بالأشكال النباتية وكذلك منبر الكتبية في مراكش وما تضمنه من رسوم نباتية وحشوات مرصعة بالعاج وعليه كتابات كوفية مورقة.
وقد صنعت أبان العصر المملوكي بعض المنابر من الرخام . وصف ابن بطوطه سنــــــــة (726هـ) رسوم خطبة الجمعة في المسجد الحرام بمكة المكرمة على عهد السلطان المملوكي الملك الناصر فقال «كان المنبر يلصق الى واجهة الكعبة بين الحجر الأسود والركن العراقي ويأتي الخطيب لابساً السواد بين رايتين سوداوين وبين يديه من يضرب بالسوط في الهواء تنبيها لحضور الخطيب وعندما يقترب هذا الأخير من المنبر يقبل الحجر الأسود ويدعو عنده ثم يقصد المنبر ورئيس المؤذنين بين يديه على عاتقه السيف.
ولمنبر القدس قصة مهمة فلما فتحت القدس من قبل صلاح الدين أمر بتعمير المحراب وترخيمه ووضع منبر رسمي واحتيج بعد ذلك الى منبر حسن رائق بحسنه لائق وبجماله شائق وبكماله فائق فذكر السلطان المنبر الذي أنشأه العادل نور الدين محمود بن زنكي لبيت المقدس قبل فتحه بنيف وعشرين سنة فأمر أن يكتب الى حلب ويطلب فحمل.
وكان قد قام بجلب نجار يعرف بالأختريني من ضيعة الأخترين لم يلق له في براعته وصنعته قريب فأمره نور الدين بعمل منبر لبيت المقدس واتمه في سنين . يذكر أن جامع حلب احترق في أيام النورية فاحتيج الى منبر فنصب ذلك المنبر وتولى النجار عمل المحراب على الرقم ومشابه للمنبر في الرسم (قاله العماد في الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية) يذكر أننا في زيارة لحلب جال بنـــــــا المهندس الرفاعي الذي أشرف على ترميم المدينة وأسهم في ترميم خان الصابون في صيدا، جال بنا في أبنية حلب التراثية وشاهدنا المحراب الخشبي الذي صنع لبيت المقدس وبقي في حلب حين أرسل المنبر كما ذكرنا وهذا المنبر احترق عندما افتعل حريق المسجد الأقصى.
منابر مساجد بيروت
أما غالب منابر مساجد بيروت فكانت الى يمين المحراب (إلا مسجد المجيدية) وهو مصنوع من الخشب المزخرف وكان بعض هذه المنابر على غرار منابر مدينة فاس تسحب وتوضع جانباً منعاً من قطع صفوف المصلين بالمنابر الثابتة عند الصلاة ثم حلت محلها المنابر الثابتة المبنية بالرخام كمنبري جامعي الأمير عساف (السرايا) والأمير منـــــــــــــــذر (النوفــــرة) وغيرهما. وكانت منابر بيروت من تسع درجات يستريح الخطيب في العليا منها ثم يخطب واقفاً على الدرجة التي تليها وكان السلف قد جعل تسع درجات للمنبر منها ثلاث هي درجات المنبر النبوي الا ان هذا العدد لا يلحظ في المساجد اليوم.
وقد درجت مؤخراً عادة انشاء منابر لاسيما الخشبية يصعد الخطيب إليها من درجين ويكون المحراب تحتهما . وقد يرجح سبب اختيار هذا الأسلوب الى ضيق المساحة المعدة للصلاة التي لا تسمح بوضع منبرعادي متعدد الدرجات (من ست الى تسع) او قد يقال ان هذه المنابر تمنع قطع صفوف المصلين . والمنابر المشار اليها موجودة على سبيل المثال في مساجد الخاشقجي وعبد الناصر والشهداء وخليل شهاب والخلية السعودية وفي مسجـــــــــد رأس النبع القديم (ذي النورين قبل التوسعة).
عرف نظام الدرجين في المداخل بأسلوب الباروك Baroque واتبع في القصور والأبنية العامة التي تستقطب عدداً كبيراً من الزوار عادة في وقت واحد بحيث يخفف هذا النوع من السلالم الازدحام كالقصور والجامعات والمباني الرسمية كالمستشفى العسكري (الخسته خانه) الذي تحول الى مقر للمحاكم اللبنانية وهو الآن مقر لمجلس الإنماء والاعمار وكذلك الشرفة الشمالية الخارجية للسراي الكبير. وقد عرفت بيروت هذا الأسلوب (مبنى وزارة الخارجية) والمدرسة البطركية والمدرسة السلطانية (كلية المقاصد للبنات في الباشورة) ومدرسة راهبات البزنسون ودير مار الياس بطينا ومتحف سرسق وقصور عمر الداعوق في رأس بيروت وعارف النعماني في الباشورة وآل سلام بالمصيطبة ومختار مخيش في زقاق البلاط وغيرها. كما يوجد أمثالها في بكركي وفي مستشفى الروم القديمة في الأشرفية. علماً بأنه من المفترض عدم اعتلاء منابر المساجد إلا للإمام أو المؤذن أو الخطيب ولا حاجة بالتالي لدرجين . والأغلب انه تقليد ليس ألا.
وأكثر منابر مساجد بيروت خشبية كما في مساجد القنطاري وعماش والمصيطبة وعين المريسة والمجيدية وبوبس وسليم سلام والقنطاري والعرب وبعضها رخامي كمنابر مساجد العمري والأمير عساف والأمير منذر (النوفرة) وقريطم والفاتح والشهداء.
ومما يلفت النظر ان جامع محمد الأمين ينفرد بمنبر معلق يصعد اليه الخطيب من وراء جدار القبلة.
وصف غاستون لها
يصف غاستون فييت المنابر الخشبية فيقول «إنها تضم مجموعات من الحشوات الصغيرة المتباينة الأشكال جمع بعضها الى بعض وإن إحتفظت كل واحدة منها بشخصيتها المستقلة حتى لكأنها لا تؤدي دوراً في الشكل العام، وتتابع الدوائر والمربعات والمعينات والنجوم والأطباق النجمية متداخلاً بعضها ببعض عن طريق التعشيق حتى يمكن تجميعها أو تفريقها دون أن يزول أثرها أو يتضاءل. وللزائر المتأمل أن يتصورها مجتمعاً بعضها الى بعض إذا شاء، وله أن يكتفي بتأمل ما يقع عليه بصره منهافيراه شيئاً منفصلاً قائماً بذاته ، ففي الحق ان تجميع تلك العناصر لا يجعل منها وحدة حقيقية . وحتى يتسنى للمرء أن يوفيها حقها فإن عليه أن يدرس في عناية سائر التفصيلات الدقيقة التي تربط العناصر والوحدات بعضها الى بعض».
وقد صدق هنري فوسيون عندما قال «ما اخال شيئاً يمكنه أن يجرد الحياة من ثوبها الظاهر وينقلنا الى مضمونها الدفين مثل التشكيلات الهندسية للزخارف الإسلامية. فليست هذه التشكيلات سوى ثمرة لتفكير رياضي قائم على الحساب الدقيق قد يتحول الى نوع من الرسوم البيانية لأفكار فلسفية ومعانٍ روحية، غير أنه ينبغي ألا يفوتنا أنه خلال هذا الإطار التجريدي تنطلق حياة متدفقة عبر الخطوط فتؤلف بينها تكوينات تتكاثر وتتزايد ، مفترقة مرة ومجتمعة مرات ، وكأن هناك روحاً هائمة هي التي تمزج تلك التكوينات وتباعد بينها ثم تجمعها من جديد، فكل تكوين منها يصلح لأكثر من تأويل يتوقف على ما يصوب عليه المرء نظره ويتأمله منها . وجميعها تخفي وتكشف في آن واحد عن سر ما تتضمنه من إمكانات وطاقات بلا حدود».
* محامٍ ومؤرّخ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*