اخبار عاجلة

بأس وبِِئس عراق بائس


جهاد الزين
النهار
25072017

ذهبتُ إلى بغداد لمدة 48 ساعة. هذه انطباعاتي المبتورة عن رحلة مبتورة تحت حرارة جهنمية عدتُ منها شبه هارب رغم أنني كنتُ بضيافة فندقية كريمة داخل المنطقة الخضراء الشهيرة منذ عهد صدام حسين والمتوسعة الآن مع وجود مراكز الدولة الرئيسية والسفارة الأميركية والمنازل الجديدة المملوكة بشكل قانوني (شرعي؟؟) من محظوظي حقبة ما بعد 2003 فتقع على بعض ملكيات صودرت بالقانون كان يملكها محظوظون من النظام الرهيب السابق صادروها يومها بدورهم بأشكال قانونية قسرية متعددة.

بغداد هي عاصمة دولة شيعية اليوم. هذه حقيقة لا مجال أمام أحد لإخفائها. ترتفع في الشوارع وأحيانا في مكاتب للدولة بشكل فوضوي شعاراتٌ “حسينية” تعلن الهوية أو تعلن نظرة الناس للهوية بعيدا عن أي خبث لدى موظف صغير هنا أو صاحب دكان هناك. جلافة ولكن ليس خبثاً. فهذه هي الحقيقة الفعلية. الأسماء الكبيرة شيعية وليس رئيس الوزراء وحده. الآن عليك أن ترصد قادة من “الحشد الشعبي” تضمهم إلى فسيفساء الطبقة السياسية الجديدة وطموحاتها (وتهديداتها) وعلاقاتها خصوصا بقاسم سليماني. هل هو توازن قوى مضبوط أم اتجاه نحو الصدام وربما بين “الحشد” والجيش؟

لا ديكتاتور في عراق اليوم. حتى نوري المالكي “السيئ الصيت الموصلي” لم يكن صدام حسين. ولكن لا دولة متماسكة منذ سنين حتى فسادها فوضويٌّ وغير مركزي! في نمط اقتطاعات لا إقطاعات بين مراكز قوى مكرّسة. هذا ما لا تحتاج لمعرفته إلى أن تكون في بغداد بعد غياب ست سنوات. لكن عندما تكون في بغداد سترى أن كل شيء في الإعلام العراقي الرسمي والسياسي يدور حول استعادة مدينة الموصل من داعش.

تبدو الموصل بالنسبة للسلطات وكأنها بداية شرعية جديدة للعراق تُعوِّض لا شرعية 2003 في جزئها الأجنبي. وهي كذلك إذا كان باستطاعتها أن تشكِّل نقطة انطلاق لميثاق عراقي يضم السُنّة ويحظى بدعم إقليمي ودولي؟ الموصل هي الفرصة الجديدة الكبرى لإمكان “وطنية عراقية” لا تكون ممزقة كالعراق نفسه منذ 1991، أو معاقة أو انتقالية أو باحثة عن نفسها مجددا.

هذا ليس أكيدا ولو كانت عودة الموصل، عاصمة العراق السني الكبرى، هي عودة لدولة عراقية عربية متعددة الطائفتين! وقوميات ومذاهب وأديان أخرى. (ما عدا الأكراد؟). التحدي هنا.

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي تحدّث في “الصباح”، الجريدة الرسمية، الأربعاء المنصرم، عن إقرار مجلس الوزراء لمشروع قانون يجرِّم التحريض والتعبئة الطائفيين.

العبادي، أيا تكن أفكاره الحقيقية، والأهم أيا تكن إمكاناته ك”الرجل القوي الضعيف” في الدولة، باتت مصلحته بعد انتصار الموصل أن يمثل الوجه الشيعي التعددي للدولة، ولكن السؤال الأعمق الذي كنتُ أفكِّر فيه وأنا أتجول في بغداد في سيارة رسمية فاخرة ذات مكيّف تجعلني وكأنني أنظر إلى بغداد من شوارع سويسرا… فأستعيد قول الصافي النجفي:

يا عودةً للدار ما أقساها……… أسمعُ بغداد ولا أراها

… السؤال الأعمق: هل تستطيع هذه النخب الشيعية الدينية التكوين بكل تلاوينها أن تبني دولة غير طائفية بعد كل هذه العهود من الاحتقان الطائفي ضد عهود طائفية غير معلنة؟

العراق الجديد هو حتما طائفي ولو كان ميثاقيا أو لو أصبح ميثاقياً.

ولكن السؤال الأخطر والذي يتجاوز وجوديا كل كلام طائفي ويجعله عبثيّاً أمام ما آل إليه العراق والمنطقة ككيانات محطَّمة:

هل تستطيع كل هذه النخب الشيعية والسنية والكردية المتصارعة والمتوافقة أن تبني دولة مقبولة بمعايير الحداثة والنزاهة والديموقراطية؟

هذا هو جوهر الموضوع العصري في العراق كما في دول اخرى في المنطقة. في العراق الذي قال عنه معلِّق أميركي أنه جعل السياسيين والبيروقراطيين الفاسدين اللبنانيين (العريقين) يبدون هواةً أمام نظرائهم العراقيين في ممارسة الفساد… في هذا العراق هل لا زال ممكنا بعدُ، بناء دولة يطمئن إليها المواطن أكان شيعيا أم سنيا أم مسيحيا أم صابئيا أم أم أم؟

أشكّ… وهذه كلمة مهذّبة.

في بغداد وقبلها في بيروت وقبلها في ييريفان أرمينيا والآن طرابلس الغرب وحتى رام الله ولاحقا دمشق بات من المألوف أن تلتقي بأعضاء كثيرين من النخبة الحاكمة أو النافذة يحملون جنسيات غربية. صار هذا تقريبا، دون تعميم شامل، جزءا غير معلن من “اللعبة”. باب الرزق في الداخل والعائلة في الخارج. ولا ألوم أحدا لأنني هنا أُوصِّف فقط ما حصل في دول يحاول إعادة بنائها منفيّون سابقون.

الموصل مدينة أحد أكبر شعراء العرب وهو أبو تمام الذي ننتظر إقامة احتفالية كبرى له بعد إعادة بناء أو ترميم تمثاله المدمر داعشيّاً هناك… لنقرأ ماذا كتب عنها في إحدى قصائده الحمّالة الأوجه اليوم:

تِسْعُونَ أَلْفاً كآسادِ الشَّرَى نَضِجَتْ

جُلُودُهُمْ قَبْلَ نُضْجِ التينِ والعِنَبِ

يا رُبَّ حوباءَ لمَّا اجتُثَّ دابرُهمْ

طابَتْ ولَوْ ضُمِّخَتْ بالمِسْكِ لم تَطِبِ

خَلِيفَةِ اللَّهِ جازَى اللَّهُ سَعْيَكَ عَنْ

جُرْثُومَة ِ الديْنِ والإِسْلاَمِ والحَسَبِ

أَبْقَتْ بَني الأصْفَر المِمْرَاضِ كاسِْمِهمُ

صُفْرَ الوجُوهِ وجلَّتْ أَوْجُهَ العَرَبِ…

jihad.elzein@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*