مفكرة يوم في القرية

 

كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
الشرق الأوسط
09102018

لا أعرف لماذا ننتظر الخريف: تلاقي ألوانه الكئيبة دواخلنا؟ الشفقة على الشجر؟ الرفق بالطيور التي تتدفأ بورق الشجر ولن تجده بعد قليل؟ وحيدة تعيش وتنمو الأشجار. الطيور تبدد وحدتها قليلاً. الخريف يخفف عنها عبء الأوراق.
> عبقرية اللغة: الريح شيء، الهواء شيء آخر. الريح تملأ الجو صراخاً وهبوباً وهي تعصف من شجرة إلى أخرى. الهواء ينقل النسيم إلى الناس، في همس ولطف، دون تمييز، ويمر بالألحان على ناي الرعاة… وحيدون مثل الشجر.
> التلامذة الصغار في صفوفهم يتضاحكون في خبث: المدرِّس يتظاهر بأنه لا يدري ويخاف أن يحرج سذاجتهم. ينسون دائماً أنه المعلّم.
> يمر الراعي خليل تسبقه ماعزه وأجراسها. الخريف الماضي وعدني بأن يقرأ عليّ قصيدة من تأليفه. يبدو أنه قد نسي. يتناول فنجان القهوة وعينه على الماعز الشارد، ويسأل عن «الأوضاع». وأكرر عليه كلام الخريف الماضي وأنا خجول بنفسي لئلا يعتقد أنني لا أبالي بأمره.
> في الخريطة التي وضعتها البلدية حديثاً، يشار إلى المنطقة التي فيها المنزل باسم «الكروم». لافتة معدنية زرقاء لاسم لم يعد له مسمى. لم يبقَ من الكروم سوى عريشة متروكة، مثل الحروف المهملة.
> فوق البركة، القديمة من أيام جدي، ثلاث شجرات «خرما» يحمر لونها في الخريف عند الاستواء، وتصبح مثل لوحة زاهية لحسن جوني. تتساقط ثمارها ولا يقطفها أحد. العام الماضي قررنا أن نقطف ما أمكن، وأرسلت صندوقين إلى الدكتور بهيج طبارة. وسارع في الشكر على نحو محيّر، وقرأت في صوته أن أصدقائي سوف يكونون أفضل حالاً إذا تركنا الموسم على الأغصان… والأصدقاء بلا هدايا.
> الليل البارد يتكفل سقي الزهور.
> صديق من أيام الشباب يتصل موبايليّاً: «هل أنت في البيت كي أمر بك؟»… يعيدني ذلك إلى أيام الشباب الذي لا يعود. يومها كان الرفاق يمر بعضهم ببعض دون هاتف مسبق، ولم تكن للأبواب أجراس لأنها بلا كهرباء، وكنا نحفظ عادات وأوقات بعضنا البعض. وكنا، صديقي وأنا، نتمشى كل مساء على طريق القرية وتبتسم لنا الصبايا من بعيد… ما يكفي لكتابة قصيدة… على البحر المتدارك.
> أبحث في الكتب القديمة واحداً بعد الآخر. كل ما فيها جديد. وبعض ما فيها دائماً مفاجئ في الإعادة.
> كنت أجلس على هذه الصخرة وأحلم. أتخيل الحوارات وألقي الخطب مثل شيشرون، وأحيي الجماهير، والآن أبحث عن الزاوية المريحة أكثر من سواها. أحياناً مع إبراهيم ناجي:
إذا بحلمي تلاشي
واستيقظت عينايا
ورحت أصغي وأصغي
لم ألفِ إلا صدايا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*