«معلم ومتحف مليتا للسياحة الجهادية»… هنا زمن النصر تجلّى!

 أحد أكثر الأماكن استقطاباً للزوّار في لبنان

نيكول يونس

الأخبار
14082017

«لا تكتبِ التاريخَ شِعراً.. فالسلاحُ هو المؤرَّخ!»
(محمود درويش)

«مليتا، هذه الأرض هي من أقدم مواقع المقاومة الإسلامية التي أنشئت في منطقة إقليم التفاح في مقابل المواقع الإسرائيلية واللحدية التي يمكنكم أيضاً مشاهدتها. في مقابل تلك المواقع المحصنة بالدشم وبأهم التحصينات والمسلحة بالدبابات وبالأسلحة المتطورة والمحمية بسلاح الجو الإسرائيلي وبالمدفعية الإسرائيلية، جاء شباب في زهرة العمر من لبنان إلى هذه التلال المقابلة.

هذه التلال كما هي، كما ترونها، وأقاموا مواقع للدفاع عن بقية الأراضي المحررة ومواقع للانطلاق منها لشن عمليات وغارات على مواقع الاحتلال والدوريات الإسرائيلية واللحدية التي كانت تسير في المنطقة في سياق عمل المقاومة المتواصل في استنزاف العدو لإجباره على إخلاء الأرض والاندحار منها.
جاء هؤلاء الشباب إلى هذه التلال وحفروا الخنادق بأيديهم واقتلعوا الصخور وأقاموا مغارات وكهوفاً. في ذلك الوقت لم يكن هناك إمكانات لعمل اسمنت وباطون مسلح على مستوى الإمكانات المادية، أقاموا الدشم والمتاريس، وعلى ظهورهم نقلوا السلاح والذخائر والإمكانات والطعام والمؤن صعوداً ونزولاً. وطبعاً، الإخوة أجروا تحسينات كبيرة في المسار الذي سترونه.

ومع ذلك، ستجدون أنّ بعض هذا المسار شاق على المستوى الجسدي، وعاش آلاف من المجاهدين الذين جاؤوا إلى هذه المنطقة وذهبوا، خدموا لشهور ولسنوات وخصوصاً في أجواء البرد القارس التي تعرفونها عن هذه المنطقة. هذه المواقع كانت دائمة الحضور بهؤلاء الرجال وهؤلاء الشباب وهؤلاء المضحين. من هذه الأرض انطلقت عمليات كبيرة ومهمة جداً باتجاه كل المواقع الموجودة على مرمى أبصاركم، واقتحم مجاهدو المقاومة قلاع العدو وقدّموا الشهداء وقدموا التضحيات وألحقوا الهزيمة النكراء بهذه العدو».
(من كلمة السيد حسن نصر الله في افتتاح معلم مليتا للسياحة الجهادية ـــ21 أيار/مايو 2010).

ضرورة التأريخ

هو النصر إذاً، ثمرة المقاومات الشعبية لتحرير الأرض من المحتل الغاصب. هنا رسم السيد نصرالله الإطار العام للمقاومة في لبنان في خطبته الدلالية التاريخية. ثم أشار إلى ضرورة التدوين والتأريخ للعمل المقاوم، من دون انقطاع. عرِّج بنا إلى عام 48 حين كانت مقاومة اللبنانيين والجنوبيين، بخاصة في مواجهة المشروع الصهيوني، من بديهيات الفعل الوطني. ومنها انطلق بنا في المسار التاريخي للمقاومة. فالتاريخ مكوّنٌ أساسي من الهوية يقول سماحته، «وله تأثير بالغ على مسار حركتها في الحاضر ومآل أحوالها في المستقبل. والأمم والشعوب الحية تحافظ على تاريخها، تستلهمه وتستحضره وتفخر به، تستقوي به أحياناً، وتبرز مظلوميتها من خلاله أحياناً أخرى، تعلمه لأجيالها القائمة والقادمة، وتستخدم للحفاظ على تاريخها وإحياء هذا التاريخ كل الوسائل والإمكانات المتاحة والمتناسبة مع تطورات كل عصر» كتب.. سِيَر.. تحقيقات تاريخية.. تكريس رموز وأسماء وأحداث، أفلام وثائقية.. وإقامة المتاحف. «ومن أهم هذه المتاحف هو ما يركز على حدث تاريخي معين، وعلى حقبة زمنية معينة». انطلاقاً من ذلك، كان معلم ومتحف مليتا للسياحة الجهادية (العسكرية).

هنا تُشرّح الهزيمة

يعلّمنا التاريخ العسكري للحروب أن النصر يتجلى في عناصر عدة مجتمعة. أولاً النصر العسكري المباشر باسترداد الأرض من المحتل والسيطرة على مساحة جغرافية معيّنة. ثانياً بتكبيد العدو الخسائر المادية في العديد والعتاد والأضرار المادية الأخرى. ثالثاً وهو المثبِّت للنصر: تحطيم العدو معنوياً وضرب العناوين التي خاض حربه من أجلها، وتكسير معنويات جيوشه، وزعزعة أمان بيئته الحاضنة. وفي معلم مليتا، يتجلى النصر بكافة عناصره هذه. فالأرض اليوم بفعل المقاومة عادت لنا. ومن هنا أيضاً، تكبد العدو أقسى الخسائر في العديد والعتاد، وكُسِرت هيبته وشوكته، وظهر تفوّق المقاومة ضد المحتل الغاصب. وأكثر، من هنا ما زال يعيش الرعب ويتلمس أول خبر عن المعلَم، يحلله يفككه يشرحه ويعيد تركيبه. فهنا انكشف عار هزيمته واتضح بالبرهان والدليل على مدى 60000 متر مربع من الأرض (مساحة مليتا غير المبنية) وقرابة 5000 متر من المساحة المتحفية المبنية. هنا تُشرّح الهزيمة، بل الهزائم المتكررة للعدو الصهيوني بأسطعِ صيغة، للعلن! يمكن للزائر أن يفهرِس أجزاء: الإحباط والإخفاق والاستسلام والانكسار والانهزام والاندحار والهروب والهزيمة والعار الصهيوني، والكيان يتابع بحسرة وخائباً مرتاباً. فإعلامه مواكب لمعلم مليتا منذ افتتاحه. «عندما عرضنا هيكلية الجيش الصهيوني التي تبدأ من رئاسة الأركان إلى أصغر سرية في جيش العدو، تاريخ المعلومات كان عمره 4 أيام. ولقد اطلع العدو الصهيوني بشكل أو بآخر على ما يحصل في معلم مليتا، وقد أقرّ بصحة ودقة المعلومات هذه لاحقاً» هذا ما يقوله لنا مسؤول الإرشاد السياحي في معلم مليتا محمد لمع.
المكان مفتوح حتى أمام الإعلام المعادي. «الـ cnn مثلاً صوّرت ثلاثة أيام داخل معلم مليتا، و«نيويورك تايمز» أعدت تقارير، وكذلك كبريات الصحف الأميركية». يتابع محمد لمع قائلاً: «من ضمن الإنجازات في مليتا، أنه غيّر الفكرة النمطية السائدة عن الجندي الصهيوني الذي لا يقهر لأنّ المقاومة استطاعت أن تغير الفكرة السائدة عنه. خطاب سماحة السيد نصرالله في بنت جبيل إثر النصر، استفز الصهاينة إلى درجة ظلّوا ستّ سنوات يحللون جملة «واللهِ إن إسرائيل هذه هي أوهن من بيت العنكبوت»! في عام 2006 عندما أتى الرد بعملية «خيوط الفولاذ»، كان الصهاينة يريدون فقط محو عار هذه الجملة! وربما مدينة بنت جبيل مُسحت بالأرض بسبب هذه الجملة! ومعلم مليتا أيضاً بالنسبة إلى الإعلام الصهيوني هو إهانة لهذا الكيان! هذا الكيان الصهيوني الذي عمد إلى مسح معتقل الخيام في الدقائق الأولى من عدوان 2006.

كان يريد أن يمحو عاره ويمسح آثار جرائمه! مليتا أيضاً جزء من هذه المنظومة التي تقوم فيها المقاومة بإذلال العدو وتذكيره بهزيمته وتغيير الفكرة النمطية عن العدو، وتكسير صورته في الإعلام وبالكلمة، كما تم تكسير أضلع الجيش الإسرائيلي وأذرعه بالحروب في الميادين، سواء عام 2000 أو 2006. يعني مليتا جزء من بروباغاندا مضادة، لكن صادقة تعتمد على الحقيقة والوقائع والدلائل والبراهين التي تقدمها المقاومة في وجه الإعلام الصهيوني».

المحب والمحايد والخصم

مليون و700 ألف زائر منذ الافتتاح عام 2010. وكان بالإمكان تسجيل عدد أكبر لولا الأزمة السورية التي عصفت مباشرة بعد الافتتاح. مع ذلك، لم يزل «معلم مليتا للسياحة الجهادية (العسكرية)» واحداً من أكثر الأماكن السياحية في لبنان استقطاباً بحسب ما يفيدنا محمد لمع.
فمن هم الزوّار؟ هل يصبحون رسلاً للمقاومة بعد الزيارة؟ «صعب أن يخرج الإنسان من مَعلم مليتا كما دخل إليه!» يؤكد لمع مقسّماً الزوار إلى ثلاث فئات: المُحب والمحايد والخصم.
«فالمحب يزداد حباً. هنا يقف ويعاين بالأثر المادي هذا النصر، ويشعر أنّ الحلم تحقق عند كل الأحرار منذ نكبة فلسطين ودخولنا زمن الهزائم، في نكبة الـ 48 ونكسة الـ 67، ثم في خسارة عام 76 وإن كانت مغلفة، فاجتياح الـ 78 واجتياح الـ 82… كل مصطلحاتنا كانت هزائم! أما عام 2000 ، فقد تحقق الحلم وتغير كل هذا الخطاب. وكما قال سماحة السيد، نحن دخلنا زمن الانتصارات، ثم عام 2006 حتى الانتصارات الأخيرة على الشكل الآخر للعدوان على لبنان. مليتا إذاً أصبح يجسد زمن الانتصارات، وهو الدليل الشاهد عليها، وهو الضامن والحافظ لهذه الانتصارات من الضياع، والضامن لعدم ضياع هذه الإنجازات! وهو الصرح الذي يمنع تزوير تاريخ لبنان، كما قيل مثلاً عن ثوار جبل عامل في ما مضى أنهم قطاع طرق! والحقيقة أنهم ثاروا ضد الاستعمار الفرنسي وضد العثماني! لذا الآن ممنوع أن يشوَّه تاريخ المقاومة. مليتا موجود لكتابة الصفحات البيضاء المقاومة من تاريخ لبنان، ولتقديم الدليل الحسي الملموس على هذه الانتصارات الكبيرة. هذا بالنسبة إلى المحب». ويتابع لمع: «هناك المحايد، مثل الزائر الأجنبي. نقول محايداً إذا لم يكن متأثراً ببروباغندا الإعلام الغربي، الذي هو مع الأسف معاد وموجَّه، إذ لديهم غرف سوداء توجه الإعلام بشكل غير محايد ولا موضوعي، وهو يتكلم دائماً عن إرهاب! عندما تكون «إسرائيل» على الضفة الأخرى، تصبح الضفة الأولى إرهاباً لا مقاومة. عندما يأتي هذا الزائر المحايد إلى مليتا ــ إذا كان محايداً فعلاً ـ نستطيع أن نسكب فيه نسختنا، النسخة المقاومة للمحتل. نسمح له أن يرى الوجه الثاني من العملة وكيف كنا نُقصَف. فإذا كان يرى دائماً الوجه المقابل، نحن هنا نقول له، هناك وجه آخر ونريه إيّاه. وهنا لا ندعي أننا نتمكن من إقناعه 100% لكنه حتماً يخرج مع أسئلة، مع علامات استفهام على كل صيغة قد تقدَّم له، أو قدمت له في الماضي أو ستقدم له في المستقبل، لأنه يعاين على الأرض أن «إسرائيل» كانت في العمق اللبناني. ويساعدنا في ذلك أيضاً التوثيق البصري (صور وفيديوهات) عن المجازر التي ارتكبها العدو الصهيوني. وقد لا يكون إعلامه سمح بتمريرها له. وهكذا نزعزع الصورة النمطية التي كانت راسخة لديه، ويصبح لديه الرواية الكاملة عن لبنان وقضيته وصراعه مع العدو الصهيوني». أما عن الشريحة الثالثة، فيفصّل مدير الإرشاد السياحي في المعلم: «بالنسبة إلى الشريحة الثالثة، فقد يكونون خصوماً. وطبعاً المقاومة لا تتكلم عن أعداء في الداخل اللبناني وإنما خصوم. يعني نختلف في السياسة ولكن نتشارك هذا الوطن، ولا تعتبر أو لا تعترف بوجود أعداء داخل لبنان. ونحن هنا حوّلنا متحف مليتا إلى ملتقى وطني مفتوح أمام كل أطياف الشعب اللبناني وفيه نتشارك الخيوط العريضة والأساسية والكبرى التي قد يجتمع حولها كل المواطنين الساكنين في البلد نفسه. فهذا الخطر الذي كان محدقاً بالجنوب وأزالته المقاومة، كان محدقاً بكل لبنان! شاهدنا في عام 2006 جسر كازينو لبنان يدمّر، ومزارعي التفاح بعكار يستشهدون تحت الأشجار، ورأينا كيف قصفت طريق المصنع، ورأينا تدمير البنى التحتية ومطار بيروت والمرافئ والكهرباء والمياه.

كان يتم تدمير لبنان كوطن وكرسالة! كرسالة تعايش بين الطوائف. وكان يراد تكسير هذه الصورة من أجل تبرير قيام دولة يهودية في «اسرائيل». وهذا الخطاب نجتمع عليه حتى مع خصومنا في الوطن. فالمقاومة لم تقاتل من أجل فئة، والمقاوم الذي استشهد وحرر مرجعيون، وجزين، وعين ابل، وابل السقي، أيضاً استشهد من أجل تحرير جرود عرسال. والآن هو جاهز كي يستشهد دفاعاً عن كل الوطن. في خلاصة الأمر، مليتا متحف وطني لكل أبنائه. لمن نختلف أو نلتقي معهم في التفاصيل. هناك نقاط لا أعتقد أن اللبنانيين يختلفون عليها».

حقل الرماية

إن تغيير الفكرة النمطية عن الجندي الصهيوني الذي لا يهزم، تستكمل اليوم عبر حقل الرماية «الافتراضي/سيموليتر». ما إن تم افتتاحه، حتى هرع العدو إلى التصريحات الإعلامية أولها عبر موقع «روتر» العبري، مهلوِساً مذعوراً من فرضيته أنّ «المقاومة تدفع الشباب اللبناني إلى التدرب على السلاح». ما يثير الضحك هنا أن أثر الانتصارات المتتالية، ما زال فعلاً يشعل الرعب ويهد معنويات الصهاينة حتى عبر الألعاب . لكن ما هو هذا الـ”سيموليتر” علمياً؟ يشرح لنا مهندس الالكترونيات والكمبيوتر والأنظمة المدمجة أحمد عودة (دكتور في مجال علوم أنظمة تكنولوجيا المعلومات) أنّ «السيمولايتر نظام محاكاة تكنولوجي يحاول من خلال الرياضيات والفيزياء تقليد نظام واقعي حقيقي أو تجربة حقيقية ما بطريقة اصطناعية ضمن ظروف مشابهة للواقع قدر المستطاع. هو يتألف عادة من كمبيوتر مضمن ومجموعة من المعدات (هاردوير) المناسبة لمحاكاة النظام الحقيقي، بالإضافة إلى الحساسات الإلكترونية كاللايزر، وحدة القياس بالقصور الذاتي، الكاميرات… وهي تستخدم عادة كمصدر أساسي للمعلومات للحصول على رؤية واضحة عن المحيط وتمكّن بالتالي الكمبيوتر المضمن من فهم المحيط بشكل أفضل. وعلى هذا الأساس، تُتخذ القرارات في الزمن الحقيقي للتفاعل».

وبحسب البيان الصحفي الصادر يوم افتتاح حقل الرماية  “سيموليتر” ، فقد «صمَّم المشروع وأشرف على تنفيذه عدد كبير من المهندسين والتقنيين من ذوي التخصصات السمعية البصرية». يوسّع مسؤول الأنشطة الإعلامية في «حزب الله» الشيخ علي ضاهرالرؤية لـ «الأخبار»، مفنّداً المشروع الأشمل: «إن حقل الرماية هذا يأتي ضمن سياق المخطط التوجيهي العام لتطوير معلم مليتا السياحي. ونحن منذ اليوم الأول للافتتاح، لدينا مخطط توجيهي لاستكمال كافة مراحل هذا المعلم. إن محطة حقل الرماية أو ما يسمى بالسيمولايتر، هي واحدة منها. وهناك غيرها من المحطات كالملاعب ومساحة شبابية في الهواء الطلق تعتمد على الجهد البدني أو الجهد الجسدي، مخيم شبابي، مدينة ملاهي، تيليكابين وغيرها. هو يشبه إلى حد ما قرية سياحية متكاملة. يأتي الزائر اللبناني أو العربي أو الأجنبي يمضي نهارين أو ثلاثة في هذه المنشأة». ويشير الشيخ علي ضاهر إلى أن «العمل على حقل الرماية قد بدأ من حوالى أربعة أشهر، واعتمد بشكل أساسي وكامل، على خبرات من شباب المقاومة، تحديداً في قسم التطوير التكنولوجي والفني كي يُتاح للشاب اللبناني تمضية يوم من يوميات المقاومة، وتلمس السلاح والصعوبات، الأصوات، الإحساس، موضوع الصراع، وموضوع المقاومة. فمن هنا نشأت الفكرة وطوّر شباب المقاومة المعنيون جهاز محاكاة هو عبارة عن أسلحة حقيقية كانت تستعملها المقاومة، ولكن خالية من الرصاص.

وأصبح هناك نوع من الدمج الذكي، بين السلاح الحقيقي والشاشة أو الهدف الافتراضي».
وبحسب البيان الصحافي للافتتاح الصادر قبل أيام، إنّ «حقل الرماية يفسح المجال أمام الشريحة الشبابية في لبنان والمحيط، لخوض التجربة العسكرية في مزيج رائع من التكنولوجيا والحياة العسكرية الفعلية، ليذوقوا بعضاً من التعب والصبر، وكثيراً من الشعور بالنصر».
هي صالة مغلقة «مساحتها 200 متر مربع، مجهّزة ببعض النماذج من الأسلحة الفردية والمتوسّطة التي تستخدمها المقاومة في مواجهة العدو، بالإضافة إلى نظام محاكاة متطوّر تمّت برمجته خصيصاً للغاية. يرمي الزائر من خلال هذه الأسلحة على أهداف ومواقع افتراضية، تستعيد بالذاكرة العمليات النوعية على المواقع العسكرية، التي لطالما خاضتها المقاومة سابقاً وتخوضها اليوم، على امتداد عشرات السنوات من العمل الجهادي النوعي» وفق البيان.
أحد العاملين الأساسيين في حقل الرماية الجديد، يفضل عدم ذكر اسمه يسرّ لـ «الأخبار» إنّ «هذه الأسلحة استخدمت قبل عام 2000 في هذه المنطقة تحديداً. لقد عدَّلنا عليها بحيث تطلق اللايزر لا الرصاص الحقيقي، والأهداف دائماً هي العدو. المشهدية التي يُرمى عليها، هي من العمليات التي سطرتها المقاومة في المنطقة، وكانت أرض مليتا مشرفة عليها، في منطقة مثل كمين سجد الريحان، أو عملية موقع سجد. وبذا، سوف يشعر الرامي أنه شريك أو جزء مساهم من ضمن المجموعة التي شاركت في هذه العملية. والأدق، هناك محاكاة لهذه العملية. طبعاً هنا في حقل الرماية، حالة من الرفاهية غير موجودة في الحقيقة. لكن الأهم أنّ الأهداف حقيقية، وهي فعلاً جزء من البنية العسكرية للعدو الصهيوني التي كانت تؤذي أهلنا في هذه المنطقة، وتقصفهم».
حقل الرماية هذا عبارة عن محاكاة لواقع ما قبل عام 2000 في المنطقة بكامل تفاصيل الحياة التي كان يعيشها المجاهدون، سواء من حيث وزن الأسلحة، أو نوعيتها وغيرها من العناصر التي ذُكرت آنفاً. ويضيف المصدر: «جزء كبير من الزائرين هم من جيل ما بعد الـ2000 وهم بالتالي لم يعايشوا آلام الاحتلال. ربما سمعوا عنها، لكنهم لم يقاسوا العذابات تلك. لذا كان من الضروري تذكيرهم أو ترسيخ صورة العدو في أذهانهم. والأهم أن يتمكن الزائر الرامي في هذا الحقل أن يشعر بترجمة مقولة سماحة السيد نصرالله في بنت جبيل بأن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت، ويتلمّس هزيمة هذا العدو عبر كسر أي نوع من الخوف المحتمل. وعموماً هذا الجيل مكسور عنده سلفاً الخوف. فقد عايش الانتصارات. وهنا يرى بأم العين إنجازات الإخوان. ويهمنا أن يشعر أنه قادر أن يكون شريكاً فيها. وعملياً عندما يشارك في حقل الرماية بهذه المهمة، يترسخ عنده شعور نصرنا وهزيمة الصهاينة على أيدي المجاهدين، الصابرين».

تجدر الإشارة إلى أن هذه الصالة تتيح للرامي رفاهية ما بعيدة عن الواقع الخطِر الذي عايشه المجاهدون إبان الاحتلال الصهيوني المرير والصعب. واقع تؤرّخه وترسّخه كل أرض مليتا، من الهاوية إلى المسار والتلة والبئر، ودشمة السيد عباس والدشمة القديمة ودشمة «سُجُد»، ثم المغارة والنفق والمطل وخط النار…. إلى مختلف الوحدات: الدعم، الإنشاءات، القوة الصاروخية، الهندسة، الإشارة، الإسناد الناري، الإسعاف الحربي، الدفاع الجوي، الرصد والاستطلاع وغيرها… كلها هنا لتشهد. أما حقل الرماية هذا، فيفتح أبواب مشاركة النصر من دون تهديد الغارات الجوية وخطر القصف الصهيوني الحقيقي. حقل الرماية الجديد اليوم في مليتا، يهدي شعور النصر مع الطمأنينة، وضمان الراحة. أما من صنعوا لنا النصر، فهم اليوم شهداء أو جرحى أو أسرى محررون، أو «ينتظرون وما بدّلوا تبديلا». وفي ذا وعن مليتا، قال السيّد نصرالله يوم افتتاح المَعلم منذ سبع سنوات:
«هنا في هذه الأرض التي تقفون عليها، هنا قاتلوا وصمدوا تحت الغارات الجوية والقصف المدفعي، هنا صلّوا ودعوا وناجوا ربهم، هنا كانوا صلة الوصل بين الأرض والسماء، هنا كانت أرواحهم حبلاً متصلاً بين الأرض والسماء لا ينقطع، حبلاً من نور وأمل وعشق وحب ورجاء وتوكل… هنا سالت دماؤهم، فكان الجرحى وهنا قدموا أرواحهم زكيةً فكان الشهداء، هنا كان السيد عباس يحتضن المجاهدين ويقيم لهم مجالس الدعاء ويودعهم في اللحظات الأخيرة إلى اقتحام المواقع. هنا أرض الصفاء والنقاء والطهر والتضحية والعطاء وأهل الجود وأعلى الجود، هنا أرض الشجاعة والثبات والصمود والوفاء، وهنا منذ البداية ـ وهو الأساس ـ أرض المعرفة واللهفة والعبادة والحب والشوق والعشق، وهنا أرض الجهاد، جهاد النفس التي تركت الدنيا ومَن فيها وما فيها خلف ظهرها وهاجرت إلى الله، إلى التلال والوديان، وجهاد العدو الذي أراد إذلال أمتنا واحتلال أرضنا وقهر إرادتنا، فرفضت وأبت تلك الأنفس الأبية الوفية أن تقبل بهذا الضيم وبهذا الذل وبهذا الهوان، فكان الحضور الكبير في أرض المقاومة. نعم هنا بعض حكاية الأرض للسماء».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*