معرض «روابط» في مرسيليا يجمع ضفّتي بين المتوسّط

 

مرسيليا – أوراس زيباوي
الحياة
05012018

المعرض الجديد الذي يُقام حالياً في متحف «موسم» في مدينة مرسيليا، ويحمل عنوان «روابط»، هو بمثابة رحلة إلى المدن المتوسطية التاريخية، ومنها إسطنبول والجزائر العاصمة والبندقية وجنوى وإشبيلية ولشبونة، وذلك من خلال مجموعة نادرة من التحف والوثائق والتصاميم العمرانية تتوزع على مساحة 1150 متراً وتروي حكاية المتوسط في القرنين السادس عشر والسابع عشر.

أشرفت على تنظيم المعرض المؤرخة ميريام موريل دولودال التي استندت في رؤيتها وتوزيعها لأقسام المعرض إلى فلسفة العالم الفرنسي الراحل فرنان بروديل، وهو أحد أشهر المؤرخين الفرنسيين والعالميين، منطلقة من دراسته الشهيرة وهي بعنوان «العالم المتوسط في عهد فيليب الثاني» التي صدرت طبعتها الأولى عام 1949 وما زالت تشكل مرجعاً أساسياً في دراسة تاريخ البحر المتوسط. وفيليب الثاني، كما هو معروف، كان ملكاً على إسبانيا وعدد من المدن الإيطالية في القرن السادس عشر وفي عهده وصلت إسبانيا إلى ذروة نفوذها وقوتها.

هيمنت خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر إمبراطوريتان على حوض المتوسط وهما الإمبراطورية العثمانية وإمبراطورية «هابسبورغ».

ويسلط المعرض الضوء على التفاعل بين المدن المتوسطية على رغم الصراعات السياسية والحروب. ففي القرن السادس عشر، كانت البندقية لا تزال قوة اقتصادية وتجارية أساسية، وكان تجارها حاضرين في جميع الأسواق ويتعاملون مع المسيحيين والمسلمين على السواء. ويشهد الكثير من التحف الفنية واللوحات على حضور تجاري عثماني أكيد في المدينة.

من جهة ثانية، عاشت إسطنبول عصرها الذهبي في القرن السادس عشر في زمن السلطان سليمان القانوني وصارت عاصمة عالمية تعج بالنشاطات الثقافية والتجارية والسياسية والعمرانية.

وتحضر في المعرض، من خلال اللوحات والقطع الفنية، الشخــصيـــات المعروفــــــة التــــي هيمنت على هذه المرحلة ومنها قائد الأسطول البحري العثماني، خير الدين باشا، وكان الأوروبيون قد لقبوه ببربروسا بسبب لحيته الحمراء. وقد مكنته انتصاراته البحرية من طرد الإسبان من السواحل الجزائرية وجعلها تابعة للدولة العثمانية. باختصار، يبين المعرض أن المدن التي أتينا على ذكــــرها جسدت في القـــرنين السادس عشر والســــابع عشر صـــراع القـــوى في المتوسط وصعود الإمبراطوريات وأفولها فيما بعد.

أما القسم الأخير من المعرض فهو مخصص للأزمنة المعاصرة، وما يحدث اليوم في عدد من المدن في حوض المتوسط، شرقاً وغرباً. وهنا يتوقف المعرض عند القاهرة وإسطنبول، وهما مدينتان جمعتا المجد التاريخي والحضاري لكنهما ترزحان اليوم، في القرن الحادي والعشرين، تحت ضغوط هائلة بسبب الانفجار السكاني والتمدد العشوائي والفقر.

ولإضفاء حيوية على المعرض، تعرض تصاميم عمرانية لعمارة الفقراء في القاهرة وصور وأشرطة فيديـــو عن الأحياء الإسمنتية الجديدة ذات الطابع المتوحش التي تشيد فـــي المناطق الجديدة من إسطنبول لاستيعاب فئات شعبية فقيرة. وهذا ما يثير جدلاً لدى عدد من المعماريين الجـــامعيين والمهتمين بمستقبل المدينـــة وضواحيها التي بات تعداد سكانها عشرين مليون نسمة اليوم.

إضافة إلى الجانب الفنّي والجمالي لمعرض «روابط»، تقتضي الإشارة إلى الجانب التوثيقي الذي سمح لنا بإجراء المقارنة بين ما كانت عليه المدن المتوسطية وما آلت إليه.

يكشف المعرض أيضاً على التحوّلات التي عاشتها تلك المدن في مرحلة كانت أوروبا قد بدأت تعيش عصر نهضتها بعد اكتشاف كريستوف كولمبس للعالم الجديد ومع التقدّم العلمي والمعرفي الذي ساد أوروبا آنذاك. والأهمّ من كلّ ذلك هو الإضاءة التي يقدّمها على التفاعل الذي جرى بين ضفتي المتوسط والذي لم يقتصر على المال والاقتصاد، وإنما ذهب أبعد من ذلك ليطال الثقافة ومن ضمنها العمارة والفنّ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*