معاناة العهد

مروان إسكندر
النهار
14122018

يعاني العهد تدني معدلات النمو، وعدم تنفيذ أي مشروع تأهيلي ما عدا العمل الجاري على الجسرين المقابلين لمخزن ” آيشتي” على ما يسمى الأوتوستراد الذي بات، منذ سنوات سابقة للعهد، طريقاً يعج بالمخالفات لمواصفات الطريق السريعة.

اضافة الى المعالم الاستثمارية في المنشآت العامة، عانى العهد صب الاتهامات على فترة تولي رفيق الحريري قيادة البلد، وبعض المسؤولين يصرحون بان الدين العام الذي يثقل على النمو ويحول، بتكاليف خدمته، دون تخصيص مبالغ ملحوظة غير مقترضة لمشاريع حيوية، ناتج من مقترضات عهد رفيق الحريري ومن بعده فؤاد السنيورة حتى نهاية 2007.

دعونا نراجع تطورات الدين العام الذي يبلغ حاليًا ما يساوي 83 مليار دولار، غالبيتها بالعملة اللبنانية، وأكثر من 80 في المئة من الدين العام يملكه لبنانيون لا مصلحة لهم في تجميد عمل الحكومة واحباط العهد.

في نهاية عام 2005 (وكان سعر صرف الليرة ما هو اليوم) بلغ حجم الدين العام 38.5 مليار دولار بما في ذلك مبلغ اقتراض السنتين اللتين تولى خلالهما رئاسة الوزراء الرئيس سليم الحص ووازى هذا المبلغ خمسة مليارات دولار، فتكون حصة الاستدانة لحكومات الرئيس الحريري نحو 33.5 مليار دولار. ويذكر في المقابل ان مستوى هذه الاستدانة رافقه اصلاح وترميم لـ260 مدرسة رسمية، اطلاق مشروع انجاز ابنية الجامعة اللبنانية، ترميم الجسور، تحسين الطرق وانجاز مطار بيروت الدولي بمواصفات جيدة لاستقبال ثمانية ملايين مسافر في المستقبل.

عام 2007، الذي سبقه عام 2006 وحرب الـ33 يومًا صيف ذلك العام وتدمير جزء كبير من مباني الضاحية الجنوبية بغارات جوية اسرائيلية مكثفة، وتهجير 900 الف لبناني ولبنانية من بلدات الجنوب وقراه، ارتفع الدين العام بما يزيد قليلاً على ملياري دولار وصار يضاهي 42.6 مليار دولار.

اوائل عام 2006، عقد الجنرال ميشال عون الذي كان عاد الى لبنان ولقي حماسة كبيرة لعودته اتفاقاً مع السيد حسن نصرالله لتحقيق التكاتف السياسي بين “التيار الوطني الحر” و”حزب الله”، ومنذ عام 2008 تولى وزارة الطاقة والمياه ممثلون، لـ”التيار الوطني الحر” ولا يزالون مستمرين في هذه المسؤولية.

خلال عشر سنين (2008-2018) ارتفع حجم الدين العام بأكثر من 100 في المئة، وكانت الزيادة في المقام الاول نتيجة عجز تمويل حاجات الكهرباء. والعجز المتحقق خلال هذه الفترة، التي لم ينفذ فيها أي مشروع ان لتطوير طاقة انتاج الكهرباء أو صيانة منشآت التوزيع، كان سببه اخفاق وزراء “التيار الوطني الحر” في اتخاذ الخطوات الاصلاحية الملحة في مجالات انتاج الكهرباء وتوزيعها وتحصيل الفواتير. والعجز الاكبر تجلى في موضوع المياه حيث لم يشهد مجرى نهر الليطاني خطوات لمنع التلوث، ومحطات انتاج الكهرباء الثلاث المنشأة على مجرى النهر والتي تشغل بتدفق مياه النهر من سد القرعون، لم يشملها أي مسعى اصلاحي. والمحطات الثلاث بطاقة 190 ميغاوات متوقفة عن العمل نتيجة اهمال الصيانة منذ عام 2006.

ان الرقم المنتظر تجمعه للدين العام في نهاية السنة الجارية سيتجاوز الـ85 مليار دولار، ومن هذه القرض الذي توافر لتأمين محروقات لانتاج كهرباء لبنان الذي لا يغطي نسبة 50 في المئة من مستويات استهلاك الكهرباء، وتالياً فإن زيادة الدين العام بنسبة 100 في المئة عن مستوى الدين العام في نهاية 2007 تقع في المقام الاول على عاتق الوزراء المسؤولين عن فشل تطوير انتاج الكهرباء وتحويل المعملين القائمين منذ عهد رفيق الحريري بطاقة 900 ميغاوات لاستعمال الغاز الطبيعي لقيماً لتوفير التكاليف وضبط تلوث البيئة.

البحث عن اسباب ارتفاع الدين العام بصورة صاروخية منذ بداية عام 2008 واضح، وكتاب رئيس لجنة المال والموازنة النيابية عام 2013 وعنوانه “الابراء المستحيل” والذي نشره “تكتل التغيير والاصلاح”، شدد على ضرورة البحث عن 11 مليار دولار واوجه انفاقها، ولم ينظر في حينه الى ان العجز الناتج من ادارة زملائه شؤون الكهرباء هو سبب انفاق الـ11 مليار دولار، واذا احتسبنا الفوائد التي تدفع عن هذا الدين يبلغ المجموع أكثر من 14 مليار دولار.

اذا اراد العهد لاحقًا تحفيز الاقتصاد والاستثمار، عليه ان يقرّ بمسؤولية هؤلاء وان يسند وزارة الطاقة والمياه الى وزراء على مستوى المسؤولية وتحويل انتاج الكهرباء وتوزيعها الى ما نشهده في المانيا، اي شركات صغيرة توفر الخدمات لمناطق سكنية مكتظة بمولدات نقالة تستعمل غاز البوتان الذي نستعمله في منازلنا للطبخ واحيانًا لتأمين التدفئة والمياه الساخنة. وجميع هذه الشركات خاصة ويحمل غالبية اسهمها سكان المناطق التي تحظى بخدماتها.

التوجه الذي نوصي به لا يحتاج الى أكثر من سنة لتحقيقه على كامل الاراضي اللبنانية، وحينئذٍ مع وفر تكاليف اللقيم وتأمين التيار بدل المولدات الخاصة، وربما اشراك بعض اصحاب المولدات الخاصة البارزة، في شركات توفير التيار، يتحقق وفر لا يقل عن مليار دولار، وزيادة في الدخل من تأمين الكميات للمستهلكين بأسعار تقل عن تكاليف المشتركين اليوم بمولدات خاصة وخدمات كهرباء لبنان، ووفر اضافي من زيادة رسوم الاستهلاك لا يقل عن 1.2 مليار دولار. وتحقيق نتيجة كهذه يلغي الحاجة الى مقترضات مؤتمر “سيدر” التي ثمة شك في الحصول عليها، ما دامت عمليات تطوير الادارة العامة بطيئة وغير مقنعة.

نأمل ألا تكون حكومة تصريف الاعمال مقتنعة بشكوى وزير مكافحة الفساد من تسيير امور طيران الشرق الاوسط، وهذه الشكوى الوحيدة غير قانونية اطلاقًاً، لان شركة طيران الشرق الاوسط هي شركة مساهمة وقد حققت ارباحًا كافية لاطفاء المبالغ التي سلفها اياها مصرف لبنان لتأمين خدمات جيدة باسطول حديث. ويجب ان يعلم وزير مكافحة الفساد ان عليه ان يوفر برهانًاً أسطع على اهتماماته، وقد يستفيد من معلومات شقيقه عضو مجلس ادارة طيران الشرق الاوسط عن شفافية عمليات شراء الطائرات التي يشكو منها هو بعد سنتين من توزيره، في أول اتهام بالفساد في نطاق لا يحمل أي مسؤولية فيه وليس موضع فساد يفترض ان يهمه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*