مصر وإيران في زمن المصاهرة الملكية

محمود الزيباوي|السبت02/12/2017
Almodon.com

في منتصف آذار-مارس 1939، اقترن ولي عهد إيران محمد رضا بهلوي بالأميرة فوزية، شقيقة الملك فاروق الأول، وبهذا الزواج “ارتبطت مصر وإيران بميثاق المصاهرة الملكية الإمبراطورية”، كما كتبت مجلة “الاثنين والدنيا”. احتفلت الصحافة بهذا الحدث، واستفاضت في الحديث عن العلاقات التاريخية التي تربط العرب بالفرس، ويبدو هذا الحديث مناقضاً جذرياً للخطاب الذي شاع في زمننا، منذ اندلاع حرب الخليج الأولى.  


أعلن القصر الملكي المصري عن خطبة الأميرة فوزية في منتصف تموز-يوليو 1938، وتزامن هذا الإعلان مع وصول “البعثة الإيرانية السامية” إلى القاهرة في زيارة رسمية. على غلاف مجلة “المصور”، ظهر رئيس هذه البعثة وهو ينحني ويقبّل يد الملك فاروق، ورافق هذه الصورة تعليق يقول: “تفضل حضرة صاحب الجلالة فاستقبل بقصر المنتزه العامر حضرة صاحب الدولة محمود جم رئيس وزراء إيران ورئيس بعثة الشرف الإيرانية وحضرات زملائه، وترى فوق هذا الكلام دولة رئيس البعثة بين يدي الملك”. نشرت المجلة بهذه المناسبة مجموعة من المقالات، أولها مقالة بعنوان “من القاهرة إلى طهران”، ومطلعها: “يتوق الكثيرون من المصريين منذ ان أُعلن نبأ خطبة سمو ولي عهد الإمبراطورية الإيرانية إلى الوقوف على أكبر قسط من المعلومات الخاصة بشؤون إيران وكل ما يتصل بإيران”.
نقلت “المصور” صورة عن “طهران الحديثة”، “المدينة التي ستقيم فيها أميرتنا فوزية”، ووصفت أحياءها ومرافقها، كما وصفت أهلها، وقالت في حديثها عن “زي الطهرانيين”: “يسود الزي الأوروبي في إيران وخاصة في طهران، وقد مرت به الأدوار التي مرت بالزي الحديث في تركيا”. تطرّقت المجلة في ملفها إلى هذا الموضوع أكثر من مرة، وقالت في وصف “الحياة الاجتماعية في إيران”: “السيدات الإيرانيات سافرات، والحجاب محرّم عليهن، ومن تُرى في الطريق متحجبة يتولى البوليس قيادتها الى دارها او يكشف عن وجهها في الطريق. لكنهن لا يعرّضن أنفسهن لشيء من ذلك، بل يخرجن سافرات، وتراهنّ اشبه ما يكنّ بالأوروبيات”. وأضافت: “نسبة المتعلمات بين الايرانيات تزيد عنها في مصر، وبينهن موظفات في الحكومة وصحافيات، ومنهن مبعوثات في أوروبا للتخصص في الفروع المختلفة”، و”الطالبات يتلقّين علومهن جنباً الى جنب مع الطلبة في الجامعة التي شُيّدت في عهد الشاه الحالي الذي يُعتبر عهد اصلاح شامل في كل إيران”.

كذلك، نشرت المجلة من توقيع “السيدة فضيلة هانم عزمي، كريمة اللواء محمود عزمي باشا”، استعرضت فيها أحوال “المرأة الإيرانية”، ومشاركتها في نهضة بلادها، وأشارت إلى “إعلان السفور رسمياً”، وقالت مهلّلة: “ها قد تحققت الفكرة، وعمّ السفور جميع الطبقات، وخلعت المرأة حجابها المعروف باسم الشادور”. وتحدّثت الكاتبة عن اختلاط الجنسين في الحياة العامة، ورأت ان المرأة الإيرانية “لا تجد غضاضة في الاختلاط بالرجال اعتماداً على ثقتها بنفسها، وعلى خُلق الرجل الإيراني من جهة أخرى”، واستطردت معلّقة: “ومما تجدر الإشارة إليه هنا أنهن لا يلقين أدنى مضايقة أو خروجاً عن الآداب من الشباب، كما هي الحال في مصر بكل اسف”. بعدها، تطرّقت السيدة فضيلة هانم عزمي إلى مسألة التعليم، وقالت إنه بات إلزامياً في المرحلة الابتدائية، واختيارياً في المرحلة الثانوية، وهو “يفوق قليلاً في مستواه مستوى التعليم الثانوي للبنات في مصر”.

من جهة أخرى، خصّصت “المصور” إحدى مقالاتها للجالية الإيرانية في مصر، وذكرت قائمة بأهم أعيانها، وجلّهم من “أقطاب التجار”، وهم من المتمسكين بالدين الإسلامي، ويحرصون على القيام بفرائضه، وبحج بيت الله، ويفخرون بلقب حاج، “وكلّهم من الشيعة محبي أهل البيت الذين يتفانون في حبهم لدرجة ان أوقف معظمهم جزءاً من املاكه لينفق ريعه في اطعام الفقراء تبركاً بأهل البيت في المناسبات والمواسم كافة”. وأشهر هؤلاء التجار الحاج محمد حسن كارزوني، محمد عزيز الهندي، وميرزا عبد المحمد مؤدب سلطان، “صاحب مجلة جهرنما الفارسية التي ظلت جريدته خير رابطة بين مصر وإيران”. خلف هذا الجيل الأول من التجار جيل ثان مصري النشأة والمولد والتربية، وأبرز وجوهه عبد الحميد بك كارزوني، رئيس “الجمعية الخيرية الإيرانية” التي “أصبح لديها من المال ما يكفي لإنشاء مستشفى ومدرسة خيرية إيرانية. وقد اندمج بعض أبناء هذا الجيل في الحياة المصرية عن طريق المصاهرة، ومنهم ميرزا مهدي بك مشكي، “العضو في مجلس إدارة الشبان المسلمين، ونائب رئيس المحفل الماسوني الأكبر، وكثير من الجمعيات الأدبية”.

جاء الحديث عن “المصاهرة الملكية السعيدة بين مصر وإيران” و”أثرها في توثيق الروابط بين الشعوب الشرقية” في مقالة لنقيب المحامين محمد علي علوية باشا. شدّد الكاتب على أهمية هذا الحدث، واستهلّ كلامه بالقول: “إذا كان التاريخ قد أثبت أن الأمم القديمة التي كانت دائماً في خصام وحروب، تسعى، إذا ما أرادت ان ينتهي بينها العداء ويحل محله السلام الدائم، الى تتويج هذا السلام بالمصاهرة التي تؤدّي الى تبادل الحب وتوثيق عرى المودة بشكل لا يدع سبيلاً لانفصامها، فحريّ بهذه المصاهرة ان تؤدّي الى هذه النتيجة، بل والى خير منها، بين أمّتين صديقتين، تعيشان في صفاء ووئام من قديم الزمن، كما هي الحال بين الأمتين الشقيقتين إيران ومصر”. رأى الكاتب ان إيران ومصر أمّتان في مقدمة شعوب الشرق الأدنى من حيث القوة والعظمة والحضارة، غير ان”الروابط الاجتماعية والثقافية والتجارية والاقتصادية ليست بالمقدار الذي يرضي الأمّتين”، المصاهرة بينهما “حدث سياسي كبير نرجو ان يؤتي ثمراته الطيبة عما قريب”.

عاد محمد علي علوية باشا إلى ميراث الماضي، وقال: “كلنا نعرف فضل فلاسفة إيران وشعرائها وفقهائها، وما كان لهم من أثر كبير في مختلف نواحي الثقافة”، واعتبر أن “إيران محتاجة الى الاتصال بالحركة الفكرية المصرية، كما ان البلدين محتاجان الى زيادة العلاقات التجارية وعقد المعاهدات السلمية، على أساس الحرية وضمان السلام العام”، و”كل الظروف مؤاتيه للاستبشار والفرح”. خصصّت “المصور” باباً لـ”فلاسفة إيران وشعرائها وفقهائها” الذين نعرفهم كـ”فحول في الأدب العربي”، وقدّمت تعريفاً قصيراً بثمانية أعلام، وهم تباعاً: ابن المقفع، ابن العميد، أبو بكر الخوارزمي، بديع الزمان الهمذاني، سيبويه، الامام البخاري، بشار بن برد، وأبو نواس. وختمت هذا الملحق بالقول: “هناك غير هؤلاء كثيرون، ذاع صيتهم في مختلف العصور الإسلامية، وبرعوا في الأدب العربي والكتابة العربية، ولكنهم مع ذلك من أصل إيراني”.

من المفارقات التاريخية المثيرة، واكبت “المصور” زيارة البعثة السامية الإيرانية، وأفردت عدداً من صفحاتها لنقل محطات هذه الزيارة بين القاهرة ومصر، وقالت إنها تزامنت مع إقامة المفوضية العربية السعودية لحفل عظيم هو الأول من نوعه، “ذلك لأن الحكومة المصرية لم تكن معترفة بالحكومة السعودية، ولم يتم هذا إلا بعد المعاهدة المصرية الحجازية، وقد عُقدت هذه المعاهدة عقب وفاة الملك فؤاد بمدة وجيزة، فلم يكن من الملائم إقامة حفلات في هذا الظرف”. أقامت المفوضية العربية السعودية حفلتها الرسمية الأولى احتفاء بالقائم بأعمال المفوضة المصرية في الحجاز، “ومن أظرف ما حدث انها قدّمت بين ألوان الطعام صحناً من الأرزّ الإيراني أُعجب به الجميع، وكانت إيران محور الأحاديث”.

تزّوج ولي عهد إيران محمد رضا بهلوي من الأميرة فوزية في القاهرة في منتصف شهر آذار-مارس 1939، ثم جرى الاحتفال به في طهران. كتبت مجلة “الراديو المصري”: “عاشت أميرة مصر المحبوبة الأميرة فوزية. وعاش الأمير المحبوب محمد رضا شاه بور. عاش العروسان وعاش عقد وفاق مصر وإيران. هنا في كل مصر أفراح، في كل مديرية ومدينة ومركز وقرية وكفر. وهناك في إيران استعداد عظيم لاستقبال العروسين الكريمين”. وغنّى محمد بخيت: “التقى الفاروق بالشاه الجليل/ فالتقت طهران بالوادي الجميل/ وزرها الإسلام بالمجد الأثيل/ فارفعوا الأعلام للدين المجيد”.

واصلت الصحافة المصرية احتفالها “بميثاق المصاهرة الملكية الإمبراطورية”، وأصدرت مجلة “الإثنين والدنيا” عدداً خاصاً بهذه المناسبة، وتوقّفت أمام زيارة سمو الأمير شاهبور محمد رضا، إلى الأزهر الشريف، حيث التقى بفضيلة الشيخ محمد مصطفى المراغي، وذكر له أن اسم “المراغي” الذي يحمله هو من الأسماء الإيرانية العريقة، ثم ابتسم، وقال له: “وما دام أن فضيلتك إيراني الأصل فسنأخذك معنا إلى إيران”. استعرضت المجلة أحوال إيران الاجتماعية والسياسية، وقالت في حديثها عن دين الدولة الرسمي: “الغالبية الساحقة في إيران مسلمة على مذهب الشيعة، ويبلغ عددهم خمسة عشر مليوناً، وهناك أقليات من المسيحيين واليهود وأصحاب العقائد المختلفة يبلغ عددهم، بما فيهم الجاليات الأوروبية والأميركية، نحو مليون، وينصّ الدستور الإيراني على أن حرية الأديان مكفولة للجميع، والبهائيون معتبرون من بين الأقليات، وقد أصبح من حقهم أن يباشروا تقاليد عقيدتهم كأية عقيدة أخرى”.
كان ذلك في عام 1939، ولا نملك اليوم الا ان نتساءل بمرارة: أين كنا، وأين أصبحنا؟


إقرأ المزيد على صفحات المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*