مصريتان في سان جيرمان… تيريزا وأندريه: الكتابة كمضاد للنسيان

سعيد خطيبي
Jun 02, 2018
القدس العربي

 

ميلان كونديرا، جان ماري غوستاف لوكليزيو، باتريك موديانو، ياسمينة ريزا، ميشال ويلباك وغيرهم، هي أسماء تعود عليها القارئ العربي، وباتت مألوفة في المكتبات. تُرجمت أعمالهم إلى أكثر من أربعين لغة، وكثيرون يتداولون أسماءهم وكتبهم. لكن، نادراً ما تساءلنا من يقف وراء هؤلاء؟ من هو الناشر الذي دفعهم إلى الأمام؟ قد يختصر أحدهم الإجابة بالإشارة إلى داري «غاليمار» و«فلاماريون».
لكن خلف واجهتي الدارين توجد امرأة ناشرة، وُلدت وكبرت في الإسكندرية، ولم تتخل عن لكنتها العربية، اسمها: تيريزا كريميزي(1945). عملت أكثر من ربع قرن مديرة نشر في «غاليمار»، فتحت هذه الدار على الترجمات، ومنحتها أفضلية نشر الكتب الأكثر مبيعاً (البيست سيلر)، أطلقت سلسلة «قارات سوداء»، التي تختص في الأدب الإفريقي، ثم انتقلت إلى فلاماريون، ومنحتها أول جائزة غونكور(عام 2010)، بعد ثلاثين عاماً من الركود والجفاف.
قبل أيام، التقيت تيريزا كريميزي، بالصدفة، في مكتبة. بدأنا الحديث عن كتابها «المُنتصرة»، الذي أرادته سيرة ذاتية لها ولجيلها، عن تيهها من الإسكندرية إلى ميلانو ثم البندقية، وصولاً إلى باريس، ثم عن رواية ويلباك الأخيرة «الخنوع»، التي كانت من آخر الروايات التي أشرفت على نشرها. ما إن عرفت أنني عربي، حتى راحت تستعيد ذاكرتها، التي بُترت منها عنوة، وتتحدث، كما لو أنها تتخلص من كبت عميق عن مصر، عن طفولتها في الإسكندرية الكوزموبوليتانية، تلك المدينة الأورو- عربية، كما تقول. التي كانت المحرك في كتابة «المنتصرة»، ثم جاء الحديث عن قسطنطين كفافيس، عن كسله وشعره وترجماته، التي ساعدت تيريزا في توسيع دائرتها، كنوع من العرفان والوفاء لمدينتها الأصلية، ولم تنس يوسف شاهين، وتحمسها في نشر أو ترجمة كتب تتحدث عن مدينة والديها، التي هجرتها، مرغمة في العاشرة من العمر، لتعود إليها، لاحقاً بالكتابة والترجمة إلى الفرنسية.
رغم أنها ولــدت في عائلة فرنكوفونية (من أب إسباني وأم إيطالية) ودرست بالفرنسية، فقد حافظت تيريزا كريميزي على «حياء شرقي» في كتاب «المُنتصرة».
انتصرت لتنشئتها المصرية، وبدت خجولة في وصف بعض التفصيلات الحميمة، من حياتها التي لم تسمح لها بالاستقرار في مكان واحد. يبدو أن انتصارها الوحيد هـــــو ذاكرتها، التي لم تصدأ قط، معاداتها للنسيان، عدا ذلك فإنها خسرت أشياء كثيرة، وتكرر أن وجدت نفسها تعيد حياتها من الصفر.
تحكي عن الموانئ التي عرفتها، عن البحار التي قطعتها، عن الغرباء الذين التقتهم، لكن نادراً ما تحكي عن أصدقاء، فقد قضت العشــرين عاماً الأولى من عمرها هائمة، مُشتتة، تحمل حقيبتها معها، وتنط من محطة لأخرى، ولم تستقر فعلاً إلا بعد وصولها إلى باريس.
هناك ستلتقي من جديد، مع أنطوان غاليمار بعد لقاء أول في فرانكفورت، وترافقه في تطوير واحدة من أعرق دور النشر الفرنسية. لقد عاشت تيريزا كريميزي، أو «رئيسة الوزراء» بتعبير فيليب سولرس، أكثر من ربع قرن، في الظل، تصنع نجوم الأدب في سان جيرمان، وتصدرهم إلى بقية أوروبا والعالم، ولم تتحدث عن نفسها، إلا بعدما غادرت ساحة النشر (قبل ثلاث سنوات)، أو بالأحرى تقاعدت منها، فنشرت كتابها الأول، ووجدت في ذلك سبباً لتستعيد ذاكرتها، التي ضاعت منها، وتجبر كسراً حصل، وهي منشغلة بالعمل وبتحقيق نجاحات مهنية، لكتاب آخرين، وليس لنفسها.
حين غادرت الإسكندرية، لم تكن تيريزا تحمل معها سوى بطاقات بريدية، صور مصفرة، وذكريات عن شوارع «مغبرة»، لكنها تتسع للبهجة والصخب وكل حماقات الصغر. لا تريد أن تتغير صورتها عن مدينتها الأولى، تخشى أن تعود إليها فتصطدم بتحولها وتغيرها، وتبلغ الخيبة ذروتها.
لا تريد أن تنظر إليها الآن، فهي تعرف أن جزءًا من تاريخها سيُمحى، وهذا أمر يُضاعف في كآبتها. تيريزا كريميزي لوحدها أكسبت دار غاليمار أربع جوائز غونكور، وخامسة مع دار فلاماريون، لكنها ضيعت على نفسها الجائزة الأهم؛ بأن تكتب. انشغلت بكتب الآخرين، ونسيت نفسها، في زحمة باريس ولغط جادة سان جيرمان.
هل هي صدفة أن تقضي تيريزا كريميزي آخر سنواتها المهنية في دار فلاماريون؟ الـــتي وصلــت إليها بعد شرائها من غاليمار. فهي الدار نفسها التي نشرت أهم كتب مواطنتها المصرية ـ الفرنســـية الأخــرى أندريــــه شديد (1920-2011)، التي لها أصول لبنانية، لكن القاهرة ظلـــت حاضرة في ذهنها، أكثر من أي مدينة أخرى. لما سألتها الصحافية بريجيت كرنال: «ماذا ترين حين تغمضين عينيك؟» أجابـــت: «أرى مصر والنيل. أرى شروق وغروب شمس. استعيد صوراً من الريف. أرى الحارات الضيقة التي تفضي إلى المدينة.
أشم روائح القاهرة وضواحيها». أندريه درست، في صغرها، مثل تيريزا، في مدرسة مصرية، وتلقت تنشئة فرنكوفونية، قضت عاماً ونصف العام في بيروت، برفقة زوجها الطبيب، ثم استقرت، بعد الحرب العالمية الثانية في باريس، حيث ستكتب وتنشر أهم نصوصها الشعرية والروائية. وعلى خلاف تيريزا، لم تقطع زياراتها إلى مصر، التي استمرت إلى غاية الثمانينيات من القرن الماضي.
قبل أكثر من ستين سنة، كان من النادر أن نجد كاتباً فرنسياً يجمع بين الشعر والرواية، وأندريه شديد هي من أوائل من حمل لقب «شاعرة وروائية». بدأت الشعر، كتجربة شخصية بالإنكليزية، ثم انتقلت إلى الفرنسية، متأثرة برينيه شار والجيل الأول من السيرياليين، ووصلت إلى الرواية بسبب مصر. «كتبت الرواية متأثرة بمصر. من هناك غرفت المادة الأولية في كتابة باكورتي «غفوة ممنوحة»، ثم رواية «اليوم السادس»» قالت. في باكورتها الروائية، كان من المنطقي أن تظهر بعض هوامش سيرة الكاتبة، وهي تتبع يوميات فتاة مصرية قبطية، تعيش تحت ضغط والدها. والشعر أيضاً وجد مكانا له في أول نصوصها النثرية. ستُعرف أندريه شديد خصوصاً بروايتها «اليوم السادس»، وحكاية الجدة أم حسن، التي تحاول إنقاذ حفيدها من الكوليرا.
أندريه شديد الحاصلة على جائزتي «غونكور»، في القصة القصيرة وفي الشعر، وتيريزا كريميزي، التي كانت وراء وصول خمس روايات إلى الغونكور، في الثلاثين سنة الماضية، سيكون من الإجحاف حصرهما في هوية واحدة، هويتهما المُنتقاة: الفرنسية. حين نسمع تيريزا وهي ترطن بالعربية، أو نقرأ أندريه شديد في نص «نفرتيتي وحلم أخناتون» سنشعر بحجم الاغتراب الذي عاشتاه. سكنتا معاً بالقرب من سان جيرمان، بدون أن تفارقهما أطياف القاهرة والإسكندرية.

٭ كاتب من الجزائر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*