مصرع مونتسكيو في لبنان

مكرم رباح
النهار
26102017


مونتسكيو.

صباح الخميس الماضي في تمام الساعة العاشرة صباحاً وأثناء قيادة المدعو شارل لوي دو سيكوندا المعروف بالبارون دو مونتسكيو سيارته من نوع بيجو بيضاء اللون قرب مستديرة قصر العدل، فقد السيطرة على مركبته واصطدم بعمود وما لبث أن فارق الحياة وهو في طريقه الى مستشفى أوتيل ديو القريب.

بعد التحقيق مع زوجة القتيل التي كانت برفقته، تبين أن مونتسيكو فقد السيطرة على سيارته بعدما تلقى على هاتفه رسالة “واتس اب” تتضمن صورة عن كتاب أرسله رئيس مجلس القضاء الأعلى الى زملائه القضاة يدعوهم وبإصرار إلى حضور حفل الافتتاح السنوي للسنة القضائية في 27 تشرين الاول الجاري في رعاية فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحضوره.

بحسب الرواية ولدى قراءة البارون الفقرة التي يصر فيها الرئيس الاول على حضور القضاة كافة وتسجيل غياب المتخلفين عن الحضور وأسباب تغيبهم، تعرض لذبحة قلبية أدت الى وقوع الحادث.

في الوقائع: بحسب التحقيقات، مونتسكيو هو قاضٍ سابق وسليل عائلة عريقة تنحدر من مقاطعة بوردو، يعتبر من أهم الفلاسفة القانونيين ومؤلف كتاب “روح القانون” الذي أسس لمبدأ فصل السلطات التي بنيت عليها كل الدساتير الحديثة بما فيها الدستور اللبناني سنة 1926.

الحادث أعلاه، أو بالتحديد مصرع مونتسكيو في العاصمة بيروت، هو من نسج الخيال، بعكس الكتاب المرسل الى الجسم القضائي اللبناني، الذي أكد للرأي العام أن القضاء اللبناني كسائر المؤسسات اللبنانية هو رهينة طبقة سياسية جامحة ترى فيه رادعاً أخيراً في وجه السيطرة الكاملة لهذه الطبقة على البلاد وما تبقى من مواردها الطبيعية والبشرية.

في القانون، من المألوف أن يراسل الرئيس الأول الجسم القضائي، ولكن أن يأتي هذا الكتاب بنبرة “احضر حالاً”، فهذه سابقة جديدة لم تسجَّل حتى ايام سيطرة نظام الاسد على كل مرافق السلطة. يضاف الى ذلك، أن التشكيلات القضائية التي أقرّها مجلس الوزراء حديثاً، وجهت رسالة واضحة الى القضاة الحاليين او إلى اي من الطامحين لدخول السلك القضائي بأن معيار العهد القوي هو التبعية السياسية وليس الكفاية العلمية والأداء الوظيفي.

في الأساس: لا يحتاج مَن يتابع شؤون القضاء إلى ان يتعمق في التشكيلات الأخيرة ليلحظ المعيار السياسي الفاضح للمناقلات الحاصلة، على رغم أن العديد من القضاة يستحقون مراكزهم، من دون أن يغفل أن الجسم القضائي مكسور الخاطر بعدما أُدّب بطريقة ضمنية. لعل هذه الحقيقة المخجلة تبرر، ولو قليلاً، رسالة الرئيس الأول الذي ذكر أن منصبه هو أيضا عرضة للمقايضة السياسية كما حدث مع أقرانه. من المفارقة أن مختلف القضاة الذين تعاونوا مع التحقيق الدولي ومع المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري – ممن لم يتجاوزوا السن القانونية – قد أُقصوا عن المراكز الحساسة، أو كما هو دارج بالعامية وُضعوا على الرفّ، ومن ضمنهم قضاة شجعان أصدروا مذكرات توقيف وأحكاماً في حق شخصيات من الزمن السوري البائد، بينهم “وزير الصبير والعبوات” ميشال سماحة.

في الأساس قد يقول البعض: هذا الواقع ليس بمستجد وإن القضاء والقضاة عرضة للتجاذبات السياسية كما هي حال مؤسسات الدولة والمسؤولين فيها، والمجتمع اللبناني. لكن للسخرية نرى أن الوزير الوصي على المؤسسة الذي لم يتردد من موقعه السابق كرئيس فريق الدفاع عن متهمي “حزب الله” امام المحكمة الدولية، لم يتردد في رشق القضاء اللبناني وتصوير العدالة الدولية بتهمة العمالة للإمبريالية وخدمة إسرائيل.

امتعاضي الشخصي من حفلة التنمير على القضاء، ليس وليد الساعة، بل يستند الى انني فتحتُ عيني على العالم وانا ابن قاضٍ وأستاذ قانون مرموق، هو غسان رباح، رفض منحة دكتوراه قبيل الحرب الاهلية لدراسة القانون في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة وفضّل الالتحاق بمعهد الدروس القضائية ليبقى إلى جانب أهله ووالدته المربية التي لطالما ارادت ان يصبح ابنها الاصغر غسان “ريس”.

“طال عمرك ريس” او “صباح الخير ريس” عبارتان كنت اسمعهما في بهو قصر العدل اثناء مرافقتي له، جذّرتا فيَّ الاقتناع بأن على القاضي ان يبقي جسده وروحه نقيتين من الهراء السياسي، وبأن عليه تحت كل الظروف ان يحكم بالحق وباسم الشعب اللبناني. اقتناعي ذاك، تمّ تحديه مراراً ولا سيما عندما اكتشفت أن والدي كما سائر زملائه هم ضحايا النظام المذهبي الذي يوزع المناصب. وعلى الرغم من هذا النظام العنصري المهترئ، بقي اقتناعي بأن رسالة القاضي لا تزان بمعاشه المخجل او باستهزاء البعض به لأنه لا يرتشي.

قطيعتي الكبرى مع حراس العدالة، حصلت عندما رأيت زملاء والدي – بعضهم تناول الطعام إلى مائدة جدتي – يدير ظهره بعدما اقتنعوا بأن اتخاذ موقف، ولو اخلاقي، قد يؤذي مستقبلهم المهني. اما الآن، وأنا أنظر الى جثة مونتسكيو على قارعة مستديرة العدلية، فقد ازداد اقتناعي بأن موقفي هو الصائب، وبأن والدي الرجل الطيب والعلّامة في القانون، غادر السلك قبل ان يحضر مكبّلاً حفل افتتاح عدالة موصدة منذ سنوات.

في أوائل التسعنيات كنت برفقة والدي “الريس” في سيارته المتواضعة عندما تجاوزتنا سيارة فارهة الثمن من نوع مرسيدس، عرفت آنذاك بـ”الشبح”. حينها قلت لوالدي: “يا ريس صار في كتير سيارات شبح”، فبادرني الدكتور غسان بالإجابة: “اي لأنو قلّو الأوادم”. إي ولله، يا ريّس قلو الأوادم… يطول عمرك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*