مصائر الكتابة بين الفيسبوك والورشة الإبداعية

 


واسيني الأعرج
القدس العربي
28032018

كيف نكتب؟ وعن ماذا نكتب؟ ومن يحق له أن يكتب؟ أسئلة تخترق اليوم زمناً عربياً صعباً، وربما عالمياً أيضاً، أصبحت فيه الكتابة عملاً سهلاً، وأحياناً مبتذلاً يدفع بالكتابة نحو الانتفاء، أي نحو اللاكتابة.
كثرة المكتوب، مع غياب مفجع للمتابعة النقدية؟ وقلة الجودة، وتصنيع ذائقة جديدة للاستقبال الأدبي، كثيراً ما تكون هزيلة لدرجة أن تصبح هي حكماً في التقبل والرفض.
ونرى أن الكثير من الكتابات وجدت في مساحات الفيسبوك وسيلتها التواصلية وحققت مقروئية واسعة، تعد اليوم بالآلاف. قبل أن يتحول الكتاب إلى عمل ورقي متداول بين الأيدي في المعارض أو في غيرها، يكون قد اخترق كل الحيطان والحواجز التقليدية معتمداً على الوسائط الحديثة، لدرجة أن حتى منتقديه يندفعون نحو شرائه، ولو فضولاً.
ربما كان لدمقرطة وسائل الكتابة والانتشار الجديدة، الفيسبوك تحديداً، دور مهم في انتشار الظاهرة وتفشيها. كيف يمكن مجابهة هذا التحدي الذي تحول إلى حقيقة ملموسة وموضوعية، بمعنى سوسيولوجية؟ بالإهمال، وكأن الظاهرة غير موجودة؟ أم نحاول أن نكون إيجابيين باتجاه المزيد من التطوير والمزيد من الحرفية؟ الظاهرة بدل رفضها ببلادة جملة وتفصيلاً، وكأنها نزلت من كوكب آخر، تستحق منا تأملاً عميقاً لفهمها عن قرب. فهي جزء من المناخ الثقافي العربي العام، حتى ولو كان حالة مرضية، أو غير طبيعية. الذي يكتب ويقرأه الآلاف، من هم في سنه أو قريبون منه، يستحق منا قليلاً من التأمل والتفكير في تطوير الفعل الكتابي وإخراجه من الهواية والضعف، بسب غياب التكوين الأدبي حتى ولو توافر التخييل والموهبة الكتابية، باتجاه حرفية حقيقية.
انتشرت في السنوات القليلة الأخيرة الكثير من ورشات الإبداع الفني والكتابي، وأصبح الاقتناع بها مسألة مهمة، بعدما ظل الكثير من المثقفين يعتبرونها مضيعة للوقت، فالورشة لا تصنع الموهبة، ولا تمنحها ما لا تملك، لكنها هبة ثقافية وطبيعية. كم من المواهب ماتت وانطفأت لأنها لم تجد من يأخذ بيدها؟ كم من موهبة ظنت نفسها أنها وصلت، وليست في حاجة لمن ينبهها في أخطائها التي يمكن تداركها بسهولة؟ وكم من موهبة انتشرت ووصلت سقفاً عالياً وجوهرها ضعيف. في الأدب والشهرة أيضاً الكثير من الصدف والظلم أحياناً.
لكن المثابرة والجدية والاقتناع بجدوى الكتابة تمنح فرصاً كثيرة للنجاح. الورشة لا تخلق الموهبة، لكنها توجهها عندما تتوافر وتمنحها فرصاً كبيرة للتطور على أسس حقيقية وصلبة. وتجعل من الكتابة فعلاً واعياً بتقنيات دقيقة لا مكان فيها للصدفة. هناك مراهنة حقيقة على جيل آت بقوة وعنف أحياناً، يحتاج إلى وعي بالظاهرة من أجل فهمها وتطويرها ومنحها فرص التجلي الحقيقي والمساهمة في تنمية الأدب العربي من خلال الثيمات الجديدة وحتى الأشكال الروائية التعبيرية. من المؤكد بأننا نصطدم بكتاب اخترقوا الغشاوة بوسائل وهمية قد لا تمشي بعيداً إذ يمكنها أن تنكسر في أول اصطدام مع الوقت. لأن الوقت يكشف ضعفها المميت.
اختبار الإبداعية وتحسينها وتطويرها من خلال الورشات، ليس عملاً ضافياً، ولكن ضرورياً، بل وحيوياً. هذه الورشات لا تحل معضلات الكتابة، لكنها تجعل مسؤولية الكاتب كبيرة، وأفق الانتظار أوسع. في كل الأحوال، فالورشات لا تخلق كتاباً، لكنها تساعد الذين يرغبون، من الموهوبين، أن يتعرفوا على تقنيات الكتابة واختبارها عن قرب. للكتابة، كما لكل العلوم، قوانين حية تتطلب منا معرفتها. الشخصيات مثلاً ليست انعكاسات لأحلامنا وأشجاننا ولكنها بنى تحتاج إلى تشييدها بانفصال شبه كلي عن الحياة الخاصة للكاتب، وإن ظلت على تماس معها. يحتاج الأمر إلى تأسيس حقيقي لا تكفي فيه الموهبة. بقدر ما يكون المعيش غنيا، وزاوية النظر واعية، يستطيع الكاتب أن ينفصل عن الذات بمعناها الضيق.
هذا كله يخضع لآليات معقدة، يحتاج الكاتب الشاب الذي يتهيأ للكتابة، أن يعرفها ويجربها. الاكتفاء الذاتي الذي نراه اليوم طاغياً عند الكثير من كتاب الفيسبوك، يؤذي إذا لم يكن وراءه شخص يريد أن يتعلم، ورغبته كبيرة في ترميم تجربته الكتابية اليافعة. حتى الخيارات الموضوعاتية تخضع لنفس لضوابط. أن تكون الموضوعة المختارة مدروسة بشكل جيد، إذ عليفايسيوكها تنبني الجزئية الأهم من الكتابة ومؤدياتها. تقنية التوصيل ليست أقل قيمة من الموضوعة. دورها مهم جداً، لأنها الجسر الذي ير بط الكتابة بالقارئ ويشده إلى النص. المشكلة ليست في الخيارات المدرسية، فكلها صالحة، يجب فقط إدراك خصوصية كل واحدة ومتطلباتها الجمالية.
يمكنني أن اختار الوسيط الكلاسيكي الخطي الذي يفرض عليّ نظام الانفتاح والنشاط السردي قبل فك العقدة وإيصال النص إلى النهاية. وقد يختار الكاتب وسيطاً جمالياً حداثياً يمنح النص حرية كبيرة، لكنه يفرض عليه بالضرورة قدرة على الإقناع، فالقارئ جزء من فاعلية الكتابة. اللغة الروائية ليست موضوعاً هيناً.
فهي خاضعة أيضا لطبيعة النص الذي نكتبه. من اللغة الوظيفية المباشرة والمجردة من كل الزوائد، إلى اللغة الشعرية الفضفاضة التي تعوض فيها خطابات الكاتب أفعال الشخصيات. فتختفي دقة الموضوعة، وينفلت المعنى نهائياً. هذه الظاهرة طغت في السنوات الأخيرة. إلى اللغة التي يتم قياسها في العمل المخبري اللغوي، حيث ندرك بالضبط متى تضفي اللغة الجافة وضوحاً على النص، ومتى تصبح عائقاً وعاجزة عن أداء وظيفتها؟ وكيف يمكن الاستنجاد بلغة الداخل والشعر التي يمكنها أن تصعِّد من الحالة الدرامية للكتابة. يظل التخييل ركناً كتابياً أساسياً. تُنجزُ الروايات لغواية قارئ محتمل من خلال تخييل يشده. لا يمكن أن تلغي أية رواية فعل التخييل إذ هو الوسيلة الحية التي تُخرج النص من دائرة الارتداد الاجتماعي المباشر، وتمنحه قابليته الأدبية والجمالية.
الكتابة في النهاية ليست عبثاً حتى لو تخيلنا الأمر كذلك أحياناً، لكنها مسؤولية أمام الكتابة نفسها بوصفها نشاطاً فردياً واجتماعياً له خصوصيته وتمايزه. ومسؤولية أيضا أمام المجتمع والتاريخ. كلما فتحنا أعيننا على مكتباتنا الفردية، رأينا أن التاريخ لم يحفظ في النهاية من الإبداعات إلا النصوص التي اندرجت ضمن الصيرورة التاريخية، لا بوصفها حقيقة مطلقة ولكن بوصفها وجهاً حياً ومهماً للتجربة البشرية في مواجهتها لدراما الحياة ومأسوية الإنسان في صراعه المستميت مع المصائر الأكثر قسوة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*