مشهد محفوف بالمخاطر يترصّد لبنان… هل يخسر ما نجح في تحصينه؟

سابين عويس
12102017
النهار

الانشغال الداخلي بملفات اقتصادية ومالية لا يعدو كونه سباقاً مع الوقت على إنجاز استحقاقات معلّقة من شأنها أن تساهم في تذليل الكثير من العقبات التي قد تواجه البلاد في المرحلة المقبلة، في ظل الغليان الذي تعيشه المنطقة والذي لن يرحم لبنان من ناره.

فمع إقفال ملف سلسلة الرتب والرواتب وتأمين الإطار القانوني لتمويلها وتمويل ما أمكن من خدمة الدين العام عبر إدخال موارد جديدة تقلص هامش العجز المالي، ومع التوجه الجدي لإنجاز موازنة السنة الجارية، تكون الحكومة قد اتخذت إجراءات احتياطية من شأنها أن تعزز مقومات صمود البلاد ماليا واقتصاديا أمام أي اهتزازات قد تتعرض لها في ضوء المخاوف المتعاظمة من بلوغ التصعيد الاميركي – السعودي – الاسرائيلي ضد إيران و”حزب الله” مستوى غير مسبوق يهدد الاستقرار في لبنان كما في المنطقة.

ولعل هذا ما يبرر التحذيرات التي أطلقها رئيس الحكومة سعد الحريري ومعه رئيس مجلس النواب نبيه بري حيال الوضع المالي ومخاطر تراجع التصنيف الائتماني للبنان، وضرورة تأمين موارد جديدة تغطي العجوزات الحاصلة.

فقد بدا واضحا استشعار بعض القوى السياسية للإعصار المقبل على المنطقة من بوابة التصعيد الاميركي ضد إيران ومنها ضد “حزب الله”، الجناح العسكري الابرز لطهران إلى جانب الحرس الثوري الايراني، في ظل توقع إعلان الرئيس الاميركي دونالد ترامب خلال الساعات القليلة المقبلة، تصنيف الحرس الثوري إرهابيا.

وبدا جليا ايضا لهذه القوى استشعارها للتزامن الوثيق بين هذا التصعيد وبين العودة السعودية إلى لبنان من الباب العريض، من خلال استدراك التراجع الذي سجلته أخيرا وجاء لمصلحة تقوية النفوذ الايراني في لبنان. لم يقف الامر عند استعادة قوية للإصطفافين الآذاريين، في ظل المحاولة السعودية لإحياء الحركة الاستقلالية في وجه تحالف المحور الايراني – السوري، بل ذهب أبعد في اتجاه رسم استراتيجية المواجهة في المرحلة المقبلة، تقضي بإخراج لبنان من المساحة الرمادية التي رسمها لنفسه من خلال انتهاجه سياسة النأي بالنفس عن سياسة المحاور وصراع المنطقة، للدخول في وسط الاعصار، بما أن الاستهداف الاميركي – السعودي يطاول الحزب الذي يمسك بزمام قيادة البلاد والسلطة فيها.

قد لا تكون المخاوف من اندلاع حرب كنتيجة حتمية للمواجهة السياسية الحاصلة، هي ما يشغل المراجع السياسية المتوجسة من التطورات الاقليمية والدولية، على خلفية معطيات تشي بأن التصعيد لن يبلغ مرحلة الانفجار، بل ما ستكون تداعيات التصعيد على الساحة اللبنانية المستهدفة في شكل أساسي، نظرا إلى فشل كل مساعي الفصل بين الدولة و”حزب الله”. وهو ما برز واضحا في تصريحات المسؤولين الاميركيين حيال أداء كل من رئيس الجمهورية ووزير الخارجية، او في الكلام الاخير لوزير الدفاع الاسرائيلي افيغدور ليبرمان الذي اعتبر الجيش اللبناني جزءا لا يتجزأ من منظومة الحزب، وان الاستهداف سيكون بالتالي ليس فقط للحزب بل للجيش ايضا.

لم يكن لقاء كليمنصو بين اركان الترويكا ذات اللون الطائفي الواحد بعيدا من استشعار هذه الهواجس، فيما اركان الثنائية المسيحية منشغلين في إجراء جردات حساب محلية لحسابات الربح والخسارة في نتائج التحالف وكيفية صرفها في صناديق الاقتراع.

وليس لقاء كليمنصو إلا نتيجة لرغبة في عدم دفع الرئيس الحريري بما يمثله من حيثية في طائفته إلى الخروج عن سياسة المهادنة التي اعتمدها منذ تبنيه انتخاب العماد عون رئيسا للجمهورية، تلبية للرغبة السعودية، بما يمكن أن يهدد مستقبل الحكومة ومصيرها إذا لزم الامر، خصوصا أن اي استقالة للحكومة ستؤدي حتما إلى تطيير الانتخابات وسقوط كل بنود التسوية التي رعت حتى الآن التفاهمات على الملفات العالقة.

من هنا، تؤكد مراجع سياسية أن الاولوية اليوم ستكون لتحصين الاستقرار الداخلي في الحد الادنى الممكن، وتأمين العبور الآمن نحو الاستحقاق الانتخابي، مع تمسك لبنان بالقدر الاكبر من سياسة النأي، لتجاوز الاعاصير المقبلة، بدءا من قانون العقوبات الصادر لا محالة خلال فترة وجيزة، والتضييق المتنامي اميركيا على “حزب الله” في ظل سؤال لا يزال يحيّر بعض الاوساط المراقبة: هل الاستهداف الاميركي سيتوقف عند الحزب حصرا بما يروي غليل ترامب المتعطش إلى الاطاحة بالاتفاق النووي، بحيث تنجح ضوابط الكونغرس (في مرحلة التصويت) والضغط الاوروبي في الحد من الخسائر، ام سيطيح طهران ايضا على قاعدة عدم الفصل بين الاصيل والوكيل؟

أياً تكن المعطيات التي ستبلور الاجابة عن هذا التساؤل، فإن لبنان لن يكون بمنأى عن خطر أن يخسر كل ما نجح في تحصينه منذ اندلاع الحرب السورية وذهاب “حزب الله” اليها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*