مشكلة الأموات

صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
الشرق الأوسط
21092018
كثيراً ما ننشغل في هذه الأيام بمشكلة كثافة السكان ونسبة الولادة، ولكننا ننسى أو نتناسى مشكلة الأموات. فكل ولادة تقابلها موتة.
وإذا كان من المعتاد استعمال نفس المَسكن لوجبة بعد وجبة من الساكنين وإعادة استعماله لعوائل مختلفة، جيلاً بعد جيل، فليس من المعتاد إعادة استعمال نفس القبر لأشخاص آخرين كما لو كان سريراً أو كنبة في مقهى. المفروض في الواقع أن المتوفى يحجز قبره لنفسه حتى يوم القيامة. وهذه مشكلة التفت إليها المعري حين قال:

خفف الوطأ ما أظن أديم
الأرض إلا من هذه الأجساد
ودفين على بقايا دفين
ضاحك من تزاحم الأضداد

ورغم ما قاله شيخ المعرة، فهذه المشكلة لم تكن مألوفة عندما كانت نفوس الكرة الأرضية محدودة، ولا يتجاوز سكان أي مدينة بضعة آلاف من السكان، يموت أكثرهم غرقاً أو حرقاً عند الحرائق الشاملة، فلا يكلفون البلدية أو العائلة نفقات دفنهم. ولكن الأمر تغير في القرن التاسع عشر بالانفجار السكاني الذي اجتاح أوروبا فارتفع عدد سكان المدينة من بضعة آلاف إلى بضعة ملايين. ظهرت مشكلة دفنهم. وكل هذا بعد أن تفاقم سعر المتر الواحد من الأرض. هكذا ظهرت الجمعيات التي دعت لحرق الجثة بدلاً من دفنها.
ولكن النزاع تفاقم على الأرض بين بناة الدور وبناة القبور. وكان أن حدثت الضجة في لندن بشأن قيام البلدية ببيع مقبرة لإحدى شركات البناء. وبالطبع دارت الضجة حول سعر البيع وليس فكرة البيع.
وصل التهالك على القبور في أوروبا أنهم أصبحوا يؤجّرونها لعشرين أو خمسين سنة فقط. وأصبح امتلاك قبر من مظاهر الترف. تلتقي بفتاة تحاول أن تبهرك بثرائها ومكانتها فتقول لك: «والدي مدفون في قبره الخاص في هايغيت». فيتلعثم لسانك وتدرك أنك أمام امرأة في غاية الجاه والثراء. والدها عنده قبر في هايغيت! النساء الأقل شأنا يتباهين بأن والدهن عنده سيارة رولز أو مرسيدس. هكذا تسمع من النساء العربيات. المرأة الإنجليزية تتباهى بقبر والدها! تسمعها تقول: «باباتي مدفون في قبر أربعة أمتار في ونشستر بجانب الكاتدرائية». ويزداد القبر وجاهة عندما تجده متوجاً بتمثال مرمري جميل. ولكن زميلتها تحاول بزها بالتباهي بقبر جدها فتقول: «بابا يقول إما أن يندفن الإنسان في وستمنستر براحة وإلا فالحياة ماتسواش»!
الواقع أنه لا يوجد شيء يدل على مكانة الإنسان في المجتمع الغربي أفضل وأرقى من أسلوب موته. تجد أن جميع أولاد الطبقة العاملة والمشردين تنتهي حياتهم في محرقة ويُذرّ رمادهم في الهواء، في حين يحظى غالبية أبناء الأرستقراطية بالدفن في الأراضي الكنسية أو حدائق القصور التاريخية، وتتوج بأكاليل الزهور وتحيط بهم الأشجار الدائمة الخضرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*